يثار هذه الأيام في قطاع التعليم العالي أسئلة مهمة عن تصنيف الجامعات الأردنية وترتيبها وتقييمها، وكيف يمكن أن يدعم ذلك التوجهات الملكية نحو التقدم والارتقاء بجامعاتنا الوطنية وتشجيع التنافسية، ويدور الحديث كذلك حول امتحان الكفاءة الجامعية، كامتحان قدرات وتحصيل، وهل يتمتع بدلالات صدق حقيقية تعكس كفاءة التعلم والتعليم وقوة البرامج ومستوى خريجيها؟.

تقوم جهات عالمية متخصصة مثل الQS و THE وشنغهاي وال ـUS NEWS بإصدار ترتيب عالمي للجامعات وللاختصاصات الأكاديمية(Global League Ranking and Subject Ranking)، وبعضها، بالإضافة لتلك، تُصدر ترتيب إقليمي للجامعات مثل QS Arabs وQS Asia ، كما أن هناك ترتيب يختص بجامعات دول الاقتصادات الناشئة BRICS وأخرى للجامعات حديثة العهد نسبياً. وتُصدر بعضها أيضاً نظام النجوم»STARS» لتصنيفهاRating بأسلوب شبيه بتصنيف الفنادق ووضعها ضمن فئات بناءً على معايير خاصة.

كذلك تقوم جهات وطنية بإصدار تصنيفات محلية للجامعات والبرامج، وهذا ليس بالأمر الجديد فتمارسه العديد من الدول، كالولايات المتحدة الأميركية ومن أشهرها تلك التي تصدر عن الـUS NEWS ، والتي طبقها الأردن قبل أسابيع، عندما قامت هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي باصدار تصنيف للجامعات فقط مستثنية البرامج والتخصصات الأكاديمية، وقد صنفت الجامعات إلى خمس درجات حيث ظهرت الغالبية العظمى منها ضمن فئة الثلاث نجوم فما دون.

والسؤال الذي يطرح ذاته هنا هل نظام «النجوم»، أكان من جهات عالمية، أم محلية كما في الحالة الأردنية، يحقق الغاية منه، ويأخذ بالحسبان التباين بين الجامعات في أهدافها وامكانياتها بواقعية، وفي ذات الوقت لا يغفل الاعتبارات الاقتصادية والسياسية لها. في ضوء هذه المعطيات، إذاً ما النموذج الأمثل للحالة الأردنية؟ وكيف نقيم نجاح جامعاتنا في بلد تتباين فيه الجامعات من نواحٍ عدة، ويعمل على زيادة استقطاب الطلبة العرب والاجانب، وفي ذات الوقت يسعى للارتقاء بمستوى التعليم والبحث وتحفيز المنافسة البينية.

لا شك أن الجامعات تسعى للظهور في التصنيفات العالمية، لما لذلك من أثر في إكساب تلك الجامعات المكانة المرموقة والصبغة العالمية وكدليل على تقدم الجامعات وتطورها مقارنة مع غيرها. وقد لاحظت من خلال مشاهداتي ومتابعتي لسنوات عدة وانخراطي في لجان تصنيف الجامعات، أن الجامعات الرائدة والعريقة في العالم لا تبدي اهتماماً بالأمر، بل لا تتقدم بطلبات للتصنيف والترتيب من أساسه، إنما هي مرجع لذلك كله وشاهد على صدقية النتائج، وتبؤها مراكز متقدمة في التصنيف هو نتيجة حتمية، ونتاج جانبي لنجاحها في تحقيق رسالتها وغاياتها وأهدافها عبر خططها الإستراتيجية، فالتصنيف لها ليس هدفاً، وإن كانت تفخر بتحقيقها مراتب متقدمة فيه، في حين وجدت أن جامعات أخرى أقل مستوى بكثير، وضعت ذلك هدفاً وغاية تسعى لتحقيقها بشتى السبل والوسائل، لإعتبارات سياسية واقتصادية، أكثر منها مهنية وأكاديمية.

لقد أدى تحقيق بعض الجامعات العربية في السعودية ولبنان وقطر ترتيباً متقدماً في تصنيفات معتمدة عالمية، مما وضع بعض الجامعات الأردنية كالعلوم والتكنولوجيا والجامعة الأردنية تحت ضغط أصحاب القرار في ضرورة تحقيق ترتيب متقدم على مستوى العالم، فأصبح ذلك هدفاً غير معلن، أدى إلى تشتيت تركيز الجامعات عن الاهتمام بجوهر العملية التعليمية ومقتضياتها وتطويرها. وهذا الأمر أخذ منحنىً آخر عندما أصبحنا نبحث عن أي ظهور ولو في تصنيفات أقل شأناً، أو لغايات محددة من مثل Webometrics وGreenMetri، وأحياناً خداع القراء والمتابعين بعناوين إعلامية براقة مضللة للإيحاء بأن جامعة ما في صدارة المشهد الأردني أو أن هناك نقلة نوعية ما حدثت وأن إنجازاً عظيماً تحقق. والنجوم التي تمنحها مؤسسسات التصنيف العالمية كمنتج تجاري لا شك تسهم في الترويج للجامعة وفريق إدارتها ولكنه ذو مصداقية منخفضة، إذ لو نظرت إلى أسماء الجامعات التي حصلت على «نجوم» متقدمة، فلا تستهجن إن رأيت أسماءً مغمورة أو غير معروفة، وليس لها ظهور في أي تصنيف معتمد، ولذا لا يمكن اختزال أداء الجامعة وتقييم كفاءة إدارتها في عدد «النجوم»، أو في رقم أو ترتيب ما، إنما في مدى قدرة فريق إدراتها على تحقيق رسالتها.

خارطة طريق:

تتباين الجامعات فيما بينها، فهناك جامعات شمولية، وغيرها محدودة التخصصات والبرامج، وهناك جامعات كبيرة، واُخرى محدودة بأعدادها، وهناك من تطمح لأن تكون رائدة في التعليم النوعي كجامعة تدريس لا كجامعة بحثية، وهناك جامعات هدفها تنمية مناطقها المحلية، في حين تسعى جامعات لأن تكون عالمية التأثير. فهل يعقل أن نقارن كل تلك ضمن معيار ومقياس واحد؟ اذاً ما الحل؟ الحل برأيي يكمن في أن نطبق فكرة الترتيب ranking بناءً على أسس تحقق الهدف في تحفيز الجامعات على الارتقاء، ولا بأس أن لا تتفق مفردات التقييم الوطنية بالضرورة مع تلك العالمية، من مثل إدراج اعتماد البرامج وشهادات ضمان الجودة، التي تغفلها معظم التصنيفات العالمية، وأن نرتب الجامعات بناءً على تلك المفردات المعلنة تدريسياً وبحثياً وحسب الاختصاصات وبرامجياً وكلياً. أن ترتيب الجامعات لا يغني عن بل يعتبر ثانوياً في تقييم الجامعات، حيث ان قياس وتقييم نجاح الجامعة وفريق إدارتها يجب ان يرتكز على تقييم مستمر عن مدى تقدمها في إنجاز رسالتها. ولكي نتمكن من القيام بذلك، لا بد أن يقوم مجلس الأمناء، كونه من يناط به نقل استراتيجية الدولة في قطاع التعليم والموارد البشرية وضمن رؤيته للدور المنوط بتلك الجامعة، بإقرار رسالة ورؤية وغايات محددة للجامعة، وإقرار الخطة الاستراتيجية وإعطاء التوجيهات، بحيث يقوم رئيس الجامعة وفريق عمله بإعداد الخطة الاستراتيجية باتباع أفضل الممارسات العالمية، وإشراك منتسبي الجامعة كافة من إداريين وهيئة تدريس وطلبة والمجتمع المحلي وشركاء المصلحة ويسبق ذلك كله اجراء تخطيط استراتيجي شامل لجميع مجالات أداء الجامعة من تعليم وتعلم وخبرة طلابية وبحث علمي وتشاركية مع المجتمع المحلي. وبعد البدء بتنفيذ تلك الاستراتيجية، تقوم جهة ذات استقلالية أكانت أردنية أو عالمية، لا فرق بينهما، في قياس وتقييم الجامعات دورياً بهدف التقويم للتأكد من مدى الانجاز وتحقيق الغايات والأهداف التي تم تضمينها في خطة الجامعة الاستراتيجية، ومدى قدرة المبادرات والخطط التنفيذية على تحقيق تلك الأهداف والغايات عبر مؤشرات الأداء وضمن الإطار الزمني من ثم تقدم تقريراً دورياً بذلك لمجلس الأمناء للعمل على مراجعتها ومعالجة الثغرات عن طريق خطة تحسين أداء. عندها فقط يمكن ان نخرج بتوصيات بالحكم على كفاءة فريق إدارة الجامعة ونجاحه أو فشله في السير بالجامعة نحو تحقيق رسالتها. وقد أصبح متعارفاً عليه في الجامعات أن توكل مهام مراقبة أداء الجامعة بشكل شمولي إلى لجنة خاصة تسمى «لجنة الكفاءة المؤسسية» Committee Institutional Effectiveness لإجراء المراجعة والتحليل والخروج باستنتاجات وتوصيات لمجلس الجامعة ومجلس الامناء. ويتضح هنا الدور المهم المنوط بمجلس الأمناء، ولذا على واضعي السياسات التفكير ملياً في الاستعانة بكفاءات تتحمل مسؤولية دورها وتحاسب عليه أيضاً. وهنا يتضح أيضاً أهمية تعيين رئيس الجامعة الكفؤ وصاحب المشروع والخبرة ومن خلال ما يطرحه من أفكار لتحقيق رؤية ورسالة الجامعة والعمل على تشكيل فريق متمكن قادر على ترجمة الرؤى.

أما بخصوص امتحان الكفاءة، والذي يتقدم له طلبتنا دون أي حافز حقيقي أو اهتمام منهم، فلا شك أنه لا يعكس بشكله الحالي قوة البرامج ولا كفاءة الخريج. فالأجدر بدل إلزام الجامعات بذلك، أن يتم تقديم جميع البرامج في كافة الجامعات لنيل شهادة ضمان الجودة بشكل إلزامي وأن تسعى البرامج للاعتمادية حسب المعايير العالمية لكل برنامج، كون الاعتمادية المحلية بشكلها الحالي ما هي إلا إجازة ترخيص لا مقياس جودة أو كفاءة. فالمطلوب ليس فقط الحصول على شهادات اعتمادية شكلية، إنما تغيير حقيقي وجذري في ثقافة وبيئة العمل الأكاديمي بالاعتماد على نقل التكنولوجيا وأفضل الممارسات في تطبيق مفاهيم ضمان الجودة. كما ويُطلب من القائمين على البرامج وضع امتحانات تحصيل تراكمية نهائية لإعداد طلبتها لامتحانات مشابه عالمياً توظف نتائجها في تقييم كفاءة الخريج، بالإضافة إلى شواهد أخرى من مثل نسبة التعيين ورضا أرباب العمل.

يجب الاهتمام في هذه المرحلة بما هو مفيد، والنظر في جوهر المشاكل التي تعيق تقدم التعليم العالي في الاردن بدلاً من التشتت في قضايا فرعية، والسعي لإنجاز الإصلاح الشامل المنشود في قطاع التعليم العالي، وتقييم نوعية التعليم الأساسي الذي يغذي التعليم العالي، ووضع سياسات تساعد الجامعات في تحقيق أهدافها من خلال اتباع العمل والتخطيط الاستراتيجي، والحوكمة الرشيدة التي تؤسس لعمل الفريق بدل النزعة الفردية، وتعزيز مبدأ المساءلة ليس فقط لرؤساء الجامعات وإنما لجميع طبقات قطاع التعليم العالي، وتشجيع التعليم النوعي والهادف، وضمان الجودة والجودة الشاملة في إدارة الجامعات، وإيجاد بحث علمي ذو معنى وموجه وهادف ومؤثر، وتمكين القيادة صاحبة الرؤية والمعرفة، وتعيين القيادات بأسس سليمة بناءً على منافسة مفتوحة بعملية تؤطرها النزاهة والشفافية، ومعالجة أعداد الطلبة الهائل في التخصصات الأكاديمية، وأعداد الجامعات، واستقلالية الجامعات ومنحها حرية إصدار أنظمتها، ومعالجة نقص الموارد المالية.

وفي الختام لا بد من تقييم مستمر ومنهجي لأداء الجامعات، وإن اختلفنا على الأسلوب، وإلغاء نتائج تصنيف الجامعات لن يغير من واقع جامعاتنا بدون طرح بدائل تعالج جوهر المشكلة لا الهروب إلى الأمام.

* جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

عميد سابق وحائز على جائزة الدولة التقديرية في العلوم - الصيدلة