نهلة الجمزاوي

مغارة الشموع من عجائب الطبيعة في القدس

تُعدّ مغارة الشموع تحفة طبيعية تحتضنها السفوح الغربية لجبال مدينة القدس، قرب وادٍ يدعى وادي سوريك، وهي كهف مليء بالأسرار وإبداعات الطبيعة، حيث الترسبات الصخرية التي صنعت لوحات بلورية جميلة أبهرت عيون الناظرين، ولذلك فهي وجهة للرحلات العائلية والمدرسية والجامعية..

وهناك مسميات مختلفة لهذه المغارة هي: مغارة سوريك نسبة إلى الوادي الذي اكتشفت بقربه، أو مغارة الشموع، أو المغارة الكريستالية، وكلها مُسميات مختلفة لسحر الطبيعة الذي خُصّت به مدينة القدس، مساحتها تصل الـى 5 آلاف متر مربع، تتشكل فيها العديد من اللوحات والرسومات بفعل الترسبات الصخرية ما يلبسها ثوب الغرابة والجمال.

ويوجد داخل المغارة العديد من الأشكال التي كونتها الترسبات الصخرية منها: أعمدة الشموع، والمرجانات، المرتبة بشكل إبدعته الطبيعة، تصنع أشكالاً ورسومات ولوحات متنوعة، تكسبها تميزًا قلّ نظيره في العالم أجمع.

يُحكى أن الشعبي

حكاية من الموروث الشعبي

يُحْكَى أنَّ سّلطاناً كان يحب الأذكياء،ويقرِّبهم إليه دائماً، ويسعد بمجالستهم واختبارهم بأسئلته الذكيَّة، كان في أحدالصباحات يتنزَّه مع وزيره في حديقة القصر الواسعة، فمرَّا ببحيرة رائعة تزيِّنهاتماثيل أسود يخرج الماء العذبُ من أفواهها بطريقةٍ مُعْجِبَةٍ وساحرة . شعر السّلطان بالعطش، وطلب من الوزير أن يسقيه شربة ماء .. فتناول الوزير طاسة فضية كانت على الحافة، وملأها، ثم سقى السّلطان، وأعاد الطاسة إلى مكانها . نظر السّلطان إلى الطاسة بعد أن استقرَّت في مكانها، ثم التفت إلى الوزير، وقال:

- أيّها الوزير ! لقد تكلَّمتِ الطاسةُ، فماذا قالت؟!

وجمَ الوزيرُ، وكساالتعجُّبُ ملامِحَهُ، ولم يدرِ بماذا يجيب .فالطَّاسة جماد، ولايمكن لها أن تتكلم، ولكن هل يجرؤ على قول هذا للملك؟!

ولمَّا طال صمتُ الوزير ووجومُهُ، صاحبه السّلطان:

- أُمْهِلُكَ ثلاثة أيام لتأتيني بما تفوَّهت بهِ الطاسة،وإلاَّ نالكَ منِّي عقابٌ قاسٍ!

عاد الوزير إلى بيته مهموماً حزيناً، ثمدخل غرفته، وأغلق على نفسه بابها، وراح يفكِّر ويفكِّر، ولكنه لم يهتدِ إلى حلٍّ أو جابٍ مقنعٍ، وراح يتساءل: (ترى ماذا يقصد السّلطان بسؤاله؟ .. هناك جوابٌ،ولاشك، يدور في خلده .. ولكن ما هو .

طالت خلوةُ الوزير في غرفته، فقلقت عليهِ ابنته الوحيدة ( قمر الزمان )، فاقتربت من باب الغرفة، ونقرت عليه بلطف، ثم استأذنت بالدخول، فأذن لها .

قالت ( قمر الزمان ) لأبيها:

- مضى عليكَ يومان وأنتَ معتكفٌ في غرفتكَ، وأرى الهمَّ واضحاً على وجهكَ، فماذا جرى ياأبي؟!

قال الوزير:

- حدثَ أمرٌ جَلَلٌ يا ابنتي ! .. لقد طرح عليَّ السّلطان سؤالاً صعباً ومستحيلاً، وامهلني ثلاثة أيام لأجيبه عليه، وإلاَّ عاقبني عقاباً قاسياً ! قالت ( قمر الزمان:وماهوالسؤال يا ابي؟

قال الوزير:سَقَيْتُهُ الماء في طاسة، ولمَّاأعدتُ الطَّاسةَ إلى مكانها، قال لي: لقد تكلَّمتِ الطَّاسةُ، فماذا قالت؟

ضحكتْ ( قمر الزمان )، وقالت: إنَّه سؤالٌ ذكيٌّ، وجوابُهُ يجب أن يكون ذكيَّاً أيضاً !

صاح الوزير بلهفة: وهل تعرفينَ الجوابَ يا ابنتي؟

قالت قمر الزمان:طبعاً .. فالطاَّسةُ قالتْ: صبرتُ على النَّار، وطَرْقِ المطارِقِ، وبعدها وصلتُ إلى المباسِمِ، ومامِنْ ظالمٍ إلاَّ سَيُبْلَى بِأظْلَم ! وعلى الفور، لبس الوزير ثيابه،وقصد مجلس السّلطان، ثم نقل إليه الجواب كما قالته له ابنته .

أُعجِبَ السّلطان بالجواب الذي كان أذكى من السؤال، ولكنَّه شكَّ في أن يكون الوزير هو الذي اهتدى إليه...

وفي صباح اليوم التالي، فاجأ السّلطان الوزيرَ قائلاً:

- أيُّها الوزير ! أريدك أن تأتي إلى مجلسي غداً لاراكِباً ولا ماشياً ..وإن فشلتَ،فإن عقابكَ سيكون قاسياً، وقاسياً جدَّاً !

صعق الوزير للطلب المُعْجِزِ،وانصرف من مجلس السّلطان مهموماً، وعندما وصل إلى بيته، استنجدَ بابنته ( قمرالزمان )، وحدَّثها عن طلب السّلطان، وطلبَ منها الحل .

ابتسمت قمر الزمان، وقالت لأبيها:

- وهذا أيضاً حَلُّهُ هَيِّنٌ يا أبي !

وفي صباح اليوم التالي، أَحْضَرَتْ (قمرُ الزمان) لأبيها دابَّةً صغيرةً، فركب عليها،وذهب إلى قصر السّلطان، وهو راكب على الدَّابةِ، وقدماه على الأرض. ذهلَ السّلطان لِحُسْنِ تصرُّفِ الوزيرِ ودَهاءِ حَلِّهِ، فأدناهُ منهُ، وهمسَ له:

- قُلْ لِي مَنْ يقولُ لكَ ذلكَ .. ولكَ الأمان !

قال الوزير:إنَّها ابنتي (قمر الزمان) يا مولاي !

قال السّلطان: أحضِرها لي في الحال !

ولما مثلت ( قمر الزمان ) بين يديِّ السّلطان، أعجبه جمالها، ولكنَّ ذلكَ لم يثنهِ عن اختبارها في سؤالٍ مُعْجِزٍ، تكون الإجابةُ عليهِ مستحيلة. قال السّلطان: - سأتزوَّجكِ الليلةَ ياقمر الزمان، وأريد كِأن تحملي منِّي في الفورِ، وأن تَلِدِي الليلةَ ولداً يكبرُ في ساعات، ويغدو في الصباحِ ملِكاً يجلس على عرشي !

ابتسمت ( قمر الزمان )، وقالت:أمركَ يامولاي !

واقتربت من النافذة المطلَّة على جزء كبير من الحديقة لازرعفيه، ثمَّ التفتتْ إلى السّلطان، وقالت:أريدُكَ يامولايَ أن تحرثَ هذه الأرض الليلة، وتزرعها الليلة، وتقطف الزرع الليلة، وآكل من ثمارها في الصَّباح !

ذهل السّلطان، ونهض صائحاً:هذا غير معقول !!

قالت (قمرالزمان:كيف تريدني إذن أن أُنْجِبَ لكَ ولداً الليلة، ويكبر في ساعات، ويغدو في الصباح ملكاً؟!

سُرَّ السّلطان من جواب (قمر الزمان)، ثمَّ عقدقِرانه عليها، وأصبحت ملكة إلى جواره، وعاشا معاً حياةً هانئةً سعيدة.