صدق جلالة الملك حينما قال: ( إنني قدّمت أكثر من ورقة نقاشية لشعبي، ولكنني لا أرى أن هناك تطبيقا كافيا من قبل المؤسسات المختلفة، فلا بد أن تنعكس هذه الأفكار على أرض الواقع من خلال الفعل وليس القول فقط)..

فعلا.. لم يتم فعلا تطبيق الأوراق النقاشية مع انها مثّلت خريطة طريق للإصلاح، فتطبيقها لم يكن على قدر الطموح من قبل المؤسسات المختلفة..

أي بكلمات أخرى لم يتم تطبيق القول على الفعل لوجود حلقة مفقودة بين القول والفعل.. مفقودة إما سهوا او قصدا! ولأسباب عدة تكاد تنحصر في بوتقتيْن: إحداهما بوتقة «نعلم ولا نعمل» والثانية «نجهل ونعمل»!

مضيفين من جانبنا: من «يجهل ويعمل» فهذا بحد ذاته ذنب كبير كونه لا يميّز بين الصح والخطأ، «وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»..

اما الفئة التي «تعلم ولا تعمل» فعذرها أقبح من ذنب، لتجاهلها علمها ومعرفتها مخالفة إياهما..

متسائلين لماذا نسمح للجهل بأن يتألق، وللعلم بأن يتفلّت؟

دعونا نتوقف عند محطة « نعلم ولا نعمل» كمسلسل له جذور وسوق وأغصان وثمار ينجم عن غياب عنصر «الإلتزام».. وبخاصة الإلتزام بالمسؤولية العامة نتيجة تربية مغلوطة مزدوجة تمجّد الخاص وتهمّش العام،الى جانب ان البعض ينشد الراحة على العمل، اضافة الى وجود فئة مستفيدة من خلق اجواء مؤاتية لتحقيق مآرب وأهداف شخصية آنية عبر بعثرة المعايير العملية الصحيحة مفشّلين الجادين الذين يطبّقون القول على الفعل والعلم على العمل، مما يشوّش الرؤية فيصول الفساد ويجول بأجواء ضبابية تخلط الحقيقة بالوهم..

وهكذا بين كل هذه المعطيات يخف العطاء ويتراجع الإنجاز ويقعد النمو وتعاني التنمية المستدامة على الصعد كافة !

والحل؟

فإن كانت أسباب التراجع بالإصلاح تندرج تحت مظلة» نجهل ومع ذلك نعمل» ، فنحن نقول :»ستوبْ «كفى.. أفسحوا المجال لأصحاب العلم والمعرفة.. بشرط عدم وضع عوائق أمامهم لتفشيلهم وذلك عبر حماية قانونية حازمة عادلة تضع حدا للتجاوزات والمتجاوزين!

وان كانت الأسباب تندرج تحت فئة الذين» يعلمون ولا يعملون بعلمهم» فقد آن الأوان لمعالجة هذا الخلل الناجم عن غياب عنصر الإلتزام بالتطبيق..

والتطبيق ليس اي تطبيق بل ذلك العمل المعجون بالإتقان، أما لماذا المعجون، لأن العمل المقترِن او المرتبِط بالإتقان قد يتعرض للإنفكاك بحالة اي خلل يصيب الحلقة الرابطة بينهما فينفرطان ليغدو العمل بواد والاتقان بواد آخر اي (هو و»قلّته»)!

ومن هنا تأتي أهمية عجنهما معا ليصبح عنصر الاتقان جزءا لا يتجزأ من اي عمل وهذا هو مربط الفرس: الالتزام بالإتقان!

وللأسف ترانا نفتقد للتربية الأسرية والمدرسية والاجتماعية التي تجعل عمل الإتقان في حياتنا مهارة داخلية تكسبنا المهارة المادية والحركية التي تضيف للإنسان الاتزان والثقة..

ولهذا لا بد من ترسيخ هذه القيمة التربوية الحياتية في واقعنا وسلوكنا ببذل الجهد بإتقان كل عمل في الحياة يُطْلَبُ منا ضمن واجباتنا الحياتية أو التعبّدية، علما بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يطالب بأن يتقن الإنسان عمله: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه). فالمسلم مطالب بالإتقان في كل عمل تعبّدي أو سلوكي أو معاشي؛ ف»العمل عبادة» اذ لا يكفي اقتصار الاتقان على العبادة فحسب.. بينما نهمل كل سلوك وفعل تماما، كمن يصلّي بالمسجد متقنا صلاته وعبادته في حين انه لا يكفّ عن «مكارعة» ومعاركة عباد الله اثناء ذهابه وإيابه من والى المسجد !

ناهيك عن تلك الفئة الساعية لتفشيل العارفين العالمين الملتزمين بعلمهم والمطبقينه على ارض الواقع بكل كفاءة، فتتحلّق بعض النفوس الضعيفة -والحمدلله انهم قلّة بمجتمعاتنا -، للنيْل من إنجازات الجادّين وإجهاضها قبل الأوان حتى يذوي انجازهم ويتراجع فلا ينكشف امرالمتقاعسين ويصبح الكلّ بالهوا سوا و»مفيش حدّ أحسن من حدّ» !

هذا الكلام ليس بتنظير ولا فلسفة بل حقيقة تجري على ارض الواقع، وليس بذنبنا ان كان هذا الواقع لا يسرُّ صديقا أوعدوا!

ولهذا ما أحوجنا الى ضابط يضبط كل التسيّبات والمتسيّبين يتمثّل بقانون حازم عادل يطبَّق على الجميع وبالتساوي..

صحيح أن تغيير السلوكيات يستغرق وقتا طويلا لكن دعمها بقانون يُطبّق على الجميع سيسرّع من تغييرها، مذكّرين بأنه من ينشأ على تربية تلتزم بالمعايير الصحيحة المتعارف عليها أخلاقيا فإنه أتوماتيكيا سيلتزم بالمعايير القانونية بأكملها، فكلاهما يرفدان ويكملان بعضهما..

علما بان «دولة القانون» المطبِّقة للقوانين العادلة الحازمة على الجميع وبالتساوي، تتميز بثقافة جمعية متطورة لكونها تساهم بطريقة غير مباشرة بتقليم سلوكيات مواطنيها وتشذيب أخلاقياتهم، عبر تقوية كوابحهم الداخلية من خلال الالتزام بالقانون.. من خلال رقابَة ومحاسبَة حازِمة عادِلة، وكلنا مراقَبون من رب العالمين!

«وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسولُه والمؤمنون».

hashem.nadia@gmail