استوقف الراكب سيارة «تكسي» تلمع نظافة من الخارج، وبالتالي لم يستغرب تميزها بالنظافة من الداخل بمقاعدها وجوانبها وأرضيتها، وبسائقها من حيث ابتسامته ومظهره اللائق ولباسه الأنيق. هذه البيئة المريحة، غير المعتادة، شجعت الراكب على محادثة السائق بدءاً بالسؤال عن المدة الزمنية التي قضاها في مهنة السواقة، وعمّا إذا كان السائق مالكاً للسيارة. ولقد أجاب السائق بأنه لا يملك السيارة، بل يعمل سائقاً لها منذ حوالي عام واحد فقط، إذ كان قبل ذلك موظفاً لمدة تقارب عشر سنوات في إحدى شركات السياحة الوطنية. وكان مكلّفاً بإستقبال السوّاح في الفندق ليحدّد لكل منهم رقم غرفته في الفندق ويسلمه مفتاحها، بعد الحرص على ترتيب نقل حقائبه الى الغرفة ذاتها. وأردف السائق قائلاً أنه حصل على وظيفته هذه لأنه مؤهل جامعياً في تخصص إدارة الاعمال، وأنه يتقن اللغة الانكليزية لأن دراسته الجامعية كانت بهذه اللغة. كما بيّن السائق أن شركة السياحة قد أنهت خدمته منذ حوالي عام بسبب التراجع الذي أصاب الحركة السياحية في ظل الظروف الاقتصادية السائدة.

هذا، ومن خلال التطرق في المحادثة الى المردود الاقتصادي لمهنة السواقة، تبيّن أن «الضمان» اليومي السائد الذي يتقاضاه مالك السيارة قد ارتفع ليبلغ سبعة وعشرين ديناراً، وقد يصل الى ثلاثين ديناراً في حالة المركبة الجديدة نسبياً، وذلك لمدة ستة أيام أسبوعياً، أي بإستثناء يوم الجمعة الذي يُترك، في المعتاد، ريعه كاملاً للسائق. إلا أنه في حالة سائقنا الجامعي، أصرّ مالك السيارة على أن يتقاضى يوم الجمعة ضماناً مقداره عشرة دنانير. ولقد أفاد سائقنا أنه في إطار هذه الشروط التعاقدية، يضطر للعمل لساعات طويلة يومياً في ظروف صعبة من إزدحام السير طوال اليوم، ومرارة مزاج الركاب في بعض الاحيان، وذلك لتأمين تسديد قيمة الضمان اليومي وثمن المحروقات ليتبقى بعد ذلك ما يمثل الأجر اليومي للسائق.

وخلاصة القول فإنه، في إطار ما أوردنا في أعلاه من وصْفٍ للظروف الوظيفية لسائق مركبة الأجرة «التكسي»، فإنه يجدر بالجهات الرسمية المختصة أن تقوم بإجراء دراسة محدّثة تأخذ بعين الاعتبار جميع المتغيرات والعوامل ذات العلاقة بالطرفين. ومن هذه العوامل بالنسبة لمالك السيارة، ثمن السيارة، وكلفة صيانتها الدورية بما في ذلك أثمان قطع الغيار، والمدة الزمنية المعقولة والمقبولة لإسترداد المالك لثمن السيارة مع أخذ نسبة الاستهلاك بعين الاعتبار، وذلك بالاضافة الى مستوى المحافظة على السيارة. ومن العوامل المناظرة بالنسبة للسائق، كفاءة أدائه وسماته الشخصية،وعدد ساعات العمل المعقولة والمقبولة بما لا يعرض السائق الى الارهاق وزيادة احتمال وقوع حوادث السير، والأجر العادل الذي يضمن له ولأسرته الحد المقبول من العيش الكريم. وفي ضوء نتائج هذه الدراسة، يتم الحكم بالتوازن من عدمه فيما يتعلق بمسؤوليات وحقوق كل من الطرفين، مالك السيارة والسائق، وصولاً الى اتخاذ القرار العادل في هذا الشأن. ولعل مثل هذه الدراسة اصبحت ضرورية في سياق ما استجد مؤخراً من ترخيص لسيارات الأجرةالتي تُسْتَدعى بواسطة التواصل الالكتروني.