د.ثامر إبراهيم المصاروة

يُعدّ مصطلحا «التخريب» و»التجريب» وجهان لعملة واحدة، فمن غير الممكن أن نتصوّر تجريباً بلا تخريب، والعكس صحيح، فأما مصطلح «التخريب» فله ضربان:

الأول: تخريب هادم، وهو يرتبط بالكاتب وأدواته ولغته من حيث عدم التمكّن من خط سير اللغة ومستواه الواقعي والافتراضي داخل النّصّ السردي. مما يخلق صورةً هشّةً في السرد ومستوياته، ويدفع القارئ إلى التراجع عن القراءة، والاكتفاء بالقيمة المعرفية الظاهرة على سطح السرد أولاً وأخيراً. وهذا النوع لا يمكن أن يقدّم للسرد الروائي سوى الاضمحال والوقوع في خطر الاندثار.

أما الضرب الآخر، فهو التخريب البنّاء؛ والذي لا بدّ منه لمواكبة التقنيات الروائية الحديثة، والخوض في غمار التجريب الذي يكون تابعاً له. وهو ما يسمّى عند التفكيكيين «الهدم لغايات البناء»، وبذلك يغدو مصطلح «التخريب» بعيداً كلّ البعد عن الدلالة السلبية المباشرة وغير المباشرة، فهو ضرورة ملحّة لكلّ كاتب يريد خوض غمار التجريب، وامتطاء صهوة التغيير والتجديد على حدّ سواء.

ولعلّ هذا ما أشار إليه الناقد الشكلاني تودوروف في معرض حديثه عن التغريب في مسرح بريخت، حيث عمد إلى هدم جدار الوهم مع القارئ، وبذلك يدخل مصطلح «التخريب» بوصفه مظهراً من مظاهر التجريب.

إذن، فالكاتب يلجأ إلى التخريب من خلال كسر النموذج أو القالب الذي يسير عليه السرد الروائي؛ بغية الانطلاق والانفتاح إلى المسارات الروائية الجديدة، التي تمكّنه من الاطلاع على ثقافات عالميّة بشأن سرده وآليته التي يريد.

و»التخريب» من المصطلحات النقديّة غير الدارجة ضمن منظومة المصطلحات النقديّة العربية، ما يستدعي تأطيره وتأصيله في النقد العربي الحديث، علماً أنه من المصطلحات المعروفة في الغرب، فقد ظهر عند الناقد والكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو في كتابه «القارئ في الحكاية».

أمّا مصطلح «التجريب» فهو مصطلحٌ واسعٌ فيه الابتداع والإضافة، وفيه البدائل الفنيّة الجديدة التي تواكب الزمن الذي يكتب فيه الكاتب، وهو أداة نصيّة يقوم به العمل الروائي للانفتاح على أبعاد سردية جديدة مبتكرة؛ بغية الخروج من نمطية المألوف والقالب المعهود إلى أخرى أكثر جديّة وأصالة.

كما إن التجريب في الرواية موقفٌ متكامل من الحياة والفن، إذ ينطلق من حاجة ماسّة وملحّة إلى التجديد، والرغبة في التخطي والاستمرار، ولذلك يستدعي بالضرورة النضجَ الفكري للراوي، ووضوح رؤيته من جهة، وتطوّر أدواته الإجرائية وتنوع أساليبه الفنية من جهة أخرى، وعليه فإنه يختلف من شخص إلى آخر، ولا يأخذ شكلاً ثابتاً أو منجزاً واحداً لدى الكتّاب.

ومن خلال هذا المصطلح، من الممكن أن تتحقق الرؤية الكاملة للجنس الروائي بوصفه الجنس الأكثر تطوراً وقدرةً على الانفتاح وتداخل الأجناس والأبعاد على حدٍّ سواء. ولا يمكن أن يتحقق ذلك الانفتاح والابتكار ومواكبة خطّ سيرورة الأبعاد السردية دون «تخريب» يهدف إلى البناء لا إلى الهدم.

ويشير أمبرتو إيكو إلى التجريب المواكب للبناء النصي، بقوله: «لا بدّ من اعتبار الكلمة بمثابة نص افتراضي، والنص كتمطيط للكلمة»، فهو يتحدث عن أطروحة نصيّة مشتركة بين المؤلف والنصّ والمتلقي، والمعنى الذي يريد هو أن النص أو السرد ابتداعٌ افتراضي، يتم اكتشاف الأثر والدلالة فيه من خلال دواّل المتلقي، فتصبح العلاقة بينهما مشتركة.

ويمكن القول إن مصطلح «التخريب» يدور في فلك القواعد والقوانين العامة للجنس الأدبي من حيث الاختلاف والائتلاف، وبذلك يسعى الكاتب إلى التغيير والتجديد في قواعد اللعبة، أمّا مصطلح «التجريب» فيدور في فلك الأثر الذي يتركه النص في ذهن القارئ، ومستوى ذلك الأثر في تغيير مسارات الجنس الأدبي بين الكتّاب.

وقد شرع الروائيون الأردنيون إلى تخريب قوانين الجنس الأدبي وكسر النموذج والخروج على المألوف، مسايرةً للخط التجريبي الذي غزا الفن الروائي، ولتكون الرواية الأردنية على مسافة قريبة من الخط والمسار التجريبي الذي يواكب الرواية العربية بشكل عام.

وتقف هذه القراءة أمام قامة روائية أردنيّة أسهمت بشكل كبير في الخروج عن النموذج المحكي الذي نهجه السابقون، فجاء بخرقٍ تأليفيّ ليصبح التخريب وسيلة مهمة من وسائل التجريب في الرواية الأردنية. إذ يعدّ مؤنس الرزاز من أبرز الروائيين الذين انتقلوا إلى فضاءات جديدة في عالم الرواية على المستويين الشكلي والمضموني، فمالت الرواية لديه إلى محاكاة العصر ومتطلباته، والانفتاح على الآخر إلى عوالم وفضاءات روائية جديدة.

أمّا الرواية المعنية في هذه القراءة «متاهة الأعراب في ناطحات السحاب»، فتعبّر عن الصراع الحضاري الذي يعيشه الإنسان العربي، إذ يعاني من تجاذبه أو وقوعه بين نموذجين؛ النموذج العربي الإسلامي والتراثي القديم، والنموذج الأوروبي، فالمواطن العربي لا يطعن في الماضي ولا ينفي أثره في تشكيل الوعي العربي لديه، وفي الوقت نفسه لا ينكر قوة تأثير الغرب ومنظومته في هذا الوعي وتشكيله.

ويجسد الرزاز هذا الصراع من خلال «متاهة الأعراب»، إذ تصوّر الاستلاب الثقافي الذي يعانيه المجتمع أمام الغزو الثقافي الأميركي، ومحاولة الغرب قطع صلة الإنسان العربي بماضيه وجعله غريباً عن حضارته.

تخريب نموذج الحدث

يبدو المسار الزمني لوقائع رواية «متاهة الأعراب» منشرطاً بالمرحلة التاريخية المصبوغة بالتفرق والانفصام والتشابك في العلاقات المجتمعية للبيئة الأردنية في تلك المرحلة، بل وللبيئة العربية أيضاً. وتبدأ الرواية بسرد وقائعي لبيئة أردنية من منظور مجتمعي بأبعاده المختلفة، من خلال شخصية حسنين وطفولته الراهنة ومتعدد الأنساب.

والقارئ للحكاية الأولى للرواية يجدها تسير ضمن أفق الواقعية من خلال شخصية حسنين وعائلته وأقربائه وأنسابه، إذ مثّل الروائي عليها الواقعَ الاجتماعي السياسي إلى حدّ ما.

بيد أن أحداث الرواية في الحكاية الثانية بدأت تخرج عن المدار الحكائي الأول، لتروي قصة حسنين بشخصيتين منفصلتين، ويبدأ حسن الأول بسرد ذكرياته اللامنتهاة من موته ودفنه وخروجه من القبر، وكذلك افتقاده زوجته وما حلّ بالأهل والدّيار، حتى تصل الذروة إلى أن حسن الأول شبح حسنين، مما يجعله يحاول الانتحار للتخلص من التأزم والقلق الذي وصل إليه.

ومن الملاحَظ أن الروائي قد خرّب أفق توقع القارئ في الجزء الثاني من الحكاية قبل أن يخرّب مسارات الكتابة عن السردية الواقعية والتاريخية لطفولة حسنين وعائلته، وغيرها من سيرورة الأحداث.

وتتسع دائرة المتن الحكائي بخروج حسن الثاني على حسن الأول لتتقاطع الرؤى وتتشابك فيما بينها، ويزداد تخريب مسار الأحداث الكتابية حينما تغزو أحداثٌ أحداثاً أخرى، وهذا ما نلحظه في تغليب قصة أو قصص حسن الثاني على أحداث قصة حسنين وما يعتريه من مواقف اتجاه زوجته، وشعلان وحبّه لبلقيس.

وتزداد الرؤية التخريبية لدى الرزاز في متنه الحكائي من خلال توقف أحداث الحكاية الأولى كليّاً، ويتسع المدار الحكائي في قصة حسنين في الجزء الثالث داخل المؤسسة العربية للأوبئة، وذلك لتسرد الوضع الراهن لحسنين الحاضر. ويتضح في هذا الجزء العالمُ البديلُ الذي افترضه الرزاز للبطل هروباً من الواقع المعيش، وما يعتريه من تناقضات بين القوة والضعف أو التشابه والاختلاف.

ومن الملاحَظ رغبة الرزاز ووعيه في تغيير مساره الحكائي وتخريبه علاوة على خراب أفق التوقع للقارئ، وذلك عندما يفقد الحدث الصدارةَ السردية داخل المتن الحكائي، ويتجلى ذلك بفقدان عنصر الصراع الذي نتج عن رؤية البطل السلبية في الانتحار في القصتين الثانية والثالثة.

ومما يؤكد لنا تلك الرؤية التخريبية لدى الرزاز لمتنه الحكائي، عنوان الرواية وما جاء به من محمَّلات ودلالات توحي للقارئ بواقعيتها وسرديتها المباشرة وما يصاحب ذلك من سرعة في سير الأحداث، وإيجابية البطل والقدرة على التغيير، والحفاظ على التسلسل المنطقي لسيرورة الأحداث وعلائقها بالشخوص على حدٍّ سواء.

إلا أن ما جاء في المتن الحكائي والحدثي في الرواية يغاير الخط السيروري لدى القارئ، فامتزجت الحكايات بعضها ببعض، وتداخلات السرود أحياناً كثيرة، وتوقف السرد طويلاً عند قصة دون الأخرى، كما تداخلت الأجناس من حكاية وقصة ومشهد، وكلّ ذلك ينبئ عن شكل وتوليفة جديدة تغاير الشكل الكلاسيكي للرواية التقليدية، فجاءت الحكايات المتعددة مستوطنة المتن الحكائي الرئيس لعنوان الرواية؛ بغية التخريب والخروج على الشكل المألوف للرواية الواقعية أو الكلاسيكية.

ويلاحظ القارئ تعدد الأفكار وتشعبها في عملية السرد القصصي داخل متن الحكاية الواحدة، مما يخالف رؤية المؤلف لعنوانه الواضح لما فيه من سمات الواقعية إلى حدٍّ ما.

تخريب نموذج البطل

يُعدّ البطل الشخصيةَ المحورية التي تدور حولها الأحداث، ولا سيّما إن كان من أبناء الطبقة الملتزمة الذين يحملون على عاتقهم التغيير في المفهوم والرؤى، فجاءت شخصية البطل في الرواية تحمل فكرة الصراع بين قوتين متناقضتين.

ويظهر التخريب في شخصية البطل من خلال الانقسام والانفصام في الشخصية الواحدة، فكانت شخصية حسنين الشخصيةَ الأكثر تعقيداً في الرواية.

وقصد الرزاز ذلك قصداً واعياً ليدلّ على التناقض في شخصية حسنين، وعدم معقوليته وتمثيله جوَّ الصراع الذي يبدو واضحاً في الرواية، فهو علمانيٌّ نهاراً، يتحول إلى رجل تقليديّ محافظ يقدّس التراث والماضي والعادات ليلاً.

إذن نحن أمام شخصيّة رئيسة تعاني الفصام الحادّ، فهو حسن الأول في النهار، وحسن الثاني في الليل، أضف إلى ذلك أن لغة حسن النهار تقوم على العامية الدارجة في هذا العصر، أما لغة حسن الليل، فهي لغة عربية فصيحة تكاد تصل إلى حدّ التقعُّر.

وتزداد المعاناة في شخصية البطل والخروج على النمذجة المعهودة لأبطال الروايات وما يتمتعون به من صفات ورؤى عديدة، ولا سيّما أبطال الروايات الواقعية وما يعتريهم من إيجابية ووضوح وتأثير واضح على بقية الشخصيات.

وتنعكس معاناة الشخصية الرئيسة للرواية على الرؤية التي يريد الكاتب إيصالها للقرّاء، ناهيك عن افتقاد حدّة الصراع بين شخصيتين منفصلتين، دون أدنى انسجام وتناسق بينهما.

ويبدو أن الرزاز كان على وعي تام في تخريب بطله من خلال انشطاره وانقسامه إلى نموذجين مغايرين، يغلّب أحدهما على الآخر، ويسرد الأخبار لواحد دون الآخر في أحايين كثيرة.

ويكمن التخريب بعينه عند البطل لرؤيته السلبية في الانتحار في الجزأين الأول والثالث، فهو بطلٌ سلبي بما يحمله من مدلولات تشير إلى ذلك، وهذا بدوره يعكس سلباً على سير سيرورة الأحداث والشخوص وغير ذلك. كما إن البطولة تتلاشى في البطل الرئيس للأحداث (حسنين) وذلك من خلال تخلّيه عن فكرة الانتحار التي راودته مرتين من قِبل أشخاص أقلّ شأناً منه في مكان المتن الحكائي.

وكذلك الأمر في طرح العالم البديل بدلاً من العالم الواقعي عند البطل، فهذه رؤية تخريبية واضحة، إذ حاول البطل الهروب من الواقع وترهلاته، وطرح عالماً بديلاً آخر للتمسك به، وإنْ كان في الهواء الطلق، مما أثر سلبياً في تغيير المسار الكتابي لبعض الحكايات داخل النص السردي.

ويتجلى التخريب في نموذج البطل من خلال إخباره شخوصَه عن هروبه وعزلته وعدم مقدرته على التكييف والعيش في الواقع الراهن، وبهذا المنطق يقف البطل عاجزاً أو في حلقة فارغة لا تمت لأي تغيير يريد.

تخريب نموذجَي الزمان والمكان

انقسم الزمن في الرواية إلى ثلاثة أقسام؛ يمثل الجزء الأول من الرواية مرحلةَ النضال والصراع بين القومي والعشائري في الخمسينات، وفي تلك الفترة سُجن والد حسنين بسبب قوميته. أما الزمن الثاني فتزامن بين الماضي السحيق وحاضر حسنين، ويتمثل الماضي السحيق بحكاية حسن الثاني، إذ ارتبط ظهوره بالليل في زمن الأحلام والخيال واللاوعي، بينما يتمثل الحاضر بالنهار وفيه زمن الوعي ويمثله حسن الأول. ويمتد الجزء الثالث منذ حكم الأتراك ورُمِزَ له في الرواية بالحامية التركية والحربين العالميتين الأولى والثانية.

لقد اتسع الزمن الروائي ليشمل الحاضر والماضي والقريب والبعيد، فزمن «متاهة الأعراب» معظمه رحلة في الوعي العربي، إذ تعيش معظم الشخصيات زمناً وهمياً في الرواية -زمن الأحلام والخيالات واللاوعي والكوابيس- حتى إن الأحداث التاريخية في الرواية تتدرج في زمن نفسيّ طليق.

ويأتي تخريب الرزاز عنصرَ الزمن واضحاً من خلال استرجاع الروائي أزماناً غابرة لا يمكن قياسها وتحديدها، يقول السارد: «أركض وذياب يلاحقني ما قبل الزراعة، والكتابة»، وكذلك: «جدتي تقول: أبو التوت متقادم الميلاد»، وأيضاً: «يقول ابو التوت إنه يتذكر حياته أيام حمورابي وهنيبعل وتوت عنخ أمون وطسم وجُديس».

ومما يؤكد لنا التخريب الواضح لعنصر الزمن، تلك الافتتاحية التي بدأ بها الراوي، فكأن الرزاز على وعي تامّ بذلك في إيقاع القارئ في إشكالية لقراءة الشخصيّة والحدث معاً: «جواز سفري مزوَّر، وجهي قناعٌ، جسدي....».

وتزداد ذروة التخريب والخروج عن الزمن المعلَن في الرواية من خلال رؤية البطل للزمن السلبي، فالقارئ لا يرى سوى الاضمحلال والانحطاط في زمن المستقبل الذي بات يؤرق حسنين، فهو يخشى التطور الزمني للحياة البشرية جمعاء، فالزمن يتقدم في خط سير الأحداث، ويعود السبب في ذلك إلى عجز البطل في تغيير المسار الحكائي للأحداث.

أما المكان فهو الخلفية التي تقع فيها أحداث الرواية، ويظهر على خطٍّ مصاحب للزمان فلا يمكن الفصل بينهما. فقد جاء المكان مسكوناً في الشخصيات، فحاول الرزاز الخروج عن بنية المكان ووصفه التقليدي، إذ لم يلقِ بالاً في الوصف الخارجي له، وإنما حاول الاتساق في جزئياته الدقيقة.

فعلى سبيل المثال حاول الرزاز تخطّي الحواجز الافتراضية للمكان الروائي منذ العتبة الأولى للرواية، إذ وصف لنا المتاهة التي أطلق عليها حسنين تسمية «المؤسسة العربية الواحدة لمكافحة الأوبئة»، فبرز تشاؤمه من البناء العام لتلك المؤسسة، وعجْز الأعراب على التوفيق أو التمايز بين ما هو أصيل وما هو وافد في ذلك المكان، كما عمد إلى جمع المتناقضات في المكان نفسه، من مثل حالة القصور العثمانية القديمة، والمصاعد الكهربائية، فظهرت رؤية الرزاز التخريبية لعنصر المكان الذي بات يجمع بين ضدّين أو ندّين غير متقابلين.

فمثلاً، العمارات الشاهقة والصالات الفخمة توحي للقارئ باللامكان، كما توحي له بحضور الأشباح فتختلط الموجودات على حسنين البطل الرئيس من إنسٍ وجان في بوتقة المكان نفسه.

واللافت للنظر أن الرزاز لم يصف الأمكنة ألبتة، وإنما لجأ إلى وصف الأحداث التي تجري بداخلها، فكأنه أراد أن يترك القارئ في ريبة من أمره، فمثلاً الكهوف/ المكتبة العامة التي يلتقي فيها مع بلقيس/ كافتيريا اسكندر. إلا أن التخريب يظهر بشكل واضح من خلال خروجه عن النظام العام في خط عناصر الرواية، فإذا كان الروائي لا يحفل بالمكان ووصفه الخارجي ومدلولاته، فإنه في الجزء الثالث يسترسل في وصف الصحراء: «أمعن الفرسان في وديان اليباب ومضوا يطوون القفار، ترفهم النجاد وتحطهم الوهاد».

بدائل التجريب

- البديل التجريبي للحدث

لقد بدأ التخريب لعنصر الحدث من خلال الخروج عن المألوف في وتيرة السرد، كما خرج عن الحكاية الأولى بشكل مغاير عمّا جاء في الحكايتين الثانية والثالثة. وجاء أفق التوقّع مغايراً للسرد الحكائي عند الراوي، وكذلك صورة البطل السلبي وما يحمل من حمولات ثقافية واجتماعية ومدى انعكاسها على الشخوص الأخرى وغير ذلك.

فقد جاء الخطاب الروائي عند الرزاز نتيجة للتخريب الذي ظهر في الحدث ببدائل تجريبية سواء أكان على مستوى الفضاء النصي أم على مستوى الاستراتيجيات الحديثة. ومن أبرز البدائل التجريبية لديه فكرة تشعيب الحدث وتفرع الحكايات والخروج عن المتن الحكائي بين الحكايات الأولى والثانية والثالثة، حيث أنه اعتمد على فكرة «التنضيد»، التي تعني التتابع القصصي المستقلة بوحدتها عن الأخرى، لكنها في النهاية تصل إلى فكرة واحدة.

فعلى سبيل المثال انفتح الجزء الثاني من الحكاية على الجزء الثالث، حيث يلاحظ القارئ الاختلاف وعدم الترابط بينهما، ولكن في المقابل حاول الرزاز استخدام استراتيجية «التنضيد» كي تتآلف تلك الوحدات البنائية في وحدة موضوعية واحدة تجمعها شخصية رئيسية (حسنين). وهذا يتطلب قارئاً نموذجاً يحاول الوقوف على العلاقات النصية والرمزية للحكايات الروائية.

ومن البدائل التجريبية كذلك صياغة العالم البديل، الذي كانت أحداثه أكثر ارتباطاً وتآلفاً مع أحداث الرواية الكبرى، ويتمثل ذلك في شخصية حسنين وصراعه، وكذلك الشخوص الأخرى من العالم المقابل للبنية الروائية.

ويظهر البديل التجريبي للحدث واضحاً من خلال معادلة الرواية التي قامت على التشظي والقلق والتوتر والبحث عن المجهول، ويظهر ذلك من خلال تشظي شخصيَي حسنين وذياب على مستوى سيرورة الأحداث ككل.

ويبدو التجريب من خلال تشعب الآراء والأفكار والشخوص وكذلك صياغة أحداث العالم الواقعي، بما يقابله من عالم بديل، وكلّها مجتمعة في بوتقة الموضوع الأكبر؛ ألا وهو التجربة الإنسانية والفكرية وتطورهما في ملحمة الوحدة الحكائية للرواية.

كما يبدو البديل التجريبي للحدث واضحاً من خلال الحبكة المفككة التي لا تعتمد على أيّ تسلسل منطقي يربط بين الأحداث، علاوة على البنية المكانية التي كانت تضيق وتتسع على الأحداث والشخوص على حد سواء.

ويبدو واضحاً أن الرزاز كان على وعي تام بذلك البديل الذي اقترحه للتعبير عن المشروع القومي الذي كانت تعيشه البيئة العربية بشكل عام.

- البديل التجريبي للبطل

استطاع الرزاز أن يخلق من بطله حالة بديلة جريئة تعبّر عن أيديولوجية معينة، إذ خلق منه شبحاً استطاع به أن يتجاوز حدود الزمان والمكان خادماً للحدث الروائي بشكل عام.

ونلاحظ أنه لجأ إلى إسقاط أساليب جديدة على الشخصية المحورية، من مثل: الاعترافات والكوابيس والأحلام والخطابات، كلّها جاءت مجتمعة في شخصية البطل، وما يقوم به في تغيير مجرى الحدث الروائي داخل الحكايات المتعددة.

كما انعكس البديل التجريبي للبطل من خلال لغته المستخدمة، فحاول الكاتب تجاوز المألوف والثابت على صعيد اللغة الروائية، مما خلق حدة وقلقاً في التعامل مع الشخصية ذاتها، ومع الواقع في تعدد صوره.

وبهذا يكون الرزاز قد خلق بطلاً إشكالياً يحمل في نفسه التمرد والثورة والتساؤل، علاوة على تحرّكه في النص كيفما شاء، ولا سيّما أننا أمام شخصية تجمع بين ضدّين؛ الأول إشكالي وما يحمله من تناقضات، والآخر وجودي، فهو المسؤول عن وجوده وحرّيته رغم الانشطار الذي وجد فيه.

- البديل التجريبي للزمن والمكان

اتسع الزمن الروائي عند الرزاز ليشمل الحاضر والماضي والقريب والبعيد، فزمن «متاهة الأعراب» معظمه رحلةٌ في الوعي العربي، فتعيش معظم الشخصيات زمناً وهمياً -زمن الأحلام واللاوعي- فالأحداث التاريخية الحقيقية في الرواية تندرج في زمن نفسي طليق.

وقد سيطر الزمن النفسي على الرواية وأحداثها، فاسترجع الروائي أزماناً غابرة لا يمكن قياسها وتحديدها؛ لتسهم في خلق زمان فنتازي بشكل عام، ويعدّ هذا من باب التجريب الذي غزا الزمن الروائي والذي لا يمكن ضبطه أو قياسه ضمن الروايات التقليدية أو الواقعية.

وبما أن شخصيات الرواية معظمها شخصيات فنتازية، فقد خلق الروائي لهذه الشخصيات عوالم وأماكن فنتازية وخيالية يأتي منها الأشخاص ويغادرون إليها كيفما شاء ومتى شاء. ويتضح ذلك جليّاً في خروج حسنين من الشقق والنوادي والعمارات إلى عوالم البيئة والطبيعة والصحارى المجهولة، فهي وهمية خيالية لا يمكن قياسها أو تحديدها على أرض الواقع.

ويمكن الإشارة إلى قصديّة الكاتب في خلق مثل تلك العوالم الخيالية، فالكهف على سبيل المثال جاء رمزاً للإنسان العربي القابع في ذاته، فلا يجرؤ على مواجهة عالمه، ولكن في النهاية يتهدّم الكهف ويتعرّى المواطن العربي أمام واقعه.

نخلص إلى القول إننا أمام رواية جريئة في الخروج عن النمط المألوف للروايات الكلاسيكية أو التقليدية بمستوياتها الشكليّة والمضمونية المختلفة، فجاءت محملّة بأفكار ورؤى تقلق طمأنينة القارئ الذي اعتاد الحبكة التقليدية والتسلسل المنطقي. وقد حقق الرزاز فيها قفزة نوعية ذات دلالات عديدة في فن الرواية الأردنية على الأصعدة جميعها، بحيث تعدّ «متاهة الأعراب» الأنموذج الأكثر تعقيداً وتقدّماً من ناحية المعمار الفني والموضوعي بين الأعمال الروائية التي ظهرت في تلك الحقبة الزمنية.