د.محمد بشير شريم*

عملية إصلاح القطاع الصحي مبادرة غير مسبوقة، تفرضها المتغيرات والتطورات العلمية والصحية والاقتصادية والاجتماعية بأبعادها السياسية. وهذه الخطوة الحضارية قرار حكومي أوكلت مهمة إنجازها إلى لجنة خاصة تم تشكيلها خلال هذا العام.

مشروع الإصلاح هذا يدل على الثقة بالنفس، ويؤكّد أنّ النظام الصحي في الأردن قوي فيه كبرياء وافتخار وأولوية، بل ويمتلك من المقدرة ما يمكّنه من التطور والتغيير والارتقاء، خصوصاً وهو قطاع ليس متحجراً عقلياً ولا متصلباً مهنياً، فضلاً عن أنّه ليس جامداً أخلاقياً، ببساطة لأنّه يؤمن بفلسفة الانسجام مع مستجدات العصر ومواكبتها، نحو امتلاك الطاقات العقلية القادرة على استشعار وقراءة المستقبل وصياغته أرقاماً وحقائق.

وإذا ما انطلقنا من أنّ الحقيقة العلمية تكشف العورات ومكامن الخلل، خصوصاً تلك التي لا خلاف على حاجتها للإصلاح، فإنّ موضوعية الطرح تطلب منا أن نبتعد عن (جلد الذات)، لتركّز على «جلد الأشواك وعمى الألوان» وغض الطرف ودفن الرؤوس في الرمال.

ومما يجدر ذكره في مجال الاصلاح أنّ الصحة ليست مسؤولية وزارة الصحة، فقط، بل هي مسؤولية المجتمع كلّه، كما أنّ المشكلة هي نتاج تراكمي، وليس نتاجاً مرحليّاً، في خضمّ التسارع الكبير لعنصر الزمن الذي يتطلب قراءة مستجداته ومواكبتها باستمرار.

إضافة إلى أهميّة صياغة برنامج أولويات المكون الأساسي للاستراتيجيات، وهو ضرورة وطنية مجتمعية ملزمة، محددة الأهداف، وموزعة الأدوار، وثابثة الجذور وشاملة تستند إلى الميدان، لكي لا تظلّ حبيسة الأدراج بمنأى عن التطبيق.

وهذا الطرح يقودنا إلى تقديم نماذج لهذه الطروحات كالتأمين الصحي الشامل المدروس نحو تغطية فئة غير المنتفعين من التأمين، الذين يشكلون 33% من السكان بحسب نتائج دراسات الإحصاءات العامة، كما وأنه لابد من ضرورة إصلاح الاهتمام الجاد بموضوع المساواة في التعامل مع مرضى المستشفيات الخاصة بغض النظر عن درجة الموظف أو المؤمن، دون أيّة تفرقة وضرورة التنسيق والتكامل بين القطاعات الصحية الذي يتطلب تفعيل حقيقي عملي للمجلس الصحي العالي، الكفيل بأن يقوم بهذه المهمة الوطنية .ومن القضايا المهمة ضرورة انتقال العمل النقابي إلى مرحلة تفعيل عملية (إشراك المجتمع)، وعدالة توزيع الخدمات نوعاً وكماً، وتطوير الكوادر الصحية وتدريبها والارتقاء بمستوى التخصصات، فمهما كانت درجة الصعوبة إلا أنّها لا تستعصي على الهمّة العالية والعزم الأكيد والنيّة الصافية.

ولنا أن نسأل حول هجرة الكفاءات والكوادر الصحيّة المؤهّلة، ولنا أن نقف أمام تسربها وحالة الغربة التي تعيشها، متسائلين عمن يسدّ فراغها، إذا ما علمنا أنّ النسب تشير إلى أنّ عدد مقاعد الطب في الجامعات الحكومية بلغت (10557)، قبلت هذا العام 1865 طالباً، ولدينا 10 آلاف طالب أردني يدرسون الطب خارج المملكة في 45 دولة، وهو ما يطرح سؤالاً في ظلّ هذه الأرقام، أمام بطالة الأطباء ونقص الكوادر الصحيّة وتقاعد الأطباء، وكلّ ذلك يشكّل معادلة متناقضة تحتاج تفكيكاً وحلاً موضوعياً وواقعياً، إضافة إلى إشكاليات لافتة منها هدر الأدوية والهدر في الإصلاح كمشكلة عتيقة، يضاف إليها ما نتحدث عنه من مواضيع السياحة العلاجية” هل هي سائحة أم عائدة؟!”، فضلاً عن مواضيع المسؤولية والأخطاء الطبية، التي نكون أمامها بين حدي التعبير والتغيير، وهل فعّلنا مبدأ “درهم وقاية خير من قنطار علاج؟!”.

هذا الإصلاح الجبلي حجماً والصخري نوعاً، يحتاج لجنة شاملة متفرغة جبلية صخرية أيضاً، تنبع منها أنهار ولجان إصلاح كل في مجاله، قد لا تكفيها سنة تتكون من 365 يوماً!.

*رئيس مؤسسة الصحّة للجميع