إشراف بن مراد المساعفة *

تبوح الكاتبة الفلسطينية صابرين فرعون في روايتها «أثلام ملغومة بالورد»، بحكايات ما وراء الأبواب العالية والجدران المتصدعة، وتفصح عن آثار الوجع ليس فقط المرتبط بذات المرأة وإنما بالمجتمع بأسره بفعل ما يعانيه من عُقد وفساد وازدواجية تجعله يُشرِّع الظلم والاضطهاد ويبيحه باسم العادات والتقاليد والأعراف.

تهدي الكاتبة روايتها الصادرة عن «فضاءات للنشر والتوزيع» بعمّان (2017) إلى النساء، عنوان الصبر والحياة، فتقول: «إلى شجرةٍ رفضت الانحناء لفأس الذكورة، ومنحت أصابعها النقش على التراب: مغروسةٌ أوتادنا في الماء والهواء والنار والتراب، لا نخلع أسماءنا إلا لتلد أرحامنا العمار».. وكأنها بهذا الإهداء تضع قارئها في قلب نصها وتُطلعه على قضيته ليعيش مع أبطالها أحداثاً تتطور من الشدّة إلى الأشد في نَفَسٍ تصاعدي واضح يجعل وتيرة الأزمة تزداد حدة كلما تقدّم في القراءة.

وهي بذلك تزيح النقاب تدريجياً عما يعيشه المجتمع الفلسطيني من وجوه مختلفة للمعاناة المتعلقة أيضاً بالفساد وأثر الاحتلال على كل ما هو يومي، بالإضافة إلى نظرة المجتمع التقليدي للمرأة، في مراوحة بليغة بين الوطن والمرأة، فكلاهما يعاني من سلطة ظالمة ويرفض الانحناء، فكيف إذا كان الوطن فلسطين.

ولئن ارتبطت شخصيات الرواية بالمجتمع الفلسطيني كإطار جغرافي وإجتماعي وثقافي، فإنها تتجاوزه إلى فضاء عربي أرحب لتسلّط الكاتبة الضوء على جبروت الرجل، وقهر المرأة للمرأة، والعنف الأسري لفظياً كان أم جسدياً، والزواج، والطلاق، وأثر توتر الأجواء داخل العائلة على نفسية الطفل وتوازن شخصيته، فتصبح كلمة «بابا» في الرواية مرادفة لما هو وحشي. إذ تتنصل منها «الابنة» كما تتنصل من تهمة لم تقترفها، فكأنها تريد أن تمحو أيّ علاقة مع أبيها.

وتتحدث الرواية عن الفساد الإداري الذي يجعل الضعيف يزداد ضعفاً، والقوي يزداد قوة وتغطرساً.. بالإضافة إلى تأثير الاحتلال الذي حوّل الوطن إلى سجن كبير فقسمه إلى مناطق تماماً كما تقسم لوحة الشطرنج.

تبدأ الرواية بحوار قد يكون عادياً أو روتينياً بين أم وابنتها، وفيه تحثّ الأم ابنتها على الإقبال على الحياة كما تراها هي، فعادة ما ترى الأمهات سعادة بناتهن في الزواج وتحثهن عليه، وهو إرث ثقافي إجتماعي عربي مشترك ما زال يلقي بظلاله على جيل اليوم، لكن الابنة لها أفكارها واهتماماتها المختلفة.

والأهم من ذلك أنّ القارئ يشعر باقتراب الكاتبة من بطلتها وكأنها تتمثلها لتفتح، بما دار بين الأم وابنتها، نافذةً على أبرز القضايا التي يعيشها المشهد الثقافي والإجتماعي العربي، فأيّ مكانة للكاتب وأيّ منفعة؟ فها هي تتساءل على لسان الأم: «هل قبضتِ ثمنّ أيّ كتاب ألّفْتِه؟».. ولا تطيل صابرين فرعون المكوث في شخصية الكاتبة لتنتقل بقارئها إلى حكاية جديدة تكون جوهر سردها، فها هي تتدرج بقارئها من إطار تمهيدي إلى آخر أكثر قرباً من عمق المجتمع الفلسطيني.

وبدا واضحاً أن الكاتبة متمكنة من نصها، فجاء وصفها سلساً قوياً قريباً من ذات القارئ وكأنها أرادت أن ترسم له من خلال روايتها طريقاً جديداً لم يتعود عليه، تحمله فيه إلى فلسطين، إلى تلك الأحياء الشعبية المليئة بالقصص والحكايات، فتطلعه على تفاصيل الحياة التي لا يعرفها والتي قد لا تتناولها نشرات الأخبار اليومية. وهي لا تغفل أن ترسخ قدم قارئها في أرض فلسطين العربية، فتنقله إلى القدس بأبوابها الشامخة وأزقتها العامرة والمسجد الأقصى، تقول على لسان بطلتها: «في نهاية التسعينيات، كنت أغافل دهشتي كلما زرت مدينتي، أتابع الفلاحات اللواتي يأتين من قطاف الخضروات والفواكه، ثم أنزل وأخواي درجات باب العامود بسرعة بحثاً عن العربة التي يبيع صاحبها حلوى السمسمية، نشتريها خشنةً بالمكسرات المحمصة الطازجة أو الناعمة اللزجة ونتقاسمها فيما بيننا».

وتنتقد فرعون ما يتوارثه المجتمع الفلسطيني والعربي من أفكار وتمثلات إزاء المرأة، فهو ما زال يُنصِب الرجل ملكاً للبيت بكل ما فيه من الحجر والأثاث والبشر، ويشمل ذلك المرأةَ زوجةً وأختاً وابنة، فهو المتحكم بها، ويحق له أن يفعل ما يشاء في الوقت الذي تطالب فيه المرأة بالطاعة العمياء لتعيش بسلام، فهي تنتقل من بيت عائلتها إلى بيت زوجها كما تنتقل من سجن إلى آخر.

ولا تتردد الكاتبة في توجيه مشرط النقد إلى المرأة نفسها ودورها في توريث هذه النظرة الاستعلائية، إذ هي مصدر التربية الأول الذي يغذي المجتمع بالأفكار والتمثلات، ويتضح ذلك من خلال تحليل شخصية الجدة، والتي تبيح لابنها أن يكون متسلطاً على الرغم من طيبتها.

قد يتخيل القارئ للوهلة الأولى أن الرواية تتناول المرأة بوصفها ضعيفة وسلبية لكن المتتبع لشخصياتها النسائية يلاحظ ما يتحلّين به من قوة وصبر ورغبة في التحدي والتغيير، وهو نَفَس إيجابي سعت فرعون الى إبرازه منذ العنوان، فأثلامها ملغومة بالورد، لتُحيي بذلك أنموذج المرأة القوية المعطاءة المفعمة بالحياة رغم انكساراتها، المؤمنة بقدرتها على الخروج من عباءة سلطة الدكتاتورية، ذكورية كانت أم مجتمعية.

• كاتبة تونسية تقيم في قطر