أبواب - تالا أيوب

رن هاتفها وهي في الغربة، فأجابت، واذ بوالدتها تخبرها بصوت مرتجف،بأن أباها في المستشفى ،ووضعه الصحي سيء، وطلبت منها القدوم بأسرع وقت ممكن، فلبّت طلبها في الحال، وقلبها يعتصر خوفا وريبة على سندها في الحياة.

في المطار،وهي تنتظر موعد الطائرة، أخذت تتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي «الفيسبوك» واذ بخبر وفاة والدها يشغل معظم صفحات أصدقائها، جُنّت، صرخت بأعلى صوتها، فقدت السيطرة على أعصابها، وأخذت مئات الأسئلة تتخبط في رأسها «كيف لهذا ان يحدث؟ أخبرتني أمي بأن وضعه الصحي سيء ،لكنه لا يزال على قيد الحياة» سكتت برهه، فأيقنت بأن أمها أخفت ذلك عنها الى أن تصل، فعادت للصراخ مرة أخرى الى أن فقدت وعيها وحيدة في المطار.

بعض الناس تعرّضوا لمثل هذا الموقف، علموا أخبارا مزعجة وصادمة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، كحالة وفاة شخص عزيز عليهم، أو علمهم عن حادث سيارة تعود لأحد أفراد أسرتهم قبل أن يخبرهم بها أحد بتدرج خوفا على مشاعرهم، كأن يكونوا في الغربة مثلا ويختلف التوقيت بين البلدين، أو يوجدون في مكان بعيد عن مكان سكنهم، أو لأسباب صحية ونفسية اذ لا يحتملون معرفة مثل هذا الخبر وهم وحيدون، وغيره العديد من الأسباب (...).

تشارك سميرة درابكة–وهي ربة منزل- تجربتها اذ تقول لـ»أبواب-الرأي»: «عشت هذه التجربة عند وفاة أخي (45 سنة) الذي يقطن في سوريا ،وأنا أعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما قرأت خبر وفاته على الفيسبوك، لا أستطيع وصف ما شعرت به فقد أحسست بنار تلهب قلبي، رحمه الله عليه وعلى جميع أمواتنا».

وتلفت ابتهال علي -وهي موظفة في احدى المؤسسات- الى أنها تشعر بأن الموضوع بات سباقا صحفيا بين الناس ،اذ يتنافس الجميع على من سينشر خبر الوفاة أولا، ويتهافتون على استبدال صورهم الشخصية على الفيسبوك بصورة المتوفي، أو يكتفون بوضع خلفية باللون الأسود.وتنصح بأن لا يستعجل المتأثرون بخبر الوفاة النشر على مواقع التواصل الاجتماعي الا بعد أن يعلنوا أهل المتوفي أولا.

ولا يقف الأمر عند حالات الوفاة وانما يتعدى لأكثر من ذلك، اذ تدلي ربى محمود -وهي موظفة في إحدى البنوك- بدلو خبرتها: «وأنا اتصفح الفيسبوك لفت انتباهي حادث سيارة وعندما دققت جيدا اكتشفت بأن السيارة تعود لأختي وأنها نقلت الى المستشفى، شعرت بالحرقة والخوف ولم استطع الصبر والهدوء الا بعد ان وصلت المستشفى واطمأنيت عليها».

كما تستاء هوازن حجازي من البعض الذين يقومون بتغيير صورتهم الشخصية على الفيسبوك بخلفية سوداء أو وضع «إنا لله وإنا إليه راجعون» ويغيبون فترة من الزمن، فيسألهم الأصدقاء والأقارب عن المتوفي، وهم بدورهم لا يجيبون، ما يثير الريبة والقلق في قلوب المقربين جدا، ويخمنون من هو الشخص المتوفي بخوف، وعندما يجيبون بعد فترة من الزمن يكون المتوفي شخص غير مقرّب لهم».

ويستاء أحمد حوامدة - وهو موظف - من وضع كلمات وعبارات عن الخسارة، ومرار طعم الفقدان على صفحة المتوفى، اذ يقول: «لا أدري ما الذي يجعلهم يقومون بذلك، اذ ان المتوفي لن يقرأ ما كتب له بل على العكس سيكون وقع الكلام ثقيلا على أهله، ما يزيد مرارتهم وجرحهم وحزنهم عليه».ويستهجن كريم صوالحة -وهو موظف- تصرف الأشخاص الذين يقومون بتصوير جنازة المتوفي أو تصوير الميت داخل القبر ويكتبون عبارات حزينة على الصورة».

استشاري علم الاجتماع الدكتور فيصل غرايبة يقول: «ان الفيسبوك أداة للتواصل الاجتماعي سريعة وبسيطة وسهلة الاستخدام، وتتوفر إمكانية التعامل معها عند غالبية الناس، وخاصة من الجيل الجديد، الا أن هذه الأداة لها وجه آخر، سلبي وضار اجتماعيا، ويسيء الى الطرف الآخر الذي يتناوله في كتاباته على الفيسبوك بعض الأحيان».ويلفت الى أنه ليس من الحكمة نعي المقربين أو رثائهم قبل التأكد من أن أهلهم وذويهم الأكثر قربة منهم قد اطلعوا على خبر وفاة هؤلاء الأشخاص وأخذوا عدتهم لتلقي العزاء بهم.

ويلفت الدكتور عبد الرحمن مزهر -وهو استشاري الطب النفسي ومعالجة الإدمان الى ان الشخص عندما يتلقى خبر وفاة مفاجئ، ولم يكن عنده خلفية عن ذلك وغير متوقع او اذا لم يكن المتوفي مريضا، من الممكن أن يسبب صدمة نفسية قوية لمتلقي النبأ، فمن الأفضل في هذه الحالات تهييء المتلقي نفسيا كي لا يدخل في حالة من القلق أو الاكتئاب.

ويشير مزهر الى أن خبر الوفاة يعتبر صدمة ووقع الصدمات الكبيرة في حياة أي انسان وبالتالي تناقل الأخبار المؤسفة عن طريق الفيسبوك من الممكن أن يكون خبر مفاجئ لأشخاص آخرين قريبين جدا وعلى علاقة بهذا الشخص والى اللحظة التي تم الاعلان عنها لم يكونوا على علم بالخبر أو الأهل ارتأوا عدم اعلامه فمن الممكن أن تسبب صدمة للمتلقي».

ويبين مزهر تأثير الصدمة على الأشخاص: «تأثير الصدمة يختلف من شخص الى آخر فبعض الأشخاص يدخلون في حالة صدمة عصبية قوية، ومنهم من الممكن ان يدخلوا بحالة اكتئاب شديدة، وبعضهم من الممكن ان يفكروا باللحاق بالمتوفي فيفكرون بإيذاء أنفسهم إنكارا للخبر». ويتابع: «عندما يتلقى الشخص خبر وفاة بشكل فجائي ولم يكن مستعدا له، فإنه من وسائل الدفاع النفسية في اللاوعي إنكار الواقع فيكبت مشاعره؛ ما يؤثر عليه في المستقبل القريب أو البعيد.»

ويلفت مزهر الى ان نشر صور المتوفي يعد انتهاكا لحرمته،فالأفضل نشر الأخبار هذه بتنسيق وموافقة أهل وأقارب المتوفي كي لا تنتهك حرمة الميت بشكل مباشر ما يؤثر بشكل كبير على أهل المتوفي.

ويخلص غرايبة الى أن هذه القضية لا تُعالج الا بالمناشدة لكل من يقوم مسرعا لسياقة عبارة فيها رثاء، أو نعي عزيز لديه أن يتريث ويتأكد وأن يلجأ إلى هذا الأمر حتى يتيقن أن الأهل قد علموا وأتخذوا ترتيباتهم للعزاء حتى لا يتشكل ما أورده مفاجأة أو صدمة أو حزناً شديداً .