عمان - الرأي

قال الفنان التشكيلي والناقد محمد العامري ان انتشار سياقات اللوحة الغربية في العالم العربي عبر رحلات المستشرقين، شكلت عبرها ذاكرة يشوبها التشويه للذاكرة الأم، وأصبحت جزءً من مرجعيات المبدع العربي.

وتطرق العامري في محاضرة ادارها الدكتور احمد ماضي برابطة الكتاب الأردنيين بالتعاون مع «تعلم واعلم»للأبحاث والدراسات ، الى مسالة العودة للتراث الحضاري العربي والإسلامي التي جاءت كردة فعل أقرب إلى الانفعالية كجزء من الاستعانة بالماضي وأدواته المعرفية للدفاع عن وجود بين الهويات الأخرى، بل أصبحت جزءا أساسيا من آليات الدفاع عن الأمة وموروثها الراسخ، فكانت الاجتراحات في بداياتها تدور في أفق الموروث العريض دون الجرأة على تجاوزه والاستفادة منه بصورة حيوية بل يكاد يكون نسخا للماضي، إلى أن تغيرت المسارات الإبداعية عبر الاحتكاك بالغرب والاستعانة بأدوات جديدة تتضمن عناصر الماضي كمغذٍ لهذه المرحلة.

وأضاف أن المستشرقين كان لهم أكبر الأثر في تدريب بعض الموهوبين العرب، فسادت اللوحة المسندية المتعارف عليها في الغرب والتي لا تنتمي إلى طبيعة الرقاع الخطوطية وسياقاتها الزمكانية، فظهر مجموعة من الفنانين العرب الذين درسوا الفنون في المدارس الغربية، محاولين في تجاربهم الجديدة ومن باب الحس القومي والعروبي والخصوصية أن يقدموا اجتراحات جديدة تتكئ على المنجز الغربي بروح عربية وشرقية.

وبيّن العامري ان الإبداع هو سياق طبيعي في تعميق الهوية والدفاع عنها بطرائق جمالية محمولة بخطاب تمييز الهوية وعواطفها الاجتماعية والتاريخية، وكثير من الأحيان جاءت كردة فعل على المحو والإبادة، والانتصار لوجود ما بين المجتمعات الأخرى، بوصفها موقفا متكاملا ومحمولا بتاريخ وحضارة بعيدين، مشيرا الى ان مواجهة الإبادة والمحو يحتاجان إلى أدوات معرفية وإبداعية قوية للحفاظ على قوام الهوية وروحها، الأمر الذي يدعو لضرورات التخطيط الاستراتيجي في الحفاظ على الهوية الحيوية بعيدا عن السكونية والارتكاس لماضيها القائم في الذاكرة والكتب.

واعتبر المحاضر ان الهوية في الغالب لا تكتسب سلميا بل تطرح نفسها بمواجهة الإبادة من قبل هوية أخرى، تلك المواجهة التي تؤسس لحوافز الاحتفاظ بمكونات وطرائق إشاعتها بين الناس والجماعات لتصبح المميز الأساسي لهذا المجتمع أو ذاك، لافتا الى إن العودة إلى التراث التاريخي وإعادة صياغته بصورة جديدة تتواكب مع طبيعة الوسائط الجديدة التي شكلت ظاهرة في الإبداع كجزء من الدفاع عن الوجود العربي الإنساني تجاه تغول الدول الكبرى في مدّها الثقافي الهائل والذي شكّل تهديدا مباشرا لثقافات الأمم الأخرى.