ريبورتاج: وليد سليمان

منذ نحو ست أو سبع سنوات لم نعد نرى «رمضان خليل» الملقب بِ نابليون عمان الشهير بلباسه الغريب الملوّن وعصاه المارشالية .

كان هذا الشاب «رمضان «- منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتى بداية القرن الحالي- متجولاً سائحاً دوماً دون تعب خلال شوارع قاع المدينة في عمان , وبالذات في شوارع : فيصل وبسمان وطلال .

وما يلفت النظر إليه أنه كان لا يتحدث مع المارة في الشارع حتى لو حاولوا ذلك ! ولا يطلب شيئاً من الناس , فقد كان عفيف النفس يعتز بكرامته وشخصيته الخاصة جداً .

وفي كل شهرين او ثلاثة كُنَّا نراه يرتدي ملابس أخرى مدهشة غير مألوفة لأزيائنا المعروفة ! لكنها ملابس مُعدة و مرتبة بعناية ترجع الى عصور أوروبية قديمة .

فمرة نراه يرتدي ملابس تشبه ملابس نابليون بونابرت , ومرة تشبه ملابس هتلر مع عصا المارشالية والحذاء الطويل الرقبة والبنطال الفضفاض فوق الركبتين .

وأحياناً نشاهده بملابس الشيف - الطهاة - , وأخرى ملابس الفرسان الغربيين من العصور الوسطى , ثم ملابس البحارة ! .

ومن آخرالملابس التي شاهدته يرتديها كانت تتكون من البنطال الأصفر وهو يحمل بيده مظلة مزخرفة بدوائر عليها بعض الحروف الانجليزية , وبيده الثانية يمسك بغليون تبغٍ أصفر وحذاء أنيق ! .

وأكثر الناس في الشارع كانوا ينظرون إليه بعطفٍ و إشفاقٍ , ومنهم بنظرات تعجب واستهزاء .

ولكنه في الواقع كان أعقل من تلك النظرات بكثير ! فهو إن تكلم عند توقفه في أحد المحلات التجارية أو في أحد المقاهي – وبالذات مقهى السنترال – كان يتحدث بطلاقة باللغتين العربية ومرات باللغة الانجليزية ! .

وقد اشتهر رمضان - نابليون عمان - بقراءته للكتب في أزقة وأرصفة وسط البلد، والدخول في بعض النقاشات السياسية والفكرية والاجتماعية مع آخرين عندما يأتيه مزاجه الخاص ! ولم يكن مجنونا ,بل كان مثقفاً.

لقد كان يرفع كل الحواجز النفسية المقيدة لحريته الشخصية ..حتى أصبح صديقاً مع نفسه بالدرجة الأولى .

وكانت له عدة ألقاب منها مثلاً : لينين , غيفارا , جورج السادس عشر , غير نابليون وهتلر – ربما أحب هذه الاسماء أو ان الناس أطلقوا عليه تلك التسميات أو الالقاب ! .

لقد كانت ميزة هذا الرجل رمضان هي ملابسه الغريبة التي يتمختر بها في شوارع عمان برداً وحراً في كل فصول السنة لمدة ثلاثة عقود و أكثر .. ربما لشعوره بالعظمة , ولصدره المرصع بالنياشين والأوسمة المقلدة والرخيصة !.

كان رمضان خليل صديقاً لبعض الخياطين في قاع المدينة عمان , حيث يحدد لهم شكل الثياب التي يريدها، ويحضر لهم قطعا من القماش غير متجانسة، لعله كان يشتريها مما يسمى فضلات القماش .

وبعد ان ضاق به الخياطون وكفوا عن تلبية رغباته تولى هو الامر بنفسه، لهذا كان يبدو اشبه بالوطواط الملون احيانا لأنه يوصل قطع القماش بدبابيس او يلصقها بشكل بدائي ! .

ولربما كان يشعر بأنه بتلك الملابس قد أصبح نجماً بتركيز الصحف الاجنبية والشبكات الفضائية والصحف الاسبوعية عليه .

هل كان رمضان شخصاً غامضاَ ؟! وهل كان يعاني من مرض نفسي ما !! ربما ما قيل عن بعض مفاصل حياته هو السبب ! فقد ذكر احدهم ان رمضان كان يجلس أحياناً امام سينما زهران، حيث كان يقوم بتحميص البزر للبيع ، وقراءة الكتب الماركسية ، حت قيل أنه كان عضواً في الحزب الشيوعي، وان وراء حالة نابليون هذه قصة حب فاشلة اثناء دراسته الجامعية .. وآخرون كانوا يعزون ذلك الى اختلال عقلي من التعذيب الذي تلقاه في سجون الاحتلال في غزة .

لكن الشئ الوحيد المؤكد انه كان يتميز بانسانيته، حيث كان يجمع المأكولات التي يتبرع له بها أصحاب المحلات ويرسلها الى اصدقائه المشردين .

ويقول آخرعن رمضان: انه تقدم لخطبة فتاة كانت تمر في احد شوارع عمان مقدما نفسه على انه جورج ملك بريطانيا !! وينوي الزواج من فتاة عربية لترسيخ الثقافة بين الأمتين .. والعجيب في الأمر ان الفتاة تجاوبت معه بكل تلقائية لتخبره انها للأسف متزوجة ! و حينها رفع قبعته قائلاَ لها « كود لك» .

رمضان « نابليون عمان» مات قبل حوالي ست سنوات حيث وُجد جثة هامدة في ساحة ترابية بجانب الدوار الثالث في جبل عمان وقد توفي بجلطة ربما من البرد ! حيث لم يكن له بيت يأويه من تقلبات الطقس والزمن الغدار .

فقد رحل عن هذه الحياة تاركاً خلفه آلة كمانه الموسيقية التي كان يعزف عليها ألحاناً عذابه وغربته عن الحياة التي رفضها بواقعها المؤلم ! وترك قبعته الضخمة ونياشين كبريائه وكل الملابس المدهشة الملونة بالعظمة والسخرية التي ستظل في ذاكرة عمان و أهلها زمناً طويلاً ! .