الرأي - رصد

الأطفال يصابون بضغط الدم أيضاً. هنا، لا تتعلق المسألة بعمر الشخص، فالاعتقاد السائد بأن الأطفال بمنأى عن الإصابة بمرضٍ كهذا يبقى اعتقاداً لا صحّة له. والأرقام تشير إلى مدى الخطأ في اعتقاداتنا، فالأطفال يصابون بهذا المرض، وإن بنسبة أقل من نسبة الإصابة لدى البالغين. فما هو هذا المرض؟ وكيف يظهر لدى الطفل؟ وكيف يمكن التنبؤ بإصابة الطفل به؟

غالباً ما نربط ارتفاع ضغط الدم بالبالغين، من دون أن نفكّر ولو للحظة بأن الأطفال والمراهقين قد يصابون أيضاً بهذا المرض، وبأن خطره مضاعف لأن الغالبية لا تعرف حتى أنها مصابة به. فهذا المرض لا ينذر، ويفترض ان يكون هناك إجراءات استباقية يقوم بها الأهل في هذا الإطار، ولعلّ أهمها الإجابة عن سؤال متى يعتبر ضغط الدم عند الأطفال مرتفعاً؟ الإجابة عن هذا السؤال هي بداية الوعي. وفي هذا الإطار، يعتبر ضغط الدم مرتفعاً عندما يكون أعلى من 95% من معدله الطبيعي عند الأطفال، بنفس العمر والطول والجنس. مع ذلك، تكمن هنا مشكلة تتعلق بعدم وجود معيار واحد يناسب كل الأعمار، يمكن العودة إليه، إذ ما يمكن اعتباره ضغط دم طبيعياً قد يصبح غير طبيعي مع نمو الطفل، وهو ما يصعّب التشخيص.

مع ذلك، يمكن «الاتكال» على بعض العوارض التي تؤشر لإصابة الطفل بضغط الدم، مع الإشارة إلى أن الأطفال الذين لم يتجاوزوا سن العاشرة قد يحدث ارتفاع ضغط الدم لديهم بسبب حالة صحية معينة يعانون منها. ويمكن أن ترتبط تلك الإصابة مثلاً بمعاناتهم من بعض الأمراض القلبية أو أمراض الكلى أو الغدد والأوعية الدموية.

أما بالنسبة إلى العوارض، ففي كثير من الأحيان لا وجود لعوارض دالّة على الإصابة. وهنا، مكمن الخطر. مع ذلك، يمكن الحديث عن بعض الإشارات ومنها مثلاً الشعور الدائم بالصداع والدوار وعدم وضوح الرؤية والغثيان أو الرغبة في التقيؤ وخفقان القلب ونزيف الأنف. وهذه الأعراض لا تأتي من «الغيب»، فثمة أسباب ـ غالباً ما تكون مشتركة بين الأطفال والبالغين ـ قد تزيد من احتمال الإصابة وهي تلك التي تتعلق بالسمنة والاعتماد على نظام غذائي غير صحي وقلّة النشاط البدني. واللافت هنا أن نسبة تعرّض الأطفال الذكور للإصابة به أكثر من الإناث.

العلاج

غالباً ما يتم التعاطي مع الأطفال المصابين بارتفاع ضغط الدم بطريقة مختلفة عن التعاطي مع البالغين، وفي هذا الإطار، ينصح الأطباء بمواجهة خطر ارتفاع الضغط لديهم من خلال إنقاص الوزن إن كانوا يعانون من السمنة، وذلك باتباع نظام غذائي صحي يقوم على الإكثار من الخضروات والفواكه ومنتجات الحبوب الكاملة والتقليل من الملح والوجبات السريعة. هذا يحدث في حال لم يكن بسبب حالة مرضية، إذ غالباً ما يجري التخلّص منه من خلال إجراء تعديلات بسيطة على حياة الطفل. وتكون البداية مع تبديل النظام الغذائي بشكل جذري، بحيث يجري التخلص من كل الأطعمة الغنية بالدهون والسكر والملح بشكلٍ أساس، والاعتماد على الخضروات والفواكه. كما يجب مساعدته على القيام بمزيد من النشاط البدني من خلال تحفيزه على اللعب خارج المنزل. قد لا يكون هذا الأمر سهلاً، وخصوصاً مع رواج ألعاب الفيديو المنزلية و«تطبيقات» الهواتف الذكية، ولكن لا مفر من المحاولة التي ستجنّب الطفل التعايش في عمره مع مرضٍ لا يستهان به. فالخوف هنا من التعقيدات المستقبلية، فإذا لم تتم معالجة ضغط الدم خلال مرحلة الطفولة، فقد يصبح مع الوقت حالة مزمنة ترافقه طيلة حياته. فـ«حمل» المرض لمرحلة النضوج قد يفتح أمامه طريقاً مليئاً بالمخاطر، من خطر الإصابة بالسكري إلى النوبات القلبية وأمراض الكلى التي ستتضاعف بلا شك إن لم نسارع إلى المعالجة.

تغيير بسيط «يصنع الفرق». وفي هذا الإطار، يمكن الحديث عن بعض الخطوات التي قد تحمي الطفل المريض في أسرع وقت، والتي تعود في مجملها إلى فكرة «المشاركة»، أي إشراك العائلة في خطوات حماية الطفل. فمثلاً في النظام الغذائي الصحي، قد يكون من الصعب على الطفل وحده أن يجري تغييرات صحية في نمط حياته، إذا لم تكن العائلة كلها تتناول نظاماً غذائياً صحياً، أو تمارس الرياضة مثله، على سبيل المثال الاستمتاع برحلة ركوب الدراجات الهوائية في الهواء الطلق أو لعب المطاردة أو المشي والجري.

بطبيعة الحال، ثمّة أشياء يجب أن تبقى حاضرة في «جعبة» الأهل، إذا ما كان لديهم طفل مصاب بضغط الدم. فإضافة إلى إجراءات الحماية الغذائية، يفترض بالأهل المواظبة على قياس ضغط الدم بشكلٍ منتظم، تماشياً مع ما هو معتمد طبياً في هذه الحالة، أي البدء بقياس ضغط دم الطفل بعد تجاوزه سن الثالثة.

وفي هذا الإطار، توصي الرابطة الألمانية لأطباء الأطفال والمراهقين «الوالدين بقياس ضغط الدم بانتظام لدى طفلهم، البدين تحديداً، وذلك لاكتشاف إصابته بارتفاع ضغط الدم والخضوع للعلاج في الوقت المناسب». وأوضحت الرابطة أن «ارتفاع ضغط الدم قد يُلحق أضراراً بالأوعية الدموية للطفل، مما يرفع خطر إصابته بسكتة دماغية، كما أنه قد يؤذي بعض أعضاء الجسم مثل الكلى».

ضغط الدم الطبيعي للأطفال

يختلف ضغط الدم الطبيعي لدى الطفل تبعاً للعمر والطول. ولكن، غالباً ما لا تكون هذه الأشياء ثابتة في المراحل العمرية، بمعنى أنها ليست معياراً دقيقاً، لكن مع ذلك يمكن الحديث عن ثلاث فئات رئيسية للأطفال، وفقاً للتقسيمات المعتمدة من قبل جمعية القلب الأميركية:

ـ من ثلاث إلى خمس سنوات: هنا، ينبغي على الأهل البدء في فحص ضغط الدم لأطفالهم بانتظام. فإن متوسط الحد الأعلى لضغط الدم الانقباضي (الرقم الأول) لدى الأطفال في هذه الفئة تتراوح بين 104 ـ 116، والتي تعتمد على الطول والجنس . فإن متوسط الحد الأعلى لضغط الدم الانبساطي (الرقم الثاني) لدى الأطفال في هذه الفئة تتراوح بين 63 ـ 74.

ـ من ست إلى تسع سنوات: يتراوح متوسط الحد الأعلى لضغط الدم الانقباضي لدى الأطفال في هذه الفئة بين 108 ـ 121، فيما يتراوح متوسط الحد الأعلى لضغط الدم الانبساطي لديهم ما بين 71 ـ 81.

ـ من عشرة إلى اثني عشر عاماً: يتراوح متوسط الحد الأعلى لضغط الدم الانقباضي لدى الأطفال في هذه الفئة ما بين 114 و127، فيما يتراوح متوسط الحد الأعلى لضغط الدم الانبساطي لديهم ما بين 77 و83.

التلفاز يزيد من ارتفاع الضغط لدى الأطفال فاحذروه

كشفت دراسة جديدة أن مشاهدة الأطفال للتلفاز أكثر من ساعتين يومياً يزيد من خطر إصابتهم بارتفاع ضغط الدم، وخصوصاً لدى الأطفال الذين لا يمارسون أي نوع من النشاط البدني. وفي نتيجة تلك الدراسة، التي استهدفت 5221 طفلاً من أنحاء مختلفة من الدول الأوروبية ـ ما بين السنتين والعشر سنوات، جرت متابعتهم على مدى سنتين ـ تبين أن خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم ازداد 28% لدى الأطفال الذين جلسوا أمام شاشة التلفاز أو الحاسوب لمدة ساعتين أو أكثر يومياً.

كما أدى عدم ممارسة أي نوع من النشاط الرياضي، إلى جانب الجلوس لأكثر من ساعتين على شاشة التلفاز، إلى زيادة الخطر إلى 53%. وعلى أساس هاتين النتيجتين، تأكدت إصابة 110 أطفال من كل 1000 طفل بارتفاع ضغط الدم.