أبواب - وليد سليمان

انها حكاية عشق فني مع ابن الفحيص «صخر حتر» عازف العود الشهير محليا وعلى المستوى العربي.. فالموسيقار الاردني «صخر حتر» كان منذ الطفولة وهو في السابعة من عمره يعزف على آلة العود ضمن اجواء موسيقية!! فجدته كان لديها آلة اكورديون قديمة مما جعل والدته ايضا تعزف احيانا بين افراد العائلة على تلك الآلة العريقة بأنغامها المفرحة.

وكان شقيقه الاكبر «شاهر» يعزف على آلة العود وهذا اضفى على نفوس اسرته جوا من الفرح والمحبة واصبح تداول الموسيقى والغناء تقليدا وعادة بارزة وبالذات خلال الاعياد والافراح والمناسبات العائلية لدى اسرة حتر واهل الفحيص عموما.

العود بدل «البسكليت»!

وقد تحدث الفنان حتر لـ»أبواب – الرأي» موضحا عن شغف البدايات مع هذا الفن الموسيقي قائلاً: انا من مواليد 1963، وعندما كنت ولدا صغيرا اردت من اهلي ان يشتروا لي دراجة هوائية بعجلتين للاستمتاع بركوبها، لكن منزلنا كان يقع على منحدر في مدينة الفحيص، فخاف الاهل من هذا الطلب!! لان الدراجة ربما تسبب في مخاطر لي عند قيادتهما في تلك المنطقة الصعبة!! لذلك فقد اغراني اخي الكبير بان يعلمني الموسيقى على آلة العود بدل شراء الدراجة.

ويقول: بدأت امسك العود الكبير الحجم بالنسبة لعمري الصغير، ويرشدني اخي للعزف على آلة العود وكان اول درس هو مطلع موسيقى اغنية «يا شادي الالحان آه اسمعنا».. وكان ان دربني على نغمة (دو دو دو دو) ثم نغمة (صول) ثم انني اكتشف لوحدي بالتجربة والخطأ نغمة (اللا)تكملة اللحن السابق، واستمريت بذلك حتى اصبحت اعزف الالحان والنغمات لهذه الاغنية او الموشح.

ومع الممارسة صارت اصابع يدي مرتبطة ومتناغمة في عقلي، حيث الترتيب والنظام للالحان.

حفظت الاغاني الاردنية

وبعد ذلك اخذت اردد بعض الاغاني مع عزفي على العود لكل من: المطرب محمد وهيب وبالذات اغنيته الشهيرة في اوائل السبعينيات من القرن الماضي – باسم الحرية بنضحي للاوطان – ثم اغاني توفيق النمري وسميرة توفيق، واخذت استمع لموسيقى واغاني ام كلثوم واردد بعض اغانيها على العود، وغير ذلك من الاغاني الاردنية والعربية.

وبذلك فقد تشكل لديَّ مخزون سمعي من الغناء المحلي الجميل، وحفظت كلماته وألحانه الشجيّة، مما كون عندي شخصية فنية فالروح الشعبية في أغانينا الاردنية ما زالت محفورة في داخلي، مع انني اطلعت فيما بعد على مجمل ثقافات الموسيقى العربية والعالمية عبر السنين.

الموسيقى في المدرسة

وعند دراستي في مدرسة اللاتين في الفحيص، كانت الراهبات يدرسننا الدين والحرف اليدوية والرسم والموسيقى، وكانت رئيسة الدير صاحبة صوت جميل تشجعنا على حفظ والقاء الاغاني والموسيقى في طابور الصباح، ومن يجيد ذلك كانت تهديه عصفورا حيا مكافأة له، وهناك تعلمنا بعض الاناشيد والاغاني مع موسيقاها مثل: تك تك تك يا ام سليمان لفيروز وغيرها.

وكنت في مناسبات احتفالات المدارس في الفحيص كالتخرج والاعياد الوطنية اعزف واغني امام الطلاب والمدعوين من الاهالي.

اسماعيل خضر تنبأ لي

وفي الاعوام 1972-1973 كانت تقام حفلات غنائية وموسيقية اردنية في بعض الاماكن في الفحيص، حيث يشترك فيها كل من الفنانين: الياس عوالي، اسماعيل خضر، محمد وهيب، سهام الصفدي وغيرهم.. وذات مرة اشتركت بالغناء والعزف امام هؤلاء الفنانين العمالقة، فما كان من الفنان المطرب المرحوم اسماعيل خضر الا ان حملني بين يديه – فقد كنت طفلا صغيرا – وقال فرحا ومشجعا: هذا الولد سوف يصبح من روّاد الفن في الاردن!!.

جلالة الملك الحسين اهداني عوداً

وفي العام 1977، وكان عمر صخر حتر حوالي «14 عاماً» وهو طالب شارك في احتفال مدرسته بمناسبة اليوبيل الفضي لتولي المرحوم الملك الحسين بن طلال عرض الاردن (اي مرور 25سنة على ذلك الحدث الوطني)، فقد حضر جلالته هذا الحفل شخصياً في مدينة السلط، ويومها قام الفتى صخر حتر بالعزف والغناء امام جلالته وجمهور المدعوين، حتى اعجب جلالته بذلك وقام باهدائه آلة عود جديدة، مما اعطى صخر حتر حافزا ودفعات معنوية كبيرة لمواصل هذه الموهبة الفنية.

ومما قام بغنائه حتر في هذا الاحتفال كلمات منها مثلاً:

يا محلى اليوم عيدنا

عيدك يا حسين الغالي

اعلامك دوم نرفعها...الخ.

فرقة الفحيص الشعبية

وفي العام 1978 كان يوجد في الفحيص احد فروع مركز هيا الثقافي، ومقره الرئيسي في عمان بمنطقة الشميساني، حيث قام مجموعة قليلة من الشباب والشابات في الفحيص بتكوين فرقة فنية مدرسية من الهواة لتمارس فن الغناء والموسيقى بالتطوع في مركز هيا الثقافي في الفحيص لتقديم فنون الغناء والموسيقى، ومعهم القليل من الآلات الموسيقية مثل: العود والطبل والناي.

وكان الفنان المسرحي الشهير «نبيل صوالحة» في العام 1980 مديرا لمركز هيا الثقافي في عمان، فأعجب بنشاطات هؤلاء الشباب والشابات الذين كونوا نواة «فرقة الفحيص لاحياء التراث»، حيث اسس لاقامة فعاليات فنية في (جرش الاثرية) في الساحة الرئيسية، وسمى المهرجان (من اجل الاطفال تعود جرش للحياة)، وكان المهرجان هذا برعاية الملكة نور الحسين.

وقد شاركت فرقة الفحيص ومنهم كان الشاب صخر حتر، اذ كان المشاركون يرتدون الملابس العربية الاردنية، وكذلك الرومانية، وقدموا فعاليات متنوعة من الغناء والعزف الموسيقي والدبكات وتم النقل الصوتي للمهرجان مباشرة للاذاعة الاردنية.

وكان هذا المهرجان السابق والمشرف عليه نبيل صوالحة بداية فكرة اقامة مهرجان جرش السنوي الشهير.

الاشتراك بمهرجان جرش

ويكمل عازف العود والمحاضر والمدرب للموسيقى صخر حتر حديثه راجعا للعام 1981 بقوله: لقد اغلق فرع مركز هيا الثقافي في الفحيص! وكانت مفاجأة غير سارة بعد ان قدمت هذه الفرقة البسيطة نشاطات فنية جيدة في كل من الفحيص وعجلون والعقبة، وصار لهذه الفرقة اسمها وجمهورها المستمتع بأغانيها وموسيقاها.

فما كان لنا الا ان نذهب الى كاهن رعية اللاتين في الفحيص لنطلب منه قاعة للتدريب، فاستعد لذلك ورحب بنا.. ومنذ لك الوقت بدأ التأسيس الحقيقي لهذه الفرقة الفنية، وكان معنا في تأسيس الفرقة كل من: سمعان حتر (ايقاع) زياد سميرات (عود)، فخري سميرات (ناي)، ايمن سماوي (رئيس نادي ومهرجان الفحيص)، سليم سماوي، فراس حتر (عازف كمان)، فادي حتر (عازف تشللو).

وشاركنا بمهرجان جرش عام 1983 وحققنا نجاحا واضحا، حتى ان فرقتنا اشتركت في نفس المهرجان مرة اخرى عام 1984 وكان ان قمنا نشاطنا الفني على المسرح الرئيسي هذه المرة في مهرجان جرش حيث تم بيع ونفاذ تذاكر حفلتنا، فقام الجمهور من اهل الفحيص وتركوا مقاعدهم للآخرين من الجمهور الاردني والعربي تكريماً لهم وتشجيعا لنا» فقد امتلأ المسرح الجنوبي بكامل اتساعه لاول مرة في مهرجان جرش.

ويتذكر الباحث الموسيقي والمايسترو وصخر حتر: لقد لعب الاعلام دورا رائعا ومساندا لنا في الاعلام عنا ونقدنا وتشجيعنا ومدحنا.

وحصلت فرقة الفحيص للتراث الشعبي فيما بعد على جوائر منها: جائزة تقديرية من اتحاد التلفزيونات والاذاعات العربية في تونس، وجائزة الدولة التشجيعية الاردنية عام 1992 عن دور الفرقة في احياء التراث الموسيقي العربي والاردني.

مشوار الموهبة والدراسة

وعن اكمال مشوار صخر حتر مع فن الموسيقى اوضح قائلا:

اول مرة درست فيها (النوتة الموسيقية) كان في العام 1980 في مركز الموسيقى والفنون الجميلة التابع لوزارة الثقافة الاردنية، ثم درست فن الموشحات والغناء العربي على يد الفنان الكبير «رضوان المغربي» الذي درّس معظم الفنانين الاردنيين المعاصرين، ثم درست نظريات الموسيقى على يد المرحوم إلياس فزع، وفي العام 1981 أخذت ادرس على آلة العود وادبيات الموسيقى العربية على يد الفنان القدير المرحوم عامر ماضي الذي كان رئيسا ومؤسسات لرابطة الموسيقيين الاردنيين، فقد صمم وانا استجبت لذلك ان يعلمني الفن الموسيقي، ودرست عنده حوالي ثلاث سنين الا عدة اشهر، واثناء ذلك كنت ادرس الهندسة المعمارية في الكلية العربية في عمان.

وفي العام 1987 توظفت في المعهد الوطني مدرسا لآلة العود بناء على خبرتي الموسيقية وليس اعتمادا على شهادة جامعية موسيقية مثلا.

لكنني في العام 1991 ذهبت الى جامعة اليرموك في شمال الاردن ودرست الموسيقى وحصلت على البكالوريوس، وفي العام 1993 حصلت على المركز الاول في المسابقة الدولية بالعزف على آلة العود التي اقيمت في القاهرة بدار الاوبرا المصرية.

وكان صخر قد حضر وشارك بعدة مؤتمرات ولقاءات موسيقية عربية وعالمية، وفي ذات مؤتمر استمع المشاركون الى موسيقى لفنان ما.. فوقف صخر حتر محتجا وموضحا: ان هذه المقطوعة الموسيقية مسروقة من الحان يابانية، وقد اثبت لهم ذلك، فصخر حتر لديه ثقافة موسيقية عالية وشاملة، حيث لديه ارشيف ضخم لكل انواع الموسيقى العربية والعالمية.

بيت الرواد والفن الاصيل

نادي «بيت الرواد» في عمان يبث الفرح والانسجام والمتعة للنفس والروح وللقلوب المتعبة، فقد تم تأسيس هذا البيت الفني في العام 2008 في مركز الحسين الثقافي التابع لامانة عمان الكبرى، وذلك للمحافظة على الغناء الاردني والعربي الاصيل وممارسته امام وعلى مسامع الاجيال الحديثة من الشباب، وكذلك لتذكير الكبار بايام الطرب العربي الذهبي الرائع، ولتوفير الاجواء الاجتماعية والترفيهية الممتعة للجمهور الاردني والعربي وحتى الاجانب ممن يزورون عمان، لتسويق الاردن ثقافيا وفنيا وسياحيا، وذلك من خلال تقديم تلك العروض الغنائية والموسيقية في بيت الرواد او خارجه ايضا، وعن بداية فكرة تأسيس فرقة بيت الرواد التي يرأسها الموسيقار صخر حتر حدثنا قائلا:

لقد بدأت الفكرة في العام 2008 حيث تم عرضها على المسؤولة في امانة عمان الكبرى «تغريد فاخوري» التي رحبت بذلك، وطلبت ان نكتب ملخصا بذلك الموضوع لتعرضه على امين العاصمة في ذلك الوقت عمر المعاني، وكان في الامانة قسمان تحت مسمى: عمان صديقة للاطفال، وعمان صديقة لكبار السن، فلماذا لا نؤسس لصالون ثقافي موسيقي غنائي لكبار الموسيقيين والمطربين الاردنيين، يقدمون فنونهم مرة واحدة في كل شهر مثلا.

وطُلب منا ان نعمل حفلة كبروفة لذلك، وكنا حوالي 12 موسيقيا ومطربا، حيث قدمنا عرضا فنيا رائعا امام الامين عمر المعاني الذي اعجب جدا بالفكرة وبعد ثلاثة شهور وبمناسبة اليوم العالمي لكبار السن في 1/10/2008 قمنا بتقديم حفل غنائي وموسيقي ادهش الجميع، فالمحافظة على ارث عمان لا يكون فقط بالمحافظة على آثارها القديمة وبيوتها التراثية ومعمارها الشرقي، بل ان الارث الثقافي والفني مهم جدا كذلك.

كل مساء ثلاثاء

وهكذا اشرقت تلك الفكرة الفنية المتفردة في الاردن حيث يلتقي جمهور الطرب الاصيل كل مساء يوم ثلاثاء لحضور تلك الحفلات مجانا ليستمعوا ويتفاعلوا مع ذكريات الفن البديع ايام زمان، حيث ينسجم الجمهور وبكل متعة وهم يستمعون لاغاني وموسيقى روائع فريد الاطرش، محمد عبدالوهاب، ام كلثوم، عبدالحليم حافظ، محمد عبدالمطلب، فايزة احمد، كارم محمود، نجاة الصغيرة، طلال مداح، والكثير من اغاني المطربين العرب.

وكذلك يشترك شخصيا مطربونا الاردنيون الاوائل بتقديم اغانيهم الاردنية الرائعة والوطنية مثل: سلوى، محمد وهيب، بشارة الربضي، اسامة جبور، فؤاد حجازي، فيصل حلمي، عدنان شهاب، وقديما قبل رحيله اسماعيل خضر، موسى حجازين.. وغيرهم الكثير من مطربينا مثل: رضوان المغربي، عطاالله هنديله (العندليب الاشقر)ن وفؤاد راكان، نبيل الشرقاوي، عبدالله الصرايرة، رياض غلاب، روشن الايراني.. الخ. وكذلك مشاهير الموسيقيين الاردنيين ومنهم مثلا: صخر حتر، إميل حداد، كرامة حداد، روحي شاهين، سامي خوري، حسن الفقير، علي فالح، رياض غلاب، سعيد هنا، احمد كامل، اسعد جورج، عيسى البلة، خضر عزام، محمد سميك.

حيث يبدعون في غنائهم وعزفهم للموسيقى وللاغاني الاردنية والموشحات الاندلسية والاغاني والمقطوعات الموسيقية من كل انحاء الوطن العربي، ويجمعهم ذلك الحس والروح الواحدة، التي لا تريد سوى البهجة والارتقاء بالنفس والسمو بها الى عالم من الصفاء والقوة، وهو يقود فرقتهم الفنية المايسترو صخر حتر بكل الاخوة والصداقة الجميلة فيما بينهم جميعا.