في عام 2012 كنت اعمل مع طيار مدني متقاعد من الولايات المتحدة الاميركية ,يعمل في احدى الشركات الدفاعية وارتبطت معه بصداقه عمل وعلى الرغم من ان الرجل في السبعينات من العمر الا انه يحتفظ بمظهر شاب وثقافة واسعة وبخاصة في موضوع الاديان فهو يحمل الدكتوراه في اللاهوت و جاءني ذات يوم وقال اريد ان ازور موطن اجدادي واقاربي..واريد منك ان ترافقني لنذهب معا الى قلعة الكرك.... والحقيقة انه لغاية تلك اللحظة كنت قد زرت اغلب الاماكن الاثرية والقلاع ولكني لم اصل الى قلعة الكرك ولم ادخلها وكنت اظنها كمن نسميهن قصوراً ولا تجد الا حيطان باهته آيلة للسقوط.

في الطريق الى الكرك.. حدثني عن التاريخ والذي لا نعرفه كثيرا.. عن اجداده من فرسان المعبد والقادمين من فرنسا وعندما جاءوا مع الصليبيين واستوطنوا البلاد ومنها الكرك وكانت مهمتهم الأصلية هي حراسة الحجيج المسيحيين وذاع صيتهم في كل اوروبا حيث كانت بداية نشأتهم زاهدة ولكنها فسدت مع الزمن حتى قضى عليهم الاوروبيون انفسهم لاحقا بعد تجبرهم على الاخرين.

واستلم قائدهم ارناؤوط (رينالد) الكرك والشوبك والذي يعتبره صديقي بانه احد اجداده وكانت لنا مواقف متعارضة فانا من المعجبين بصلاح الدين وهو يحترم صلاح الدين بنفس درجة رينالد وانا من المغرمين بفيلم مملكة السماء(Kingdom of Heaven) وهو يشكك في رواية الفيلم وبخاصة فيما يتعلق بمهاجمة رينالد لقافلة حجيج وبها أخت صلاح الدين وان القصة الحقيقية هي غير ذلك فبالنسبة له ان الطوائف المسيحية الاخرى هي من شوهت سمعة رينالد.. ففارس المعبد لم يكن ليؤذي اخت القائد المحبوب صلاح الدين والذي كانت له علاقاته وسمعته الطيبة في صفوف الصليبيين ونحن لنا رواية مستندة على روايات غربية بقيام رينالد بمهاجمة قوافل الحجاج المسلمين وسلبها وعدم احترامه للمواثيق الموقعة بينه وبين صلاح الدين والذي أقسم بانه سيقتله بيده ان ظفربه.

عندما تدخل القلعة.. تشعر بان هناك تاريخاً يتحرك وتكاد ترى الصليبيين وهم يقاتلون معركتهم الاخيرة وتنظر للأسفل وترى القرى الوادعة بأسفل القلعة تصحو من غفوتها على انغام موسيقى وداعية حزينة يتلوها احد فرسان القلعة و تشاهد غروب حقبة وبزوغ نور شمس جديدة يسطع من القلعة ويشير نحو القدس فهي المبتغى والهدف المنشود وأما غيرها فهي محطات واهداف ثانوية لا بد تحقيقها قبل ابتغاء النهاية المرجوة نحو هدية السماء للأرض.. مدينة الحب والسلام والتي لم تعرف السلام ولن تعرفه الا بعد معانقة المسيح للأرض المباركة وتشعر اثناء سيرك في متاهات القلعة بانك تسمع ترانيم فيروز وهي تشدو للنصر الاتي.

صلاح الدين ليس قائداً عادياً وفكره يضعه في قمة قادة التاريخ العسكريين العظام.. صلاح الدين عرف قيمة المكان وقيمة المرحلة وحدد مركز الثقل للصليبيين بدقة وسار وحقق كل النقاط الحاسمة ومنها توحيد مصر والشام بعد القضاء على الدولة الفاطمية ومن ثم لا بد له من نصرة من الاردن.. فهم الافضل في القتال وهم من يستطيعون الاستمرار والصمود للنهاية لانهم الاقرب لمآذن وكنائس القدس.. من هنا من القلعة تشعر بنشوة النصر وترى بداية النهاية لكل من استوطن في الضفة الاخرى.. وتشعر بان القلعة الشماء تمنح اهلها من سماتها رفعة في الخلق واستصغارا للمصاعب واستهوانا بالموت وعدم فجور في الخصام... وتكاد تسمع طبول الحرب وقد دقت نحو الارض المقدسة.. فهذا ما فعله صلاح الدين وهذا ما سيفعله نسله القادم من غبار التاريخ وبسيوف ترنو نحو الالق والحرية.

للقلعة بوصله واحدة... نحو الغرب ولها اتجاه واحد من جبال العراق والتي تتيه دلالا بشموخها راسمة العناد في الاعين وتنحت خشونة للمظهر وواهبة للرجال وعورة نحو الرجال و لين ولطف تجاه النساء.

القلعة زرعت حابس الذي عندما قاتل في اللطرون لم يكن يعرف بانه في احد الايام سيجبر على القتال حتى يبقى الوطن شامخا وانبتت خالد هجهوج والذي بصاكه (معطفه)وبساطته ارعب دروع اسرائيل وعلم مقاتلي تشرين كيف يتعاملون مع صاروخ التو الاميركي ( مفاجأة الحرب) واما سائد المعايطة فلم يرضَى بان تظل معشوقته أسيرة بيد حفنه من ارهابيين ولو ليوم واحد وارتضى غيره الموت واما هو فابتغى الحياة في عالم ابدي سرمدي في سبيل محبوبته قلعة الاردن وبداية حطين.

واما جد صديقي فهو الاسير الوحيد الذي لم يصفح عنه صلاح الدين وقتله بيده ثمنا لعدم احترامه لصرخة ِ إمرأة عربية.