إربد -أحمد الخطيب

صدر حديثاً كتاب بعنوان « روائع الأمثال في بلاد الشام من التراث العربي، « (الجزء الثالث) للكاتب والفنان التشكيلي مطلق أحمد ملحم، ويقع الكتاب في 252 صفحة من القطع الكبير، ويتضمن بدايات الأمثال التي تبدأ بالحروف التالية « ر، ز، س، ش»، ويشكل هذا الكتاب النتاج العاشر في مدونة الكاتب التوثيقية والنقدية في مجال توثيق التراث والفنون التشكيلية.

في هذا الجزء وما احتواه تتجلى براعة الكاتب في جمع كم هائل من الأمثال الشعبية التي تشكل الجزء الثالث من سلسلة تراثنا الأردني الأصيل، ووثقها بطريقة سلسة مدعمة بالقصص والحكايات بفطنة الذاكرة وثراء التاريخ، إضافة إلى إدخال الصور والرسوم التعبيرية لكل مثل ، التي يدور تداولها بين ألسنة الأهل في الصحراء، والبادية، والريف، والمدينة. وتمتاز ببساطة المعنى، وسلاسة الكلمات.

هذه الدراسة التوثيقية صوت جديد في عالم فن كتابة الأمثال الشعبية، حيث استطاع الكاتب مطلق ملحم من تحليل وتوثيق ما استطاع الحصول عليه من أمثال متداولة في المجتمع الشعبي الأردني، الهدف من ذلك هو توثيقها وإيصال مفهومها الشعبي لأكبر عدد ممكن من القراء وتعريف العالم بتراثنا الأردني العربي الأصيل، وتوثيقها حفاظاً عليها من الاندثار والنسيان على رفوف المكتبات تغطيها غبرة الأيام، وقد روعي التحليل الشخصي لعدد من الأمثلة بمعناه وفكرته من كلمات واقترانه بقصة أو حكاية أو رواية طريفة وغير موثقة وأغلبها من نسج الخيال.

يرى ملحم بأن الكتاب يعتبر توثيقا للمشوار التراثي والتاريخي الطويل للأمثال الشعبية في الأردن، وما تمتلكه من ثراء تراثي يعكس تاريخ الإنسان على هذه الأرض، وهو نتاج لتداخلات التاريخ والثقافة والعادات والتقاليد الشعبية، مؤكداً حين تجتمع كل هذه العوامل في ذاكرة الشعوب فإن ثراء العطاء وفلسفته التي تفرز خلاصة المثل بحكمة بالغة في قليل من الكلمات المختصرة لمعاني واسعة، وهي حكم الشعوب ومرآة الأمم في كافة بقاع المعمورة، فهي تعكس مفهوم وأحاسيس الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية، وهي المتنفس والمعبر بصدق عن أحاسيس وهموم الناس، فكل مثل يعبر عن قصة أو حدث وقع في وقته، وقد تكون معايير أخلاقية يضعها عقلاء القوم ويتبادلون قولها في مجالسهم، لتكون منهجا أخلاقياً يتناقلها الخلف عن السلف جيلا بعد جيل بفرحها وآلامها ، فأصبحت بعفويتها وبساطة قولها تعبر عن تجارب وخبرات السلف وما تحمله الأجيال المتعاقبة من تراث يتناقلها الناس شفاهية أو كتابة، وقد يعتبرها البعض بأنها حكمة الشعوب، أو وثيقة تراثية واجتماعية نشأت من السلف وتداولها الخلف.

ويؤكد أن هذه الأمثال بمثابة حكمٍ شعبية شفهية قد تكون مجهولة القائل ، ولكنها في نفس الوقت واسعة الانتشار بين الناس ويعود سر ذيوعها وانتشارها بهذا الشكل إلى عدة خصائص منها الأصالة والعفوية بالقول ، والأمثال المعروفة في بلاد الشام هي قديمة الجذور مع أنها ليست بلفظها الفصيح، وإنما طرأ عليها بعض التعديل والتحريف في معانيها ولفظها بسبب الحملات العسكرية والاختلاط بشعوب أخرى مما نتج عنها الابتعاد بعض الشيء عن أصلها العربي وبسبب البعد الزمني.

ويشير إلى أن الأمثال الشعبية الأردنية قد تخترق حاجزي الزمان والمكان، وقد يكون لها القدرة للوصول إلى قلوب الناس وفكرهم بسرعة بسبب قصر الجملة ومعناها، وسهولة لفظها، ويظهر المثل الشعبي بتنظيم عفوي تفرزه الوقائع والأحداث في وقتها والذي يتطلب براعة نادرة، وسرعة البديهة لإحداث تأثير فعال في المستمع، وقد يكون حكمة يأخذ بها، حيث يصاغ المثل بمناسبة أو حدث ما، وهي المتنفس والمعبر عن خلجات ما في داخل أروقة صدورهم من هموم ، كما أنها تعبر عن معايير اجتماعية وأخلاقية ، يتبادل قولها العقلاء والحكماء في مجالسهم ، تعبيراً عن سلوك ممير بأخلاقية عالية تمثل أحداث السلف ليتناولها الخلف.

ويخلص ملحم إلى أن الأمثال هي بالحقيقة من القنوات المهمة في تراثنا العربي الأصيل ونتاج أمة واكبت الكثير من تقلبات الزمن وتعدد فيها الإبداع بكل المجالات، إنها واقع فكري يجرد الواقع إلى شيء ظاهر المضمون من خلال مقولة مختصرة، وهي من أفضل الوسائل التعبيرية عن حياة الإنسان وأمنياته، وعاداته، وتقاليده، وأفعاله، وغيرها، بجمل مختصرة جداً، تصل إلى المتلقي بفهم وتحليل سريع مهما كانت ثقافته وواقعه الاجتماعي، كونها جزءاً من التراث الشعبي، ويمكن القول بأن حجم القدرة والوعي في المعرفة والتوسع في سرد قصص وحكايات الأمثال بين الحقيقة والخيال إنما تجسد عقلانية ومقدرة الكاتب ملحم وحرصه على توثيق هذا المخزون الرائع من التراث مستدركاً فوات الزمان عليها، والقيم العظيمة التي يمتلكها التراث الأردني.