رحاب أبو هوشر

ذهب الجنون الإنساني، الجميل والنبيل، من فضاءات الحياة. توارى تدريجياً حتى تلاشى. الشوارع آلت منازلَ للمشردين والمتسولين، تصاحب الغرباء العابرين، وصغار اللصوص والنشالين والمدمنين، ليرتع فيها ما يزيد الحياة كمداً وعبوساً، ومنازلنا لا تقبل إلا من ترى فيهم حكماء وعقلاء متزنين، وعلى الأقل من يحسنون التواطؤ مع شروطها. الشوارع والمنازل أقفرت من المجانين.

كان ثمة مجانين مهمتهم كسر صقيع «التعقُّل»، وفضح زيفه وهشاشته. مجانين ملتاعون بآلامهم وآلام محيطهم، بلوثاتهم التي لا تحجب العقل، إلا لتُكثّفه ومضاتٍ صاعقة، فيجن وينفلت من العادي والمقبول والموروث والمألوف، وتفعل فعل سكين، تكشط بها عن وجوه الناس قشرةَ الخوف والإنكار السميكة. كانوا يملأون زوايا الحياة ويرشقونها بانفلاتات أذهانهم المتقدة، يؤنسون العتمة بأفكارهم وأسئلتهم «الغريبة»، الاستثنائية والصادمة والثقيلة، مثل كرات مشعة مباغتة، تلقى في عتمة هامدة، لتمنحها احتمالات الضوء، وأمل الخروج من الحلكة، وتزيح عن الكواهل عبء الصمت وإتقان الامتثال.

المجانين، في الهامش الاجتماعي القصيّ، عصيّون على القيود والضوابط، ولأنهم كذلك، كانوا دائماً ضميراً جمعياً حراً، تجاه القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية. ضميراً يريح الضمائر المستترة خلف حجب الممنوع والمرهوب. أين ذهبوا؟ مَن قتلهم؟ أليس هناك مجنون واحد يقشر صدأ الشوارع والمنازل؟ يهز هذا الجسد العربي الذي يلعق الدماء عن جسده، دون أن يدرك أنه ينزف، أو يهتدي لما يضمد جراحه. مجنون يذري تراباً في عيون شاخصة، لكنها لم تعد ترى، كأنها مُقَلٌ من زجاج ضرير.

أين اختفى الجنون والمجانين الطيبون؟ البهاليل الزاهدون الهائمون، الذين لم تكن قرية عربية تخلو من أحدهم، وتتخذ من كلماتهم القليلة الساهية إشارات تنذر أو تبشر، حتى إنهم مثّلوا ثيمة رمزية في معظم أفلام الواقعية الكلاسيكية العربية، للضمير الجمعي النقي، وبوصلة للحرية والعدالة ومحاربة الظلم. كم بقي من الدراويش «المجاذيب» في زواياهم الصوفية، من كرسوا حياتهم لجنون صعودهم في العشق الإلهي. حتى المدن أقفرت من مجانينها الاستثنائيين. مجانين شكّلوا ملمحاً بارزاً لتلك المدن، حيث كانوا الوحيدين في شوارعها المقموعة، من يجرؤون على إعلان آرائهم السياسية، وإدهاش الناس بنقاشات في الفلسفة والأدب والفنون. يفاجئون المارّين بغزارة معرفتهم وعبقرية أفكارهم، يضحكونهم ويبكونهم، ويثيرون حيرة وارتباك العائدين لمنازلهم العاقلة، يثيرون خوفهم أكثر، وهم يكشفون ويعرّون من دون تجميل أو تجمل. كيف تمكنت آلة التدجين الرهيبة، من تهذيب ذلك الجنون البهي، وإدخاله قفص التلاؤم والتكيف، بل واجتراح مصطلحات عن عقلانية لا عقل لها، وواقعية تنْكِر الواقع وتزيف حقيقته؟!

الحب ما عاد حباً بعدما استُئصل الجنون من رؤوس العشاق. خمدت أرواحهم، تأطرت وتعقلنت، وفقد الحب جوهره الحر، وتحول إلى معادلات للجمع والطرح والقسمة. ماتت ليلى ومجنونها العاشق منذ قرون طويلة، وأيّ احتمال لقيس وليلى معاصرين، يستدعي السخرية والرثاء من مجتمعات اهترأت تعقلاً، فلا يعشق خارج القوانين والمعادلات إلا مجنون!

مفردة الجنون نفسها التي شاعت ثقافياً في عقود سابقة، بوصفها تعبيراً إيجابياً عن التمرد، واستخدمت ثيمة للتحرر من القوالب الاجتماعية والثقافية والسياسية التقليدية، حتى تحولت في سنين ماضية إلى «كليشيه» إبداعي ونضالي، لا نكاد نعثر عليها اليوم، رغم امتداد هذا النموذج الثقافي والنقدي من الجنون والمجانين في التاريخ العربي الإسلامي، وما كان له من دور في مجابهة السلطة المستبدة. في كتاب «خطاب الجنون»، يورد الباحث السوري محمد حيان السمان ما خاطب به «سعدون المجنون» الخليفةَ المتوكل العباسي: «يا مَن احتوى على أموال الضعفة بظلمه، غداً تبلى سرائرك بين يدَيّ من لا تخفى عليه السرائر»!

كيف أصبح الجنون نفسه مدجّنَ المضمون، والمجانين تروضهم المصحّات العقلية بجرعات الأدوية والصدمات الكهربائية والحجر المهين. تقضي على التماعاتهم المنفلتة من عقال «التعقل»، وتخفيهم خلف الأسوار، حتى لا تظهر فيهم ومن خلالهم عورات المجتمع، عقله وثقافته وضميره. وكأن ثمة اتفاقاً مؤسسياً على محاصرة مصطلح «الجنون» النقدي التاريخي، وتخليق صياغة وحيدة له في إطار مفهوم «التخلف العقلي»، فيجرَّد من معانيه إلا معنى الدماغ التالف المتعطل إدراكه وتفكيره، وبالمحصلة ما يفقد المرء الأهلية، ويخرجه من دائرة المسؤولية، فيفقد كلامه وأفعاله أيّ مدلول أو أثر أو قيمة لدى الآخرين، ومن ثم ليبيح التنكيل بأولئك المجانين، المخالفين للنظام العام، بعزلهم في مصحّات كالسجون، لإبعاد ما يمثله سلوكهم الخارج على سلطة النظام العام، من خطر يهدد تماسك تلك السلطة واستمرارها.

تلاشت مساحة الجنون النبيل، لكن الجنون لم يَتلاشَ، بقيت لنا منه حصة استولى عليها مجانين القتل والموت، والإنشاد في بلادنا للدماء وتدمير البلاد وتمزيقها. مجانين يظنون أنهم مجاذيب «الله» الأنقياء، أو بهاليل انكشفت أمام عيونهم الرؤى والحقائق الكلية، لكن البهاليل كانوا ينشدون من أجل الحياة وخير إنسانها، ويدقّون بشطحاتهم أبواب الظلم حتى يبقى للعدالة متسع في الدنيا، أما هؤلاء فليسوا إلا مجانين بالمفهوم الطبي التقني. إنهم متخلّفون عقلياً وإنسانياً، وضميرهم مصاب بعطب ملازم لعطب عقولهم، وهم خطر كبير دون أي التباس، على الحاضر والمستقبل، وعلى العقل الحر والمجنون.