يشكو نجيب محفوظ في حديث أجراه معه الناقد الادبي المعروف رجاء النقاش منذ سنوات طويلة قبل نيله لجائزة نوبل للآداب , من أنه تعب في «الوظيفة» وتعب منها, ولكنه كعادته عندما يواجهه المصاعب فإنه كان يحاول تطويع الوظيفة ليستفيد منها.

وفي هذا المعنى يقول نجيب محفوظ: «أعطتني حياتي الوظيفية مادة إنسانية عظيمة, وأمدتني بنماذج بشرية لها أكثر من أثر في كتاباتي ولكن الوظيفة نفسها كنظام حياة وطريقة لكسب الرزق لها أثر ضار على الأدب, أو يبدو الأمر كذلك لي, فقد ابتلعت الوظيفة نصف يومي لمدة سبع وثلاثين سنة, وفي هذا ظلم كبير.

ولكن الوظيفة في الوقت نفسه علمتني النظام والحرص على أن أستغل كل دقيقة في حياتي بطريقة منظمة, مع عدم تجاهل أوقات الراحة والترفيه, وهذا في تصوري هو أثر إيجابي للوظيفة في ظل المجتمع الذي نعيش فيه, فمن المستحيل أن يتفرغ الأديب في بلادنا لعمله الأدبي وحده, ولو كانت أوضاعنا مثلما هو الحال في أوروبا, وصدر لي كتاب متميز لتغيرت حياتي, وكنت استقلت من الوظيفة وتفرغت للعمل الأدبي, لأن الكتاب المتميز هناك يحقق إيراداً يكفي لاتخاذ مثل هذه الخطوة».

ويذكررجاء النقاش قائلاً : و ذات يوم كنت أتذمر لنجيب محفوظ ضغط العمل الصحفي وابتلاعه للوقت والعمر, فنصحني نجيب ألا أستسلم لظروف الحياة مهما تكن صعبة, ثم قال لي: «اسمع.. أنا صنعت نفسي وأدبي كله من (نشارة الحياة) !.

ويقول النقاش : لقد هزتني كلمة «نشارة الحياة» هذه, وعلمتني ألا أشكو, وأن أحاول الانتفاع بكل دقيقة متاحة أستطيع فيها أن أعمل وأنتج, فالشكوى لا جدوى منها ولا فائدة.

ولا شك أن مما يزيد من موقف نجيب محفوظ وضوحاً في إدارته لحياته وأدبه, ما سمعته منه عن «موقفه من السلطة» حيث قال: «أنا مش بتاع سلطة.. هذه حقيقة ليس فيها أي نوع من المبالغة, فلم تكن السلطة في يوم من الأيام هدفي ومأربي, وذلك لسبب بسيط, هو أنني ما كنت أستطيع الجمع بين السلطة والأدب, فالأدب الذي يقدس مهنته ويعشق قلمه, يفضل أن يبتعد عن السلطة بهمومها ومتاعبها ومشاغلها والتزاماتها.

ويقول محفوظ : وفي خلال المدة التي عملت فيها رئيساً لمؤسسة السينما, وتبلغ حوالي العام ونصف العام, لم أقرأ ولم أكتب كلمة واحدة, وكان كل وقتي محصوراً في الوظيفة وما يتصل بها من متاعب وقيود».

«ليست السلطة هدفي الذي يتفق مع مزاجي وطبعي, بل إنني أعتبرها معطلة لي عن مهنتي الأساسية وهي الأدب.

والسلطة الحقيقية التي طالما حلمت بها هي سلطة الأدب والفن, وليس السلطة الإدارية. فالأديب في حد ذاته يمكن أن يكون صاحب سطوة ونفوذ وتأثير على الرأي العام بكتاباته, خاصة إذا تحولت هذه الكتابات إلى أعمال سينمائية أو تلفزيونية أو غير ذلك من الأشكال الشعبية الجماهيرية. وسلطة الأدب في النهاية أسمى وأرفع وأبقى من أي سلطة إدارية.

وأحب هنا أن أؤكد نقطة مهمة, وهي أن هذا الرأي الخاص بي ولا أفرضه على أحد غيري, ولا أستطيع أن أعيب على أي مفكر أو أديب عمله بالسياسة أو سعيه إلى أن يكون صاحب سلطة, فربما عن طريق السلطة يستطيع هذا الأديب أن يخدم الحياة الثقافية أفضل من تأليف كتاب أو رواية.

وهناك نماذج كثيرة لأدباء ومفكرين قدموا خدمات جليلة للحياة الثقافية, بل للمجتمع كله, عندما وصلوا إلى مناصب قيادية .

فالدكتور طه حسين مثلاً ما كان يمكن أن يصل بأفكاره الخاصة بنشر التعليم ومجانيته إلى حيز التنفيذ, أو يطبق شعاره الشهير (التعليم كالماء والهواء حق للجميع), ما لم يصل إلى السلطة, وما لم يشغل منصب وزير المعارف من سنة 1950 إلى سنة 1952.

وربما كان توفيق الحكيم من الأدباء القلائل الذين يتوافق مزاجهم مع مزاجي في تفضيلهم سلطة الأدب على السلطة الإدارية, ولذلك قدم توفيق الحكيم استقالته من النيابة العامة, وفي وقت كان فيه منصب (وكيل نيابة) من أرفع المناصب وأسماها, وكان من الممكن أن يتعرض للاتهام بالجنون من يتخلى عن مثل هذا المنصب من أجل الأدب والتفرغ له».

على أن أدق وأهم ما سمعه النقاش من نجيب محفوظ عن إخلاصه لأدبه هو قول محفوظ عن موقفه الأدبي بعد زواجه: «عندما تزوجت في عام 1954 بعد أن ظللت سنوات عازفاً عن الزواج بسبب تفرغي للأدب, توقع العديد من أصدقائي أن تتراجع جرأتي في تناول قضايا المجتمع, وتقل شجاعتي في نقد الأخطاء والسلبيات, خوفاً على أسرتي, كما توقعوا أن مسؤولياتي العائلية الجديدة التي تحملتها لا شك سوف تدفعني إلى أن أكون مسالماً وبعيداً عن الصدام مع أي سلطة, ولكن خابت توقعاتهم, حيث ازدادت كتاباتي عنفاً وجرأة, ولهذا الأمر أسبابه, وأولها أنني عندما أمسك بالقلم أنسى كل شيء: خوفي ومسؤولياتي وأسرتي وأنسى حتى نفسي, وفي هذه الحالة لا أفكر إلا فيما أؤمن به وأريد التعبير عنه بصدق وأمانة: ثم هناك نقطة أخرى هي أن انتقاداتي دائماً موضوعية, ولا تحيط بي أي شبهات, كما أنني ليس لدي شعور بالإثم تجاه أي شيء أو أي شخص».

برنامج ودقة الوقت !

كان لنجيب محفوظ برنامجاً ليوم الخميس لا يعدل عنه مهما تكن الأسباب, يغادر مكتبه عند الظهر ليتناول غداءه مع والدته ومع أشقائه وشقيقاته .

وبعد انتهاء غداء نجيب محفوظ وأشقائه مع والدتهم ظهر الخميس يذهب في الساعة السادسة إلى قهوة (عرابي) ليقابل أصدقاءه الشخصيين القدامى جداً, وفي الثامنة يذهب إلى (الحرافيش) وهم (شلة) حديثة العهد نسبياً».

وقد تغيرت الدنيا وتغير الناس, ولكن هناك شيئين لم يتغيرا هما وفاء نجيب محفوظ لمن بقي من أصحابه, ووفاؤه لأصحابه الذين دخلوا حياته في مراحل جديدة.