يوسف بكّار

بدأت «أيقونة فلسطين» فدوى طوقان (1917-2003) تنظم الشعر السياسي والوطنيّ بعد عام النكبة 1948، والشعر المقاوم بعد هزيمة حزيران عام 1967، فكان لها غير جولة وصولة مع المؤسسات الصهيونيّة جرّاء شعرها المقاوم وقراءاتها الشعريّة السريّة في مدن الضفّة الغربية وقراها بعد الهزيمة النكراء (1)، حتى إنّ «موشيه دايان» وزير الدفاع في الكيان الصهيوني حينئذٍ، قال: «هذه فدوى طوقان تعمل ندوات شعريّة بالسرّ، وكلّ قصيدة تخلق عشرة فدائيين». أما صحفهم فشّهرت بها بعد قصيدتها «آهات أمام شبّاك التصاريح» (مجموعة «الليل والفرسان»). وممّا قالته «شاعرةٌ في القرن العشرين من آكلة لحوم البشر»، لأن فدوى تقول في قصيدتها:

«ألف هنْدٍ (2) تحت جلدي

جوعُ حقدي

فاغرٌ فاه، سوى أكبادهم لا

يُشْبِعُ الجوع الذي استوطن جلدي...

قتلوا الحبّ بأعماقي، أحالوا

في عروقي الدّم غِسْليناً وقارْ» (3).

وكانت الرقابة العسكريّة الإسرائيليّة تمنع نشر قصائد فدوى وتصادر مجموعاتها. وفي حوارها مع «فريدي زاخ» الحاكم العسكريّ لنابلس بعد الاحتلال، باستدعاءٍ منه، سألها: «ألا ترين أنه احتلال مريح؟»، فردّت عليه: «لن يشعر أنه احتلال مريح من يمرّ بتجربة الجسر وحدها حيث الإذلال والتعريّ من الملابس والسير حفاة بلا أحذية، ناهيك بمصادرة الكتب والمطبوعات الأخرى، والتعامل الفوقيّ المتغطرس» (4). من هنا انبجست قصيدة «آهات أمام شبّاك التصاريح».

وحين أصرّ «دايان» على أن يلتقي بها ووافقت، قال لها في اللقاء -في ما قال-: «أنت تكرهيننا.. لقد ترجموا لي أشعارك، ووجدتها مزعجة ومليئة بالحقد». غير أنّه لمّا عرف حقيقة موقفها، وأنها تكرههم محتلّين لا يهوداً، وتتفهم الذي عانوه في أوروبا وأن لهم الحقّ في عيش محترم ليس على حساب الفلسطينيين الذين يجب ألّا يدفعوا الثمن، وأنها عبّرت بعد الهزيمة والاحتلال عن مشاعرها تُجاه شعبها ووطنها حين رأت ما حل بها وما عليه عرب فلسطين المحتلة من حالٍ مزرية في يافا واللّد والرملة؛ لما عرف كل هذا منها وجهاً لوجه سكت، ثم قال: «أنا في الواقع لا ألومك، وأُقدّر موقفك، وأتمنى لو كان عندنا شعراء لوطننا من أمثالك» (5). أوَليس الفضل ما شهدت به الأعداء؟!

كان لفدوى دورٌ كبيرٌ مهمٌ وفاعلٌ في تصوير ما يقترفه المحتل الغاصب، وما زال، من أحداثٍ ومآسٍ في أرضنا المحتلة، حسبنا منها ما هو ذو عُلْقةٍ بالقدس الشريف مدار اهتمام جل بلدان العالم اليوم، التي ترفض القرار الأميركي الذي يعترف بالقدس عاصمةً للمحتلين. لقد عاشت فدوى النكبة والنكسة، وكانت شاهد عِيان على ما فعله المحتل بوطنها وناسه وبالقدس «وطن السّنى والشمس» كما تصفه. ها هي ذي نفسها تنبّه على أن القسم الأول من قصيدتها المعروفة «لن أبكي» (مجموعة «الليل والفرسان») كان حصاد وقفتها المتألمة في الأرض الحرام بين شطرَي القدس الشرقي والغربي، ووقفتها في يافا على ركام البيوت العربيّة وأنقاضها قبل زيارتها لحيفا بأيام (6) حيث التقت بشعراء المقاومة في 4/3/1968.

وجعلت فدوى قصائدها بعد «لن أبكي» تترى، ويكاد أكثرها يكون وثائق إدانة تاريخيّة لممارسات المحتل الغاصب دون أن تتخلّى عن الشعريّة وجماليات الشعر فيها (7).

اتخذت فدوى في قصيدتها «إلى السيد المسيح في عيده» (مجموعة «الليل والفرسان») من القدس نموذجاً تصوّر فيه حال المدن والقرى الفلسطينيّة وواقعها تحت نير الاحتلال، وما تقاسيه من إرهاب وبطش. لقد صوّرت القدس تصويراً كليّاً مجازيّاً انزياحيّاً تشخيصيّاً موشّىً برمز بسيط، وصوّرت بالمرارة نفسها والأسلوب عينه موقفَ العالم كلّه، آنذاك، من المأسآة بله المآسي. فأفراح القدس تصلب، وأجراسها تصمت وقِبابها حِداد، وهي تُجلد وتنزف في وادٍ والعالم قاطبةً في وادٍ آخر:

«يا سيّدُ يا مجد الأكوان

في عيدك تُصلَب هذا العام

أفراحُ القدس

صمتت في عيدك يا سيّدُ كلّ

الأجراس

من ألْفَي عام لم تصمت

في عيدك إلّا هذا العامْ

فقباب الأجراس حِدادٌ

وسوادٌ ملتفٌ بسواد

القدس على درب الآلامْ

تُجلَد تحت صليب المحنة

تنزف تحت يد الجلاّد

والعالمُ قلبٌ منغلقٌ

دون المأسآة

هذا اللا مكترث الجامد يا سيّدْ

انطفأت فيه عين الشمس فضَلّ

وتـاه

ولم يرفع في المحنة شمعة

لم يذرف حتى دمعةٍ تغسل في القدس الأحزان».

وأكملت الشاعرة الصورة باستدعاء تاريخيّ مهم، ففزعت إلى الإصحاح الثاني عشر من إنجيل مرقس، واستعارت قصّة «الكرّامين» الذين تآمروا على الوارث فقتلوه واغتصبوا «الكرْم» كما يفعل المحتلّون الآن:

«قتل الكرّامون الوارثَ يا سيّدُ

واغتصبوا الكرمْ

وخُطاةُ العالم ريّشَ فيهم طيرُ

الإثم

وانطلق يُدنّس طُهْر القدسْ

شيطانيّاً ملعوناً يمقته حتّى الشيطان».

ولمّا لم يكن لا لها ولا للقدس من حوْلٍ ولا قوّة، كما هي الحال الآن، توسّلت بدعائها إلى السيد المسيح، الذي يرتفع إليه أنين القدس، بأن يرفع عنها الغُمّة، ويصدّ كأس الاحتلال المرّة:

«يا سيّدُ يا مجد القدس

من بئر الأحزان، من الهُوّة، من

قاع الليْلْ

من قلب الويلْ

يرتفع إليك أنين القدس

رحماك أجِزْ يا سيّدُ عنها هذي الكأسْ!».

اللافت المهم هنا ما تذكره فدوى أنّه في لقاء لها مع صحيفة «جورنالي سيسيليا» الإيطاليّة قال لها المستعرب «ريتسيتاتو»: «أنتِ مسلمة، وقد كتبتِ بعد الاحتلال قصيدة (إلى السيد المسيح في عيده)»، وسألها: «لماذا إلى السيد المسيح؟»، فأجابت بذكاء ينمّ على إنسانيّة شمولية شفّافة: «أولاً، نحن المسلمين نؤمن بنبوة المسيح. ثانياً، كان السبب في كتابتها كون السيد المسيح أول فدائي شهيد فلسطينيّ» (8).

وأهدت فدوى قصيدتها «إلى الوجه الذي ضاع في التيه» (مجموعة «الليل والفرسان») إلى من رمزت له بـِ “J” دون أن تعرّف به، لكي تبثه ما يعتلج في صدرها من غصص وآلام بعد أن أصبح وطنها كلّه باباً لسقر:

«آهِ يا حبّي لماذا؟

وطني أصبح باباً لسقر؟!».

فأمّا القدس تحديداً، فيا لهول ما فعلوه بها، وهو ما صوّرته الشاعرة تصويراً يجمع بين الصور التشخيصيّة والانزياحات الأسلوبيّة والصور البيانيّة التشبيهيّة بسيطة المفردة ذات الدلالات العميقة جميعاً:

«الأسى يهطل، ليل القدس صمْتٌ

وقتام

حظروا التجوال، لا تَطْرق في

قلب المدينة

غير دقّات النّعال الدمويّة

تحتها تنكمش القدس كعذراء سبيّة

وعلى الساحة طائر

خرق السّهم جبينه

وعلى الأرض دخانٌ وحطام

شرفة المبنى، وطيْفان يطلّان على

ليل المدينة

كان في الركن حقيبة

وثياب وادّكارات في الأرض الحبيبة

كانت الزرقة في عينيه تمتدّ

بحيراتٍ حزينة

والأسى يطفح من شطآنها ملْحاً

وماء

كانت القدس هواه، حبَّه الصوفيّ كانت

ويقينه

وأنا أهذي وأهذي...

وأرى العالم تنّيناً خُرافيّاً

على باب بلادي

وأنادي: يا حبيبي

مَنْ يفكّ اللّغز، من يكشفُ

سرّ الكلمات؟!».

ولفدوى، قبل ذلك، قصيدة «أردنيّة فلسطينية في إنكلترا» في مجموعتها الرابعة «أمام الباب المغلق» أهدتها إلى “A. Gascoigne” دون أن تذكر من هو!، وكانت آنذاك في أكسفورد ببريطانيا، وهندستها في مقطعين:

الأول، سرديّ حواريّ بينها هي وبين آخر أجنبيّ حقيقي أو اعتباري لتأكيد ما وقر، وما زال، في نفس أكثر «الآخر» الغربيّ إنْ حقيقةً وإن جهلاً أو توهماً من أن القدس «يهوديّة»!، وهو ما يصرّ عليه المحتلون ورعاتهم وما وراءهم هذه الأيام، وينشطون جاهدين جادين لتحقيقه لا قدّر الله:

«-: طقسٌ كئيب

وسماؤنا أبداً ضبابيّةٌ

منْ أين؟ إسبانيةٌ؟

-: كلاّ!

أنا مِنْ ... من الأردن

-: عفواً من الأردن؟! لا أفهم

-: أنا من روابي القدسْ

وطن السّنى والشمسْ

- يا، يا، عرفتُ. إذن (يهودية)!

يا طعنة أهوت على كبدي

صمّاءَ وحشيّة».

والآخِر، إخباري تقريريّ خطابيّ مباشَر موجّه إلى محاورها تعرّفه بمن هي ومن أين، وتنهي إليه ما ابتُلي به وطنها وناسه الذين اقتُلعوا من جذورهم وبُعثروا أو ظلّوا غرباء حتى في وطنهم، في حين أنه هو -أو هم- لا يرون إلّا ما يُراد لهم أن يروا:

«تسأل عن سحابة؟

مرّت على جبيني

وظلّلتْ عينيَّ بالكآبة

وأنت يا جار الرّضى من فتّح الجراحْ؟

ذكّرتني

أنّي من الأرض التي تمزّقتْ

أني من القوم الذين

من الجذور اقتُلعوا، من الجذور

وأصبحوا على مدارج الرياح

مبعثرين ها هنا وها هنا

لا ينتمون

إلى وطن!

حقيقة فيها نغالط النفوس

ندّعي

أنا كباقي الآخرين

قوم لنا وطن

هيهات! كيف تعلمُ؟

هنا الضّباب والدخان في بلادكم

يلفلف الأشياءَ... يطمس الضّياءَ

فلا ترى العيونُ غير ما

يُراد للعيون أن تراه!».

(1) فدوى طوقان: الرحلة الأصعب 37 (سيرة ذاتية). دار الشروق، عمّان. ط1: 1993.

(2) هي هند بنت عتبة زوج أبي سفيان بن حرب وأمّ معاوية.

(3) الغسلين: ما يخرج من الثوب ونحوه بالغسل، وما يسيل من جلود أهل النار كالقيح وغيره. يقول تعالى «ولا طعام إلاّ من غسلين». القار: الزفت.

(4) الرحلة الأصعب، ص165-167.

(5) الرحلة الأصعب، ص39-42، ويوسف بكّار: حوارات فدوى طوقان، ص34-35. دار اليازوري، عمّان 2010.

(6) الرحلة الأصعب، ص20.

(7) راجع التفاصيل في: يوسف بكّار، فدوى طوقان: دراسة ومختارات. دار المناهل ودار العصر الحديث، بيروت، 2004.

(8) الرحلة الأصعب، ص157.