يخطئ من يظن أن الحكومة تحكم بقناعاتها والتزاماتها ، أو بموجب برنامجها المقرر للإصلاح الاقتصادي الذي سبق أن نوقش وأقر على أوسع نطاق ، فالواقع أن الحكومة واقعة تحت الضغط من جميع الاتجاهات التي تفرض عليها سلوكاً معيناً قد تريده وقد لا تريده.

بيد الحكومة برنامج مالي واقتصادي يستهدف بصراحة النص إلغاء أو تخفيض الإعفاءات والاستثناءات من الضريبة التي كانت الحكومات السابقة قد قررتها خضوعاً للضغوط إذا لم تثبت جدواها ، فلم تزد الإنتاج ولم تخفض الأسعار.

الأصل أن تطبق ضريبة المبيعات على كل شيء يباع ويشترى وعلى قدم المساواة مما يشكل في الواقع تعديلاً لقوة الدينار الشرائية بحيث تعمل في كل الحالات بنفس القوة.

لم تستطع الحكومة أن تنفذ قرارها وبرنامجها لأن هناك مصالح وجهات عديدة تفرض نفسها ، وتفرض خفض الضريبة على مصالحها ورفعها على منافسيها.

وبالنتيجة فإن قوى متعددة تدخلت لتجميد حركة الحكومة وعرقلة تمثيلها لالتزاماتها وقناعاتها المعلنة.

من المعروف أن الضرائب غير مرغوب فيها ، ولا أحد يحب أن يدفع الضرائب أو يزيدها ، لكن تطبيق الضريبة يحتاج لموافقـة نقابـة الصيادلـة التي ترفض تخفيض هامش أرباحها على حساب المرضى ، كما أن فرض الضريبة على الذهب يحتاج لموافقة تجار الذهب وهكذا.

لم يقتصر الأمر على خفض الضرائب ، وهي الدعوة الأقوى ، فهناك من يدعو إلى فرضها أو زيادتها ، ولكن على المنافسين ، قطاع الصناعة الخشبية يطالب برفع الضريبة على المستوردات الخشبية ، ومربو الدواجن يريدون فرض ضريبة على الدجاج المستورد وهكذا.

يبدو كأن على الحكومة أن تطلب التنسيق بين هذه القوى لعلها تتعاون في تحقيق الاهداف المرسومة ، وفي المقدمة تأمين إيرادات إضافية للخزينة هذه السنة بحوالي 540 مليون دينار لا يمكن أن تأتي إلا من ضرائب جديدة أو زيادة ضرائب حالية.

لم يبق إلا أن تدعو الحكومة منظمات الضغط إلى حوارات فيما بينها لتقرر ما تراه مناسباً ثم يأتي دورالحكومة للتنفيذ ، مما يجعلنا نقترب كثيراً من نظام التسيير الذاتي الذي طبقته يوغسلافيا وانتهى بانهيارها.

ليس كل ما تطالب به مؤسسات الضغط يمثل مصالحها المباشرة ، فهناك قوى تدخل على الخط كمعارضة مع أن الموضوع لا يخصها من قريب أو بعيد. وفي هذه الحالة فإن الهدف هو الشعبية التي ينشدها الجميع بأي ثمن وبخاصة إذا كان آخرون سيدفعون الثمن.