إيمان الزيات *

تململت بطلة القصة في وقفتها التي طالت، وراحت تعبث ببعض وريقات الشجرة الخريفية المتساقطة فوق السطر التاسع من سطور الصفحة (41) وتنفخ فيها لعلها تنتقل من سطر لآخر على سبيل التغيير، لكن الوريقات ارتفعت ثم سقطت في مكانها المعتاد تماماً قبل النقطة.

لمّا طالت وقفتها الوحيدة في تلك الصفحة، راحت تفكر في أول الكتاب وكيف كان البطل يرافقها من سطر إلى سطر ويلاحق اسمه اسمها من دون فاصلة واحدة حتى، وراحت تطرب لسماع ذكرى ضحكاتها المجلجلة، ووقع أقدامها القافزة منه وهو يجري وراءها ليلحق بها، فسمعت صوت تكسُّر الأعواد الجافة بعد كل قفزة، وتراءت لها دوائر الماء المتسعة الواحدة تلو الأخرى كحضن لا يتوقف عن العطاء إن لمسته، ولقطات متتالية من كل مشهد رأته كلما نظرت خلفها لتقيس المسافة بينها وبينه، رائحة ياسمين تشمها كلما تعمقت في الذكرى، ورفرفات طيور تنبئ عن مكانها كلما دخلت لتختبئ منه بين الأشجار.

لو كانت تعلم أن صاحب القصة سيرمي ببطل قصتها بعيداً إلى النهاية ويتركها حبيسة صفحة وحيدة وأخيرة لا تستطيع الخروج منها لما بعدها، ولا تستطيع أبداً اللحاق به، ماكانت أبداً لتضيع الوقت في الاختباء، ولتعمدت الوقوع في مشهد الملاحقة حتى يستطيع الإمساك بها.

لم تعرف حتى الآن سبب خلو الصفحات التالية منه ولا سبب ظهوره المنفرد في النهاية!

تلك القصة ليس بها حبكة متقنة، ومبرر الكاتب ليس منطقياً على الإطلاق، حتى إنها «البطلة» ولا تعرف لمَ ابتعدت عن «البطل»، وبارزت اقترابه بسطور طويلة مملّة وبلا أمل امتدت من الصفحة (60) وحتى المقطع الأخير من الصفحة (70)!

شعرت بغصّة وحاولت البكاء، فتذكرت أنه ليس من رفاهيات وجودها، فهذا ليس مكتوباً في النص. تدفع نصف عمرها لمن يمنحها حرية إسقاط دمعة واحدة الآن، والنصف المتبقي لمن يثقب الصفحات لها حتى تصل إليه، لتتحول أحداث تلك القصة الدراماتيكية في آخر لحظة تحولاً غير متوقَّع فتصبح عظيمة. أملها الوحيد الآن في أن يقرر الكاتب أن يجمعهما في أول صفحة من الجزء الثاني.

* كاتبة مصرية