صابرين فرعون *

(1)

الهواء الذي نغرفه ملءَ أنوفنا

ملوَّثٌ باللصوص والمجرمين والعتبات،

لا «ألف» أبحث عنها ولا شطآن

أنا الأَمَةُ التي هربت من بيت السيد

بُترت يدي وهي تمتد لتكتب أحلام الغد

علّموني

أن أخاف الظلام

أن أخلع قلبي قربانا

أن أنحني لأقبّل يدَ الذي عقر الناقة

أن يكون الخوف وصمةً إن داهمني النعاس

كتبتُ عن الثمرة فرماني أبي بقشرِها،

رسمتُ بيتي مطلّاً على البحر بلا سياجٍ

فدفنَ المرتزَقةُ جماجمَ الهاربين من الحرب في حديقتي،

ركضتُ خلف الشمس أسأل الدربَ حباً وظلّاً

جُلِدتُ بالعبرات من مقلتي الهوى،

ربّيتُ أبنائي أن يحفظوا طريق الخيمة

فثارت مديرةُ المدرسة..

حملتُ صخرتي حتى قمة الجبل

ركلتُها وعزفتُ عن حمل الأثقال

أنا المرأة المنسيّة بباب الكلام

أشرب الصمتَ في أصصي

لا أغنّي اليومَ لحريتي

بل أزرع الورد على قبورهن

وقد أورثْنَنا صيغةَ التمرد

لنكون أمهات.

(2)

لم أسمع لحن الناي منذ بشّرَت القابلةُ أبي بمولدي

منعني من اللعب وقريناتي بباب الدار

أفرغ حقيبتي المدرسية على الدّرج

وثب ذكور العائلة بين الدفاتر

يبحثون عن كسرة الخبز التي أتسلّح بها

لأُطعم حين أكبر جياعَ العلم

سحبوا الطبشور الملوّن من جيب مريولي

قبل أن أصنع ثورة المصابيح في الغرف المغلقة

خافوا من اسمي.. حذفوه من الدعوات الرسمية

في عرسي كانت الكارثة

زفّتني نسوةُ الحيّ للمقصلة بلا اسمٍ

كلّ ما أعرفه أن رأسَ القبيلة من حجرٍ

يتناولون التفاح عن الشجر

يبيحون دمَه

يسرقون إرثَ حكاياته

وينادون بمساواة حقوق المرأة

بفحولة الذكر!

صلوات الكادحين تقصم ظهرَ الشيخ

الذي علّمنا أنّ

المعاني في قلب المتصوف يشاركها الحيوات،

الفناء حريقٌ لا نهائيٌ يأكل الصوتَ المجروح

وهو ينادي بستر العورة..

(3)

لمراتٍ، لا تُعَدّ ولا تُحصى

يضطرب نومي وأصحو متشنّجةً

أفتح الخزانة أتفقّد قمصانه

التركواز المُقلَّم، المشمشي، الأزرق،

الكاكي العسكري وحتى الأسود الرسمي

لكني

أراه في الأبيض الناصع

أدفن رأسي في ياقته وتأخذني رائحةُ الحنين لصدره

لم يترك يدي ولم يسمح أن أغادر

رغم نعيب الغربان ونعيق البوم

والطبيب يخبره أن عنق رحمي صغير

عاد ينبش حقلي، يزرعه عشقاً ويرويه صبراً

تفتحت أزهاري بعد شهورٍ

ودعوات الناسك لا تتوقف شكراً..

أجهضتُ في المرة الثانية وكان ظله مؤانس كآبتي

وفي أسفاره وأعماله

لا يتوقف عن الاتصال وتضميد كتفي المُتعبَة

أنتظر المساء كطفلةٍ يشدّها قرعُ باب البيت، متلهّفة

يعود محمّلاً بأناشيد الحياة

وما كلّ حنينٍ كما حنينه لطفلات قلبه يلثم دمعنا المشتاق

يسرق تكتكاتِ العقارب من ساعات الانتظار..

ذلك المساء غادرَ في سفرٍ طويل

شلعَ قلبي، والصغيرة تبكي وتنادي «بابا»

وأنا أنتحب

أنتحب على كوب الشاي بالنعناع الذي ينتظرنا

أنتحب على تجاعيدي التي برزت للتوّ

وفي بطني رفسةٌ تركل لتنجو من أسنان الموت

أنتحب على النوافذ التي ينهمر منها المطر

أحمر.. أجل أحمر!

لم أحضر ثياب المولود الذكر بعد

كان ينتظر.. كنا ننتظر

لم نتفق على اسمه

دعوني أصفع باب الخزانة

فهي لم تحمل غير.. الموت!

(4)

لم ينفع ماءُ الزهر في وقف مغص رضيعتي

كان همُّ ذلك الوحش ألّا يتوقف عن حفر عمقٍ مناسب

لرمينا في جحيمهِ البارد

كيف أنسى تلك الليلةَ وأنا نفاس

لم تتوقف رضيعتي عن البكاء

غافلني وتناولها من قدميها ورماها على السرير

لم تشفع صرخات الأطفال لفكّ رباطي

وهو يحفر بشظية الزجاج على وجهي وبطني

والماء في حوض الاستحمام يُغرق رأسي

الدم تدفّق كأفعوانٍ يلتهم فخذَيّ وشلَ حركتي

لم يكن أبي هناك ليشتري أمني وطمأنينتي

لكنه

رماني لذلك العسكري الفاسد

دجاجةً تبيض الكتاكيت.. والذهب

فأنا المتُعلّمة صاحبة الوظيفة التي يطمح لها كل مجتهد!

أنقذني طفلي ابن السادسة حين هرع لبيت جدّه

شجّ أخي رأسَ الوحش بالطورية

في غرفة العمليات كنت أرفع سبابتي وأتشهّد

رأسي تضجّ بصراخ صغيرتي ولا أمل بالنجاة

بعد أيامٍ أفقتُ

كان أبي، ذلك التاجر العظيم يبورُ بتجارته

جسدي سجينُ الضمادات ووجهي مرسومٌ بالقُطَب..

أتجهّز للحرب منذ ذلك اليوم

مطبخي مسْلخٌ للموت

أرمي للكلاب الجائعة نصفَ قلبي

أتمسك بحبال الريح الضريرة

وأتعرّى من وجهي

كما همزة وصل..

(5)

شجرةً كنتُ، أخجل أن يطرقَ بابي الخريف

منذ دهرٍ

أصابتني حمّى المصابيح

لم يزُر النومُ حقولاً تحضّرتْ لزرع أحلامي

وثلاثة ملاعق للحُبّ والخيانة أرفض تجرُّعها..

«أتقبلين الزواج بي؟»، قال..

كنتُ أنتزع بكعبيّ «الروكيه» آهةً طويلةً من ضلوعه

نفتتح رقصاتنا الحربية بالأووووف والموّال

نخاصم سحابةً قطنيةً بلا غزل البنات

أتلعثم وأمضغ حرفَيّ الحاء والباء

تتأكسد الدغدغاتُ في معدتي

كلّ الطبول تُقرع في جهازي الهضمي

عزف نايٍ في حلقي

وغديرٌ لا يروي عطشان..

يااااه

كلامٌ أخضر أرمي به خلف جدراني اليوم

أرتدي مشاجب فساتيني السوداء

وقد قبلت العزاء بي قبل دقيقتين من السؤال

تعوي الريح

أسفك دمَها بخليط الكرز والتوت البرّي

أُغلق ستائر قلبي

أهمس بهدوءٍ كاذب:

كوني بعيدةً أيتها الشمس عن طريقي

سيجيد التحليق، ووشمي على ذراع الوقت

سهمٌ لم يخدش الغياب..

أحتسي حبرَ الكلام الذي لم أكتبه

كأن القطةَ داخلي لا يكفيها مجيءُ أبريل

لتنشبَ مخالبها في وجه المرايا

خمائل من الأقحوان تسري في دمي

امرأةٌ من قصائد باهتةٍ اعتنقت الموتَ طواعيةً أنا

تؤرّقني الجثة المحنّطة في سرير الورق

أرى علامات الاستهجان تقفز من شفاه رجال القبيلة

وكلهم أبي

وأرحام نسائهم عامرةً بالحياة

أهدم خيامهم وأشعل تخوم الصحراء

وأعدّ للعشرة.. لأنام!

* كاتبة فلسطينية