ناصر السيد النور *

تتناول رواية «تيتانيكات أفريقية» للروائي الإرتيري أبوبكر حامد كهال، حالة الهجرة وموجات الفارين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء باتجاه المتوسط وصولاً إلى أوروبا عبر مغامرات مهولة، فادحة الأخطار.

تسرد الرواية سيرة مهاجر دفعته ظروف بلده لتقذف به إلى عمق الصحارى والبحار متجاوزاً عدة بلدان في معيّة أفرادٍ تخلتف جنسياتهم ولغاتهم ولكن يوحدهم هدف أوحد، الهجرة. وتتدتخل البنية السردية للرواية بين سرد يمثل محور الصراع بين الهُوية، والمكان (الهجرة)، وهو التداخل الذي يُمكِّن النصَّ من التوغل سردياً من خلال رحلة الشخوص وانفعالاتها في مصائرها المجهولة؛ وتخييل سمحَ برحلة سردية ممتدة متصلة الاحداث.

حاولت الرواية معالجة إحدى المشكلات التي يعيشها عالم اليوم وما مثلته الهجرة -غير الشرعية- من تحدٍّ إنساني وسياسي، وفجوة آخذة في الاتساع بين عالمين يجمعهما مشترك إنساني ويمنحهما صفة الوجود، وتفرقهما مفاهيم وتصورات وتطورات تاريخية في تحدٍّ صارخ لتناقضات التجربة البشرية في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية السياسية. وتتمثل الهجة بعبور الجغرافيا والحدود وما يستتبعه ذلك من تحولات بشرية تحمل صفات الانتقال والتحول الثقافي (Cultural Transformation) والصدمة الحضارية من منطقة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى.

منذ صدورها ثم ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، حظيت «تيتانيكات أفريقية» باهتمام بالغ على مستوى الدراسات الأكاديمية والنقدية حول العالم، ووضعت من ضمن الروايات التي تؤسس لتيارٍ جديدٍ (رواية الهجرة) في عالم الرواية العالمية. إذ نبهت إلى أهمية الالتفات إلى أخطر ما يواجه العالم من تحديات تهدد مجتمعات الجنوب وتضع العالم (الغربي) في أزمة أخلاقية ومشكلات اقتصادية واجتماعية يحملها إليها المهاجرون.

وما زاد من أهمية الرواية أن كاتبها كان ممن خبروا -على نحو عملي- تجربة الهجرة، مسجلاً مشاهداته في نص سردي أبدعت أحداثه وفق سياقها البنائي. وهذا الانتشار العالمي للرواية لا يقتصر على أهمية الموضوع الذي تناولته الرواية، ولكن الثراء السردي ومكنة الروائي في تقصي الجدل الإنساني في خضم التنازع بين المكان ومفارقته في مسيرة الزمن الوجودي وموقفه من العالم استجابة لظروف مفروضة قهراً عليه؛ كلها تلعب دوراً كبيراً في تحقق القيمة الكبيرة لهذ العمل.

إنها رواية تضع العالم في موضع المساءلة إزاء تصوراته وقوانينه ومزاعمه والحقوق التي ينبغي على عالم اليوم ومؤسساته الحفاظ عليها والدفاع عنها. إنه السؤال المشروع الذي لا يكاد يفارق هؤلاء الذين يقفون على هامش التاريخ وليس نهايته؛ وهم عاجزون عن تفسير ظواهر ظلّت تؤطر موقعهم كما تتصوره خطابات الآخر في تنميطها لهويات وثقافات الآخر، المهاجر غير الشرعي.

البنية السردية

يتمثل الخطّاب السردي لرواية «تيتانيكات أفريقية» في خريطة بشرية بالأبعاد الديمغرافية لشخوصها في تناص لأزمة الخطاب السياسي والتاريخي للقارة الأفريقية ووجودها الغامض في التاريخ؛ فعلاقة القارة مع الهجرة لا تخلو من تاريخ صادم بينها والعالم الغربي. وتستدعي إلى ذهن المتلقي صورة تأريخية تستعيد تاريخ أفريقيا في الهجرة القسرية والرّق عبر قرون سابقة، تلك الظاهرة التي برَّر لها الغرب بعبء الرجل الأبيض.

فكأنما صراع الشعوب انتهى إلى تصنيف الأمم كـ»سرديات» (Nations Like Narration) في التاريخ مروية بتعبير ناقد دراسات ما بعد الاستعمار «هومي بابا» (1949-)، و»شهادات متخيلة» (Imagined Statements). هذه الوقائع التأريخية تمثلها الخطاب السردي للرواية عبر توظيف الأسطورة والحركة الفيزيقية للشخوص في مسار هجرتها المتعاكسة بحثاً عن ملاذ في الغرب. ذلك الغرب الذي ترسّخت صورته التاريخية كمستعمر اقتحم مجتماعتهم. إلا أن الهجرة غير الشرعية الآن كما يصفها لنّا الراوي، بدت لبعضهم «مثل موجة منفلتة أو شلال هارب يصعب فهمه، ولا يدرك أحد متى ولا كيف سيتوقف» (ص3).

واستطاع الروائي من واقع التجربة الذَّاتية أن يتمثل الهجرة عبر محاولة تتعدى الهجرة كحالة إنسانية ملتبسة، باتجاه منظور وجودي أكثر اتساعاً في رؤيته الكونية، وطبيعة الأسئلة التي يثيرها. وبدت حالة الهجرة تعبيراً صريحاً عن «رؤية شاملة» (Weltanschauung) للعالم عن طريق سؤال ذي صبغة وجودية وإعادة مستمرة من خلال تنقل الأحداث عبر الشخوص الروائية.

السرد الحكائي

يبدأ الراوي بالإشارة إلى أن كل ما يحيط به يشي بالهجرة والحركة، فمذ وصوله الخرطوم، يصف لنّا بحثه عن الطرق المؤدية إلى وجهته عبر عالم علاقاته متشابكة في جماعة المهربين، وباللغة السردية المتقنة يتحرك الراوي وسط شبكة العلاقات هذه التي تجمع بينه ومنفذي الهجرة. وما بين البحث والانتظار والترقب ينفذ الراوي إلى عالم تقوده رغباته السلبية كما يصفها؛ عالم قراءة الطالع وما يقع فيه من علاقة مع إحدى ممارسات هذا الطقس.

كل شيء بدا سريعاً وعابراً كما في حالة الراوي، فلا شيء يبطئ تقدمه صوب طريقه إلى الهجرة. ومن ثَمَّ تبدأ الرحلة متوغلة في متاهة الصحراء حيث يواجه المهاجرون مخاطر الموت والعطش والهلاك، منهم من يلقى حتفه عشطاً ومنهم من ينجو. وتظهر شخصية الفتاة الإرتيرية «ترحاس» ومحاولتها المستميتة لإنقاذ حياة الشاب الإثيوبي «اسقدوم مسفن». يسرد الراوي هذه الأحداث ومشاهدها بلغة متقنة بعبارة موجزة عميقة في دقة تصويرها واستعاراتها التشبيهية التي توسع من رؤية العبارة، حيث تتنقل المفردة اللغوية مشحونة بدلالاتها ومعبّرة عن الحدث الروائي حتى تقرب من الشعرية اللغوية.

العنوان الرمزية والدلالة

استمدت رواية «تيتانيكات أفريقية» أقصى دلالات التعبير الرمزي في اتخاذها عنواناً لا تخفى دلالته ومقارنته، ومن هنا تنطلق البداية الفعليّة للنصّ الروائي، إذ تظل كتابة العنوان تحمل باستمرار حركة النصَّ وشخوصه. فعنوان الرواية متخَم بالدلالات المباشرة إلى حدث مأساوي في غرق السفينية الإنجليزية «تيتانك» في المحيط الهادي في طريق رحلتها من إنجلترا إلى الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين وغرق جميع ركابها، وجسدت السينما العالمية هذه المأساة في الفيلم الشهير الذي يحمل الاسم نفسه « تيتانك» في عام 1997.

مثّل العنوان انعكاساً داخل النصّ، بحيث أصبح محتوى دلالات العنوان هو النص مقروءاً ومُفسّراً معه. بوجه من القول، فإن الاختيار القصدي عزَّز من فرضية القراءة الواعية في المعالجة الموضوعية لثيمة السرد المركزية. فالعنوان (عتبة النصّ) يحُلِّل الدلالات والمواقف التي أراد الراوي اختزالها فيه كاستهلال يؤشر إلى فحوى النص. وبالتالي يضعنا عنوان الرواية أمام صورة بصرية مستدعاة من حادثة تاريخية أصبحت قابلة للاستعارة مشبعة الدلالة.

ويتعدى العنوان التصورَ الرمزي في تداخله التأريخي مع القصة الواقعية وأحداثها ليعيد قصة في دورة تاريخية تقترب من الواقعية المباشرة، ويصبح التاريخ استعادة مكرورة متجلّية في زمن ومكان مختلفين. استطاع الروائي نقل واستخدام الحساسية التي تنبعث من ثيمة تاريخية وما تثيره في ذهن المتلقي للوهلة الأولى. فليس هناك أدعى من تحديد الإطار التصويري بجلاء واضح، وهو قد لا يثيرنا أو يدعونا إلى التملي والتفكير لفك رمزية العنوان.

حقق اختيار العنوان خطاً مفارقاً لما عُرفت به عناوين الروايات الأفريقية الكلاسيكية الأشهر مثل رواية «الأشياء تتداعى» للنيجيري آشينوآتشيبي، و»تويجات الدم» للكيني واثنغو، بل إن استخدام العنوان المختار (تيتانيكات افريقية) يتناص مع الحدث التاريخي «سفينة تيتانك» بأكثر من وجه، الأمر الذي جعل تداخل العنوان (intertitle) يحقق اتساقاً مع نظرية الخطاب الروائي لجرار جينيت. فالأثر التاريخي بعلامته النصيّة يمتد إلى النص الروائي مما يوضّح الصلة القائمة بين العنوان كنصّ يحتمل التناص وبنية الخطاب الروائي إلى حدّ التطابق في القراءة. ولما كان العنوان (المقدمة)، اختزال لنصّ هائلٍ بما يتضمنه من مكونات الخطاب الروائي (الشخصيات، الأحداث، السرد... إلخ). فإن اختيار العنوان أو وجوده يقع ضمن عملية معقدة موصولة بالخطاب الروائي، فلا يكون بالمصادفة المحضة في الاختيار أو التوقع، دون قراءة الروائي المتعمقة وتوظيف ذلك في إنتاجه السردي.

اللغة الروائية

إنّ اللغة لا تعمد إلى شرح النص الروائي وتحليل نسق البناء اللغوي وعلاقات المفردات والدلالات المعجمية والتركيبية، بل يتم استخدامها بالتطابق والموافقة الموضعية بين مستوى اللغات التي تنطق بها الشخصيات في الرواية والعلامات الأخرى التي توجد بقوة الفعل اللغوي نفسه في النص بتمثلها للأحداث.

في رواية «تيتانيكات أفريقية» حاول الراوي إيجاد صورة لغوية سمتها العامة لغة مبسطة ذات قاع شعري، فتركيب الجملة ينساب متقطعاً ولا تخلو الجملة من نبرة ساخرة اتساقاً مع أحداث الرواية. إنها الصورة التي عبّر عنها ميخائيل باختين بقوله: «داخل كل ملفوظ تقريباً، يحدث تفاعل متوتر، وصراع بين الكلام الخاص وكلام الآخر». فالراوي اقتصد مستوىً لغوياً تتباعد فيه دلالات الأسلوب، في حين برزت فيه لغة المكان والشخصيات والأحداث متفاعلة مع لغته التي أنتجت نصاً لغويا شعرياً.

أظهرت لغة رواية «تيتانيكات أفريقية» استخداماً واسعاً للصور البلاغية والمفردات الغنية بالتعابير المجازية، مما يوضح تمرس الروائي اللغوي ودربته على توظيف المفردة اللغوية ومطابقتها للنص الروائي. ثمة جملة من التعبيرات التي انفردت بصياغتها الاستعارية فأفضت إلى جملة قصيرة موحية جعلت من النصّ الروائي نصاً مشوقاً بسبكه اللغوي المتين. وعليه، بدت في مستوى ما شعرية، وتخللت الأبيات الشعرية النصَّ في أكثر من مقطع كما لو أن الراوي يبرهن على تمكنه من الأداء اللغوي. وقد أبانت اللغة الفصيحة عن تعابير بلغت بالنص الروائي مبلغاً رفيعاً من الناحية اللغوية، واستُخدمت العامية في حيز ضيق على لسان بعض الشخصيات الروائية يعقبها تدخل الراوي بشرح لغوي ناصع في إبانته. وربما أراد الروائي باستخدامه للصور المجازية أن يجعل المفردة تمنحنا أكثر من صورة.

الحوار

يرد الحوار في الرواية باستمرار، حاملاً معه رؤية موضوعة الرواية، وأحياناً ينبثق عن حالة حوار ضمن حوارات النص الروائي.

يتنقل الحوار في الرواية مقسَّماً إلى طبقات تكشف عن مستوى الموضوع والمحتاورين، وقد حافظ الروائي على سمته وشكله ضمن تقنية الحوار في النص الروائي. ويكون الحوار في هذا المقطع استرجاعاً زمنياً لا يتحدّد بلحظة الحدث، مفارقاً له باسترجاع زمني في حكاية سيرة «مالوك» الجد. إنها المعالجة النصية التي تبقي على الشكل الروائي في ركن من أركانه السردية (الحوار).

وظلّ الراوي في حوار متصل طوال مسيره في طريق الهجرة، ودائماً ما يجد نفسه أمام أناس غرباء عنه محاولاً إقناعهم بقضيته، وعند تلاقي الشخوص في نصّ الرواية كان الحوار يشكل الوسيلة الوسيط في الأخذ والرد بينهم.

*كاتب ومترجم سوداني