د.أمينة منصور الحطاب

ما زلت أذكر أننا انتظرنا ثلاث سنوات - من تاريخ تقديم الطلب - للحصول على خط هاتف أرضي، وكثيرا ما روادتني فكرة أن يحصل كل فرد من عائلتنا على هاتف خاص به يستطيع الاتصال مع الآخرين في أي مكان أو زمان؛ كمهاتفة والدي في طريقة عودته للمنزل لاحضار الخبز ومستلزمات أخرى أو الاستئذان بالبقاء خارج المنزل لفترة أطول لا سيما إذا كنا في رحلة، أو حل الواجبات المدرسية مع إحدى الزميلات دون ازعاج وتنبيه جميع أفراد العائلة أن الوقت المسموح به قد انتهى وغير ذلك من الأمور...، بقيت هذه الأفكار تدور في خلدي حتى صحوت في أحد الأيام على رنة الهاتف الخلوي وعلى تطبيقات ذكية قد أعجز أحيانا على اللحاق بها.

لقد شهدنا تطوراً هائلاً لوسائل الاتصالات والمعلومات انعكس على حياتنا في جميع شؤونها، ويعد التعليم أحد الجوانب الذي طالته التكنولوجيا فأثرت فيه سواء في مجال التخطيط أو التنفيذ أو التقويم وحتى المحتوى، وأصبح لزاما على المربين وأصحاب القرار اتخاذ ما يلزم لتطوير العملية التعليمية في المجالات السابقة، ولقد تطورت اساليب التعلم فانتقلنا من التعلم التقليدي الى التعلم الالكتروني، ووجدت العديد من المؤسسات والمنظمات التي تعنى بالتعلم الالكتروني والتعليم عن بعد، وتغير دور المعلم من ملقن ومصدر للمعلومة الى مدرب ومرشد وموجه وأصبح الدور الرئيسي في التعلم للمتعلم.

وحرصاً على تحقيق أهداف التعلم في القرن الواحد والعشرين وجعله مستمراً، وايجاد استراتيجيات تدريسية جديدة تلبي للمتعلم طموحاته وتراعي قدراته وحاجاته وتساعده على التعلم بسرعة بعيداً عن تلك الطرق التقليدية التي اصبحت مملة لدى الكثير من الطلبة وجدت استراتيجية الصف المعكوس أو المقلوب التي تسعى الى ايصال الرسالة التعليمية لأكثر عدد من المتعلمين بمختلف الاعمار مع الاخذ بالاعتبار تزايد اعداد المستخدمين للأجهزة التقنية الحديثة والمحمولة بأنواعها، وتساهم في حل بعض المشكلات التي تطرأ في الحقل التعليمي مثل ضيق وقت الحصة للنقاش والوصول الى مهارات التفكير العليا وغياب بعض الطلبة، وغير ذلك من التحديات التي قد تطرأ.

يعد التعلم المقلوب في إطار الصفوف المقلوبة (المعكوسة) نموذج تربوي يرمي إلى استخدام التقنيات الحديثة وشبكة الإنترنت بطريقة تسمح للمعلم بإعداد الدرس عن طريق مقاطع فيديو أو ملفات صوتية أو غيرها من الوسائط، ليطلع عليها الطلبة في منازلهم أو في أي مكان آخر باستعمال حواسيبهم أو هواتفهم الذكية أو أجهزتهم اللوحية قبل حضور الدرس في حين يُخصص وقت الدرس للمناقشات والمشاريع والتدريبات. ويعتبر الفيديو

عنصرا أساسيا في هذا النمط من التعليم حيث يقوم المعلم بإعداد مقطع فيديو مدته ما بين 5 إلى 10 دقائق و يشاركه مع الطلبة على أحد مواقع الـويب أو شبكات التواصل الاجتماعي.

إن مفهوم الصف المقلوب يضمن إلى حد كبير الاسـتغلال الأمثل لوقت المعلم أثناء الحصة، حيث يقيّم المعلم مستوى الطلبة في بداية الحصة، ويُصمّم الأنشطة التي تركز على توضيح المفاهيم وتثبيت المعلومات وتنمية المهارات وتعزيز القيم والاتجاهات، ثمّ يشرف على تطبيق هذه الأنشطة ويقدمُ الدعم المناسب للمتعثرين منهم لتكون مستويات الفهم والتحصيل العـلمي عاليةً جداً لأن المعلم يكون قد راعى الفروقات الفردية بين المتعلمين.

وللتعلم المقلوب ايجابيات عدة فهو يساعد المعلم على الاستغلال الأمثل لوقت الحصة، ويسمح للطلبة إعادة الدرس أكثر من مرة بناءاً على فروقاتهم الفردية، كما يعزز دور المعلم كمحفز ومساعد وموجه ومستشار للطلبة ، ويدعم العلاقات الانسانية بين الطالب والمعلم من ناحية وبين الطلبة أنفسهم من ناحية أخرى، ويشجع على الاستخدام الأفضل للتقنية الحديثة في مجال التعليم ليتحول الطالب إلى باحث عن مصادر معلوماته، كما يعزز التفكير الناقد والتعلم الذاتي وبناء الخبرات ومهارات التواصل والتعاون بين الطلبة.

أما الصعوبات التي قد نواجهها في توظيف هذه الاستراتيجية فتظهر في: عدم تأهيل المعلمين تقنيا لإعداد مقاطع الفيديو أو تسجيل المحاضرات ، وعدم امتلاك بعض الطلبة الوقت الكافي لتحضير الدرس تحضيراً جيدا قبل وقت الحصة الصفية، وقد يكون إعداد الفيديوهات المناسبة للمواضيع الدراسية المطلوبة أمراً صعباً حيث يتطلب ذلك وقتاً طويلا وكفايات تكنولوجية عالية ويكون الحل لمثل هذه المشكلة هو الاستعانة بفيديوهات معدة مسبقا قد تتواجد عبر المواقع الالكترونية.

ولعله من المهم التذكير بقول المدير السابق لإدارة التعليم وإعداد معلمي المستقبل على استخدام التكنولوجيا في أميركا (Tom Carroll): إن قوة التكنولوجيا في تعليم الطلبة لا تأتي من وجود أجهزة الحاسوب في غرفة الصفِّ أو من خلال الإنترنت، لكنَّ القوة الحقيقية للتكنولوجيا في التعليم ستأتي عندما يتدرَّب المعلمون بشكل جيد، ويحصُلون على مكامن التكنولوجيا بأنفسهم.

Ameeneh@live.com