في العام 1966، تشرفت باختياري أول باحث في «مركز الأبحاث الفلسطيني» في بيروت. في تلك الفترة، اهتم «المركز» بدراسة حالة «الجهل بالقضية الفلسطينية» في أوساط جماهير وحكومات العالم الغربي.

مرت السنوات، وها نحن اليوم نلحظ نقطتين جوهريتين: الأولى، كون «فيروس» الجهل بالقضية الفلسطينية بدأ يصيب قطاعات متنامية من أبناء الأمتين العربية والإسلامية لأسباب سياسية عديدة منها إلغاء تدريس مقرر «القضية الفلسطينية» في الجامعات العربية، فيما باتت بعض الأوساط «العربية» الفاجرة تتحدث عن الكيان الصهيوني الغاصب بروح إيجابية وتهاجم الشعب الفلسطيني معتمدة على سلسلة من الأكاذيب لا تنطلي إلا على جاهل!

أما النقطة الثانية، فقد جاءت بالاتجاه المعاكس للأولى، حيث تزايد إدراك الأوساط الغربية (الجاهلة سابقا) لحقيقة القضية الفلسطينية. ومن الدلائل الأحدث على هذا اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة فجر الجمعة الماضية خمسة قرارات أكدت أغلبية ساحقة، على «حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير»، مع التركيز على إدانة الاستعمار/ «الاستيطان»، و»تسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية»، و»السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها شرق القدس، وللسكان العرب في الجولان السوري المحتل على مواردهم الطبيعية». وقد كان التطور الملفت وغير المسبوق أن دول الإتحاد الأوروبي جميعها صوتت لصالح هذه القرارات.

هذا التحول الإيجابي، غربيا، جاء في أعقاب النجاحات المتراكمة على مدى السنوات الطويلة الماضية بفضل جهود «لجان التضامن مع الشعب الفلسطيني»، والمتصاعدة لاحقا مع نشوء حركة مقاطعة الاحتلال الاسرائيلي حول العالم BDS (حركة المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات) التي نجحت باستقطاب آلاف مؤلفة من المؤيدين، وأثارت قدرا لا بأس به من الغضب والخوف معا في إسرائيل عقب تسببها بخسائر سياسية وإعلامية وأكاديمية ومعنوية واقتصادية مهمة للدولة الصهيونية. لذلك، وضعت حكومة اليمين المتطرف بزعامة (بنيامين نتنياهو) مخططا يهدف الى مواجهة فعالية المقاطعة، بعد أن فوجئت إسرائيل باتساع نطاقها، الأمر الذي دفعها لرصد ملايين الدولارات وتأسيس هيئات لمجابهة هذه «الحرب». ذلك أن سلاح المقاطعة، الذي باتت تستخف به بعض الأفواه العربية النشاز، هو تهديد مهم لمصالح إسرائيل، لأنه يتحدث للعالم بخطاب حقوقي وليس عاطفي.

في السياق، لا ننسى دور البرلمانات الغربية التي كشفت زيف ديموقراطية إسرائيل مع استمرار الاحتلال ومقارفاته، وأظهرت للعالم حقيقة ما يمارس ضد الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها البرلمان الأوروبي الذي أكد قبل أيام «أن الوقت قد حان لاعتراف الدول الأعضاء في الاتحاد بدولة فلسطين مستقلة على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية». كما طالب «البرلمان»، بمناسبة اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل إلى أن تلتزم «التزاما حقيقيا» باحترام حقوق الإنسان. كذلك، لا ننسى دور توالي اعترافات برلمانات العالم بفلسطين كدولة، علاوة على اعتراف 137 دولة من أصل 193 عضوا في الأمم المتحدة رسمياً بدولة فلسطين. كذلك، تأتي حالات الطرد الكثيرة التي يتعرض لها مسؤولون إسرائيليون في احتفالات ومؤتمرات دولية تبث على الهواء، لن يكون آخرها طرد الوفد الإسرائيلي من اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي، بعد موجة الاحتجاجات التي قوبل بها.

وفي السياق، أسهم قرار الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي التضييق على عمل المراكز الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلية التي ترصد جرائم الاحتلال، وتتلقى دعما من دول غربية ومؤسسات عالمية، أسهم في دعم الجهود الفلسطينية للفوز بالتأييد الغربي. وهذا القانون الإسرائيلي، الفاشي في أعين كثيرين من اليهود وغيرهم، قانون تمييزي. ففي الوقت الذي لا يطال فيه أيا من جمعيات اليمين الإسرائيلي المتطرف، فإنه يستهدف الجمعيات والمراكز الحقوقية والاجتماعية الإسرائيلية المناصرة لحقوق الانسان الفلسطيني في أراضي 48، وعلى رأسها منظمة «لنكسر الصمت»، التي ترصد شهادات وممارسات جنود الاحتلال بخصوص التنكيل بالفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنظمة «حاخامات من أجل حقوق الانسان»، وحركة «السلام الآن» التي ترصد الاستعمار/ «الاستيطان»، و»اللجنة الإسرائيلية ضد التعذيب»، وجمعية «حقوق المواطن الإسرائيلية»، ومنظمة «يش دين (يوجد قضاء)» التي تقدم مساعدات قضائية للفلسطينيين في الضفة. أما الملاحقة الأشد فقد كانت من نصيب مركز (المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة) «بتسيلم»، الذي يرصد جرائم الاحتلال ضد الفلسطينيين في الضفة والقدس والقطاع.

بعد طول خداع وتزوير صهيوني ومتصهين، وعى الغرب الحقيقة. هذا في الوقت الذي نرى فيه بعض الشاذين ممن يتحدثون لغة الضاد يروج إلى أن قضية فلسطين مسألة سياسية تهم الفلسطينيين دون سواهم من العرب والمسلمين! بل إن هؤلاء يمضون في درب انحطاطي قوامه أن القضية وشعبها تسببا في إيذاء مصالح العرب والمسلمين!!! لكن الأخطر هو ما يشتغل عليه البعض الجاهل من العرب والمسلمين اليوم، عبر الدفع بتغيير بوصلة الصراع القائم وتحويل الفلسطينيين إلى عدو في ظل عجز ويأس نفسي في عقول وصدور هذا البعض. غير أن إيماننا بأصالة الجماهير العربية والمسلمة، تجعلنا على يقين من استعادة التضامن العربي/ الإسلامي مع فلسطين، بالزخم ذاته وبالقوة نفسها التي سادت على مدى سنوات طوال شكلت «الزمن الجميل» عربيا وإسلاميا وعالمثالثيا، إضافة إلى ما نشهده من تحولات العالم الغربي.