رضوخ إسرائيل للشروط الأردنية باتت أمرا يتحدث عن نفسه بالحقائق الدامغة. وكان نشر وزير الدولة لشؤون الإعلام الدكتور محمد المومني تفاصيل المذكرة الإسرائيلية التي حملت تفاصيل أمر في غاية الأهمية عبر عن ثقة الاردن بما انجزه وقطع الطريق في ذات الوقت على كل مشكك لا يريد أن يرى الحقائق رغم وضوحها التام.

ولا بأس من التذكير بمفاصل وتفاصيل ما حققه الأردن من انتصار كامل لحقوقه وحقوق أبنائه رغم تمام وضوحها، فأن تعترف الحكومة الاسرائيلية وتعتذر بهذه الصورة الواضحة والشاملة وبهذه اللغة التي وردت في المذكرة التي أرسلتها الى الأردن، وتضمنت الاعتذار والندم الشديدين والتعويضات والمضي بالمسار القانوني، وأيضا عدم عودة السفيرة السابقة في عمان واستبدالها بسفير آخر وهو ما يتطلب إجراءات دبلوماسية أبرزها عملية الاستمزاج بالسفير الجديد الذي يأخذ بالعادة وقتا يمتد من أيام الى أسابيع.

كل ذلك لم يكن ليحدث لولا صلابة الموقف الأردني بأن إنهاء الازمة لن يتحقق إلا بتحقيق الشروط الأردنية كاملة وهي التي وردت في المذكرة الإسرائيلية التي تشكل الدليل الملموس على الانجاز الأردني.

تاريخ اسرائيل وحكوماتها مليء بالاعتداءات، واقتراف الجرائم و الخطايا بحق الدول، حتى تلك الحليفة لها، عبر ملفات مختلفة ثبت فيها التورط الاسرائيلي.

لكن الحكومات الاسرائيلية، المتعاقبة ورغم مرور عقود على تلك الملفات المثبتة قانونيا وسياسيا ودبلوماسيا وميدانيا، لم تكلف نفسها عناء الاعتذار، حتى أنها لم تقبل حتى مناقشة مثل هذه القضايا والملفات رغم اثباتها، وذهب

كثير من هذه القضايا طي النسيان أو في أدراج أرشيفات الدول رغم المرارة والألم من الصلف الذي كان يعتمد دوما منطق القوة متجاهلا قوة المنطق والحق الذي تنصلت منه الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة وكأنها فوق المساءلة وفوق القانون وأنه لايمكن ملاحقتها تحت أي مبرر كان.

هذا المنطق بالذات لم يكن ليقبل به الأردن، في مسألة حقوقه وحقوق أبنائه؛ محمد الجواودة والدكتور بشار الحمارنة اللذين قضيا في تموز الماضي على يد حارس الأمن الاسرائيلي، والقاضي رائد زعيتر الذي قضى في آذار 2014 على يد قوات الاحتلال الاسرائيلي.

كما أن الانتصار الأردني في هذه الملفات لم يأت من فراغ بل من وعي وخبرة ودراسة لكافة المعطيات في مثل هذه الملفات وإدارة الأزمة بحرفية كاملة وبكفاءة عالية خلال الأشهر السبعة الماضية، خصوصا أن الطرف الآخر ارتكب جميع الأخطاء وأولها ارتكاب الجريمة ورفض الالتفات

للشرعية والقانون والأعراف التي احترمها الاردن.

ولم يكن هذا الاحترام إلا في محله، ولم يكن بأي حال بابا للوهم بأن يكون نقطة ضعف أردنية يمكن الولوج منها للتنصل من حقوقه بالتسويف أو الاستعراض أو شراء الوقت أو التكتيكات التي كانت على مدى الفترة الماضية كلها تواجه بموقف أردني غير قابل للاختراق بتوجيهات تامة بأن أي شرط أردني لا يتحقق فإن الأزمة ستبقى كما هي بل وان الخيارات الاردنية الاضافية كانت موجودة السياسية والدبلوماسية والقانونية في قضيته العادله تماما.

ثبت للطرف الآخر أن الخسارة والأزمة تزداد تعمقا، كلما مضى الوقت دون الاعتراف والاعتذار وتلبية الشروط الأردنية بشأن حقوق أبنائه الشهداء، وهي خسائر لا تعد سياسيا ودبلوماسيا وأخلاقيا بالاضافة إلى الحق القانوني الذي لن يضيع، ومسوغات وخيارات احقاقه متاحة بالمتابعة الدائمة.

إضافة إلى أن الطواقم الأردنية التي عملت ليل نهار على هذا الحق، كانت تحفظ درسها جيدا، وتسير بالاتجاه الصحيح والثابت نحو صياغة الموقف كما يريد الأردن عبر اعتراف رسمي اسرائيلي كامل بالحقوق الأردنية وتلبية شروط هذه الحقوق.

فكان الاعتذار والتعويض والمسار القانوني وهو بالضبط ما أراده الأردن وأصر عليه، وهو انجاز لم تتحصل عليه الكثير من دول العالم بمثل هذا الشمول والقوة وعبر مذكرة رسمية وليس مجرد وعود أو أقوال بل حقائق دامغة رسمت نصرا أردنيا مؤزرا في مجابهة دبلوماسية وقانونية وسياسية لم تكن سهلة لكن الأردن أنجزها تماما وبالكامل.