نايف سعود القاضي

منذ قيام المملكة الأردنية الهاشمية وإعلان الوحدة مع الضفة الغربية في فلسطين لم يدرك أحد حقيقة العلاقة التاريخية القومية والدينية التي تربط ما بين الأردن بقيادته الهاشمية وبين فلسطين والقدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين، ولم يقرأ أحد معنى هذه العلاقة التي تعود إلى ليلة الإسراء والمعراج التي تحققت بها إحدى معجزات الرسالة الإسلامية وجمعت بين الأرض المقدسة والأرض التي بارك الله حولها حتى هذه اللحظة.

لقد كانت الرسالة الأولى من قيام المملكة الأردنية الهاشمية هي إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أطماع الحركة الصهيونية التي أعلنت أهدافها في بازل السويسرية قبل أكثر من مئة عام مدعمة بقوة بريطانيا العظمى ووعد بلفور سيء الصيت.

ولما كان حب القدس وأهل فلسطين مغروس في نفوس الهاشميين فقد اندفعوا لمساندة أخوانهم أبناء فلسطين في الدفاع عن القدس والمقدسات وعن كل أرض فلسطين في حرب 1948 بكل ما يملكون من اعداد الرجال البواسل الذين ضمخوا أسوار القدس بدماء أبنائهم من أبطال الجيش العربي الأردني ومشاركتهم في ذلك بعض أبناء الأمة العربية من مصر والعراق وسوريا.

في تلك المرحلة صمد الأردنيون خلف قيادتهم الهاشمية موحدين من أبناء الضفتين على قاعدة الوفاء والولاء بالحفاظ على أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف واعتبار القدس العاصمة الثانية للمملكة الأردنية الهاشمية بضفتيها الشرقية والغربية رغم محاولات التشكيك والتخوين التي مارستها بعض الأطراف المختلفة لتفكيك المملكة والعبث بالوحدة الحقيقية التي قامت بين الشعبين الأردني والفلسطيني.

ولا أريد الإطالة في شرح بعض الحقائق عن هذه الوحدة التاريخية ولا تلك المحاولات الدنيئة التي بذلت من جهات متعددة لفكها خدمة لمصالح شخصية أو لأهداف وأطماع جهات إقليمية ودولية وأخرى محلية.

وفي ضوء الأحداث والتطورات التي حصلت هذا العام وأخطرها التحول الخطير في الموقف الأميركي من القدس والقضية الفلسطينية لا بد لي من التأكيد على ما يلي:

1- لم يكن الموقف الأميركي الذي أعلنه الرئيس ترامب مؤخراً مفاجأة غير متوقعة، ولكنه موقف مجمّد إعلامياً ويتم العمل بموجبه من قبل معظم الإدارات الأميركية المتعاقبة وجاء إعلان ترامب مبكراً هذه المرة نظراً للضغوط التي مارسها اللوبي الصهيوني سواء من جانب بعض رجالات البيت الأبيض الجدد أو من قبل المؤيدين لإسرائيل والمنتمين للحركة الصهيونية المسيحية، بالإضافة إلى الوعود الانتخابية التي أطلقها الرئيس ترمب في حملته الانتخابية.

2- والواقع أن الذين تفاجأوا بقرار الرئيس كانوا من أولئك الذين لم يتابعوا باهتمام تطور العلاقات الأميركية الإسرائيلية، ولم يميزوا بين ما كان قبل الإعلان وما حصل بعده والحقيقة بالنسبة لموضوع القدس والأردن وحده كان المتابع لتطورات الموقف الأمريكي منها، إن الأمر لم يتغير عليها بعد الإعلان فهي في قرارات مجلس الأمن والقرارات الدولية الأخرى هي ضمن الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 ولا يمكن لأحد أو أية جهة تغيير الوضع فيها إلا بعد مفاوضات تجري بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وفيما يتعلق بالوصاية على المسجد الأقصى والأماكن الإسلامية والمسيحية فيها فهي مسألة مستقرة منذ عهود وتوجت بموافقة السلطة الوطنية الفلسطينية على ذلك.

3- لقد سلك الأردنيون قيادة وشعباً في رد فعلهم على الإعلان الأميركي سلوكاً معتدلاً وحضارياً وربما كانوا في طليعة الشعوب العربية والإسلامية حشداً وتأييداً لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس وكان الموقف الشعبي والرسمي الأردني منسجمان في ذلك إلى أبعد الحدود دون مزايدة أو عنف، وكانت المسيرات والمظاهرات تتحرك بحرية وبحماية رجال الأمن.

4- لقد أصبح الأردنيون على يقين بأنهم الأقرب إلى القدس وإلى فلسطين وأنهم يلتقون مع أخوانهم أبناء شعب فلسطين في جهودهم للحفاظ على الحق الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وأن هذا الحق أبدي لا يمكن أن يلغى بقرار أو بإعلان من أحد.

وأن المطلوب وقد تبين الرشد من الغي هو وحدة الأردنيين بأصولهم وأطيافهم وفئاتهم المختلفة والتفافهم حول قيادتهم الهاشمية ورمزها الحكيم الشجاع الملك عبد الله الثاني بن الحسين وأن لا يسمحوا بعد اليوم لأحد بأن يشكك بموقفهم تجاه القضية الفلسطينية وبدورهم التاريخي تجاه القدس وفلسطين وسيقفوا صفاً واحداً لا يقبل التراجع أو المساومة أو المزايدة بهذا الخصوص وليعلموا أنهم ودون تفاخر شعب مميز لا مثيل له وعلى رأسهم قيادة حكيمة يشهد لها العالم بالحكمة والاعتدال والاحترام.

وأخيراً لا بد من القول بأن المطلوب من الأخوة قيادات وأبناء الشعب الفلسطيني أنه بالوحدة الفلسطينية فقط نستطيع معكم استرجاع حقوقكم وتحرير أرضكم وقدسكم وبدون ذلك لن نستطيع ولن تستطيعوا فعل شيء وأن وحدة الشعب والفصائل الفلسطينية كفيلة بتوحيد كلمة العرب والمسلمين مباشرة بعد ذلك ويكفينا فرقة وتشتتا ولنقف دون تردد جميعاً أمام من يحاول على الدوام تفتيت جمعنا وهزيمتنا.