عمان - ناجح حسن

عندما قدّم المخرج والممثل البريطاني اللامع كينيث براناه ، رواية الأديبة ماري شيللي الشهيرة المسماة «فرانكشتاين–حيث تحتفي الاوساط الادبية الان بمرور مئتي عام على صدورها-أجرى الكثير من النقاد وعشاق الفن السابع الكثير من المقارنات الجمالية والدرامية بين اشتغاله على فرانكشتاين وسائر اشتغالاته على مسرحيات شكسبير: «هنري الخامس» و»جعجعة بلا طحن»، وكانت له افلام اخرى مثل: « ميت ثانية «, و»اصدقاء بيتر», وسواها كثير.

وكان سبق للسينما منذ العام 1910 ان قدمت «فرانكشتاين» في العديد من المرات مزنرة بقوالب من التشويق والاثارة والرومانسية المتباينة سواء في التزام بالنص الاصلي للرواية على سعته وعمقه او في سعي لتحقيق اقتباس مبتكر للشاشة البيضاء عن مناخات الرواية او كاتبتها البريطانية الاصل وعلاقتها مع اعلام الادب في تلك الحقبة.

الجديد في «فرانكشتاين»، كان انجاز المخرجة السعودية الشابة هيفاء المنصور صاحبة الفيلم الروائي الطويل «وجدة» والعديد من الاشتغالات التسجيلية والروائية القصير من بينها «نساء بلا ظل»، فيلمها العالمي المعنون «ماري شيللي» الذي صورته بأميركا العام الماضي وعرض في اكثر من مهرجان دولي مثل: «تورنتو» و»دبي»، وصورته في لون من الرومانسية التي تدور حول العلاقة التي جمعت بين الروائية والشاعر والفيلسوف بيرسي شيللي، الذي ألهمها كتابة رواية «فرانكنشتاين».

برعت الأديبة الانجليزية ماري شيللي زوجة الشاعر بيرسي شيللي في ابتكار شخصية فرانكشتاين العام 1818 وجسدتها في عمل روائي حمل ذات العنوان، عرف ايضا ب(برو ميثيوس الحديث ) , وجعلت احداثها تسري في بدايات القرن التاسع عشر, ويتلخص موضوعها انها تحكي قصة عالم سويسري في العلوم الطبية والاحياء يدعى فيكتور فرانكشتاين , كان قد نجح في جمع اوصال آدمية مختلفه لجثث وكونها على شكل هيئة رجل عملاق , ثم مددها على سرير وبقالب اسطواني موصول بسارية تلتقط شحنات كهربائية بفعل عاصفة رعدية فاذا باطراف مخلوقه تتحرك ببطئ لتكون حياة , ولكن المفاجأة انه يعيش بلا قلب ولا روح وسرعان ما يتمرد على سيده ولينطلق ليخيف الناس ويبث فيهم كافه اشكال الذعر والبطش دون رحمة.

قد تكون رواية « فرانكشتاين « اشهر رواية رعب ظهرت حتى الآن , لكنها ليست افضل روايات ماري شيللي, فروايتها الثانيه «حياة ومغامرات كاسترو شيو» (1823) التي كتبتها بعد روايه فرانكشتاين تعتبر افضل اعمالها من الناحية الادبية، كما ان روايه «الرجل الأخير « هي ايضا من اعمالها الجيدة والمتفوقة على عملها الأول، الا ان النقاد وان رأوا في اسلوب فرانكشتاين عدم نضج الاسلوب الادبي , الا انهم اجمعوا على ان فكرتها الاساسية مثيرة وهي قدرة العلم على الابداع، ولكن بالشكل الذي يتحول الى شر، و قد كانت الفترة الذي ظهرت فيها الرواية فترة ثقة كبيرة بدور العلم والعلماء وبداية عصر تنوير. لكن نجاح فرانكشتاين السينمائي تعدى نجاحه الادبي فتحول الوحش الى احدى اشهر الشخصيات المرعبه في التاريخ السينما, وظهر في اكثر من عشرات الافلام , كان اولها من انتاج العالم الاميركي توماس ادسون – احد مخترعي الفن السابع- العام 1910 ابان عصر السينما الصامتة.

وتتالت افلمة «فرانكشتاين» في هوليوود العام 1931 من تمثيل يوسي كارلووف وعده النقاد من بين اهم الافلام نجاحا وتأثيرا على الجمهور في شخصية المخلوق العجيب, وكان اقتباس روجر كورمان العام 1990 بعنوان « فرانكشتاين الحر « مرورا باقتباس رواية «نيل « العام 1943 بعنوان «فرانكشتاين يتحدى الرجل الذئب» واقتباس ترنس فيشر المتتالين في العام 1967 و 1969 و»فرانكشتاين وزوجته»، «فرانكشتاين يجب ان يموت» , وهناك ايضا رؤية الكوميدي ميل بروكس في «فرانكشتاين الشاب» الى جانب عشرات الافلام الاخرى ذات الانتاج التجاري التقليدي في سينمات اوروبية متعددة مثال: «ابن فرانكشتاين» و «عروس فرانكشتاين» و»لعنة فرانكشتاين» و»فرانكشتاين الهائج» و «شبح فرانكشتاين» و «اليوت وكاستيللو يتحديان فرانكشتاين»... الخ.

الى ان رغبة المخرج والمنتج الاميركي فرانسيس فورد كابولا بانتاج واخراج ثلاثية عن الرعب الفلسفي، حيث عكف بالبداية على الجزء الاول «دراكولا: حسب برام ستوكر»، وهي رائعة لا تقل بجمالياتهها ودلالاتها عن ملحمته «العراب»، لكن للاسف لم تتح له ظروف عمله المتشعبة بانجاز الجزء الثاني «ذئب» الذي اهدته شركة الانتاج الى زميله المخرج مايك نيكولز!.. وانتهى الجزء الثالث «فرانكشتاين: حب ماري شيللي» مع براناه مخرجا وممثلا وليكتفي كوبولا بالانتاج، وكانت النتيجة ان حضر فيلم براناه على مثاليته الخرافية التي تتأسس على افكار عميقة تسرد مشهديات تفيض بمفاهيم العزلة والظلم والمليئة بمعان ثرية عن القسوة والحرية والانطواء والوهم والاحلام داخل ابعاد جوهرية تطل على حقيقة الوجود نفسه.

برع كينيث براناه، في تجسيد معاني تلك الحكايه ومناخاتها , وتدفقت من عمله الضخم لغة سمعية بصرية حريصة على اقتناص اجواء حقبة زمنييه غابرة بمشهدية واسعة: ملابس، ديكورات، مؤثرات، اكسسوارات أمينه لأجواء الروايه ايضا, لا تخفي الدلالات والظواهر على ملامح العصر, وهو ما منح الفيلم صدقية والقا في مشهديات آسرة، الى جانب الاداء الرائع للممثلين خاصه براناه نفسه في دور العالم الطبيب, وكذا الامر بالممثل روبرت دي نيرو في دور المخلوق الذي اعطى في كل مشهد من العمل بصماته الواضحه ممثلا قديرا عميق الاداء وموازنا في دقة التحولات داخل شخصيته العجيبة والغريبه بالانتقال من الكائن الباحث عن الحب والحنان، مرورا الى الكائن الباحث عن الانتقام، والذي يزرع الشر اينما حل, كما في مشهد النهاية حين يضع حدا لحياته مع صانعة بهيئة حزينة ومؤثرة.

في فيلم «فرانكشتاين – ماري شيللي» يصل كنينيث براناه الى درجه عاليه من النضج الفني وفيه تتجسد خبره فنان السينما سواء على مستوى الاسلوب السينمائي او على مستوى الافكار والرؤيه وهو قريب من اسلوب كوبولا خاصه في ملحمته الرائعة «دراكولا: حسب ابرام ستوكر» ولكن على نحو من الفرادة والخصوصية منتميا الى العالم الحقيقي بعيدا عن الأساطير.