رزان المجالي

خشيت على أنثوتها، تصدعت نفسها خيفة إزالة ثديها،أصابها الرعب من العلاج الكيماوي، فهرعت إلى مدع بقدرته على العلاج الشعبي، وحينما قام بتشخيصها، بدد مخاوفها قائلا:” إنه كيس دهني لا أكثر”.

وبدأت رحلة الجهل ،فأخذ يكويها في غير مكان من رأسها ،تتصاعد حدة الألم أكثر فأكثر مع الأيام،وهي تحتمل ألم النار وألم السرطان ،لكن المعالج الشعبي لم يتوقف عند هذا الحد من “جنون الجهل”،فأكال لها خلطة أعشاب ،تجهل مكوناتها،متحديا بأنها :”علاج نافع وستنشف الكيس الدهني “حسب تشخيصه و”ستوقف تمدده”.

تفاقمت حالتها سوءا ،فاضطرت العودة إلى الطريق الصحيح ،وهو الأخذ بعلاجات العلم الحديث ،لكنها جاءت متأخره ،فالسرطان في مرحلته الثالثة ،فاضطر الاطباء إلى إجراء عملية جراحية لها لازالة ثديها.

وتقول ام نايف:”لم أكن أعلم بانني استطيع إنقاذ نفسي ،كان ذهابي “للمعالج الشعبي”هروبا إلى أمل مكذوب ،لعله يجدي ،فكانت الطامة ،بعد أربعة شهور من العلاج بالوهم شعرت بكتلة في الثدي وبأن ثمة شيئاً يابساً”.

وتضيف أن :”المعالج الشعبي قال لها إن الكيس قد نشف، بالتالي تستطعين الذهاب إلى الطبيب لإزالته وأنت مطمئنة البال”،وتشير إلى :”أنني فوجئت حينها بأن تأخري عن الذهاب إلى الطبيب، سوف يضطرني إلى استئصال ثديي بالكامل، بدلاً من استئصال الورم فقط، مضاعفات كثيرة حدثت جرّاء انجراري وراء جهل المعالج الشعبي، وراحت تسوء حالتي أكثر”.

حال “أم نايف “لا يختلف عن حال عدد غير قليل من النساء اللواتي يعتقدن ان الطب الشعبي ،اكثر امانا من العلاج بأساليب الطب الحديثة ومن بينها العلاج بالكيماوي.

نجوى واجهت مرضها في البداية، واستأصلت “خبثه”، لكنها رفضت مقاومة آثاره “بالسلاح الكيميائي”، فصمدت سنة في وجهه، قبل ان تتدهور صحتها ، فأُدخلت الى المستشفى في محاولة للانتصار عليه، لكنها في النهاية استسلمت، فقد فضّلت أن تعيش من دون أوجاع العلاج، لكنها لم تتوقع ان يفتك بها المرض بهذه السرعة، وينتشر في انحاء جسدها، ويطرحها في فراش منتصرا عليها.

رفضت نجوى استخدام “سلاح” ،فوتت فرصة الدفاع عن نفسها، فكان الموت هو النهاية المحتومة ،لمعتقدات لا خلفية علمية لها تسيطر على أجواء بعض العائلات، فالعلاج الكيميائي له إيجابياته، وعندما يقول الطبيب ان :”العلاج ضروري يفترض ان يأخذ المرضى هذا الامر بعين الاعتبار “.

كسر حاجز الخوف

وفي المقابل فإن نساء كثر استطعن كسر حاجز الخوف وتمكن من النجاة بفضل الطب الحديث،واستطعن تحمل بعض الألم لكنهن في النهاية انتصرن في المعركة ضد سرطان الثدي.

وها هي مرام تقف أمام المرآة، تتفحص شعرها الناعم القصير، وتتذكر أيام علاجها ،فقد مرت سنتان على انتهائه ، وها هي اليوم تعود لعافيتها وحياتها العملية السابقة بكل حب ونشاط.

وتتذكر أنه :”على الرغم من وعيها وضرورة اجراء فحص ذاتي كل شهر ومداومتها على الكشف بالتصوير، إلا أنها لم ترغب بالبدء بالعلاج بعد اكتشاف الكتلة في ثديها ، كما نصح الطبيب حيث كان الخوف يكتنفها ، وما زاد ذلك هو خوفها من فقدان شعرها وثديها”.

وبعد اقناع متواصل وجهد ودعم كبيرين من اهلها ، قررت أن تنفض غبار الخوف عنها وعزمت على البدء بالعلاج بكل حماس.

وبرغم ذكريات الألم إلا ان التزامها بالعلاج هو من أوصلها لبر الشفاء، حيث خضعت لثماني جلسات من “الكيماوي” ومن ثم اجريت لها جراحة لتنظيف مكان الورم ومن ثم اتبعته بجلسات متتالية من الأشعة لضمان الشفاء التام.

وتقول مرام على الرغم من ان :”الكيماوي يحل ضيفاً قاسياً ثقيلا على الأجسام ، إلا أنه كان سبب شفائي .

علاج طبيعي

إن حب الجسد بالنسبة للأنثى والخوف من خسارة مظهرها هو من يدفعها في كثير من الأحيان إلى اهمال الكشف المبكر سواء الذاتي أو « الماموغرام» وإذا ما حل الشيء تراها تبحث عن أي علاج سهل وطبيعي لكي تَأمَنَ شرَ الجراحة أو تناول الأدوية الصعبة.

وفي هذا المجال يوضح الدكتور سمير الكايد استشاري أمراض الدم والأورام ورئيس جمعية مكافحة السرطان الاردنية أن :» هناك الكثير من الخرافات والخزعبلات تحيط بعلاج السرطان بشكل عام وخاصة فيما يتعلق بالعلاج الكيميائي والذي يقابل برفض من كثير من الناس.» ويطمئن د. الكايد السيدات ان العلاج الكيميائي في الوقت الحالي قد اختلف عن الوقت السابق حيث كان يسبب للمريضات الكثير من الأعراض المزعجة مثل التعب الشديد والغثيان وهبوط المناعة ونزول نسبة الدم بشكل كبير ، أما الآن فقد أدت الدراسات والابحاث المتواصلة إلى تطوير هذا العلاج لتصبح جرعاته أقل وليصبح أقوى على المرض نفسه وليس على المريض».

ويقول إن: «نتائج العلاج قد اختلفت عن الماضي ، فالعلاج الطبي هو الاساس في الشفاء». ويضيف: ان: «العلاجات الطبية بمختلف انواعها هي نتاج مخاض سنوات عديدة من البحث والتجارب بين أروقة المختبرات والمعامل قد مرّ في مراحل عديدة من الدراسات الطبية والمقارنات المرحلية؛ حتى يُهيّأ ويوصف للمريض المصاب، وقد قُتلت بحثاً وتقصّياً، واختبرت في مقاومته للخلايا السرطانية العدوانية ومدى حساسية هذه الخلايا لهذا الدواء؛ وآثاره في الخلايا السليمة”.

ويحذر د. الكايد السيدات من الالتفات للطرق الشعبية في العلاج « فكثير من السيدات فقدن حياتهن بسبب هذه الوسائل الواهمة مثل شرب الأعشاب المختلفة والخلطات الغريبة ، حتى أن آخر صيحات العلاج هي بلسعات النحل ، فواحدة من المريضات رفضت الجراحة كحل لمرضها ،وكذلك العلاج الكيميائي وفضلت السفر لخارج الوطن حيث انقادت لأحد مروجي هذا العلاج ،ولكن كانت النتيجة الوفاة بعد تفشي المرض في جسدها”.

ويضيف د. الكايد : «لقد شاهدنا الكثير من الحالات المأساوية التي تأخرت فيها المريضة في مراجعة الطبيب بسبب اتباع مثل هذه المعالجة لفترة طويلة، ولم يؤد ذلك إلى أي تحسن، بل أدى إلى تطور المرض وتقدم الحالة بحيث أصبحت غير قابلة للمعالجة،ولم يعد بالإمكان شفاء المريضة، ولو كانت هذه المعالجات ناجحة بالفعل لكان جميع الأطباء استخدموها في المعالجة، واستغنوا عن إجراء الجراحة لمرضاهم، فالهدف من العلاج الطبي الصحيح هو انقاذ المريض والسيطرة على المرض عند حد معين ومنعه من الانتشار» .

ويلفت الكايد إلى أنه من الأفكار الخاطئة المسيطرة في حالة سرطان الثدي أن الجراحة تفاقم من انتشار المرض فالجراحة او الاستئصال هو علاج أساسي مهم في كثير من الحالات، وهو سبب رئيس في علاج الورم والقضاء عليه ،فلماذا تخسر المريضة حياتها بسبب الخوف أو الالتفات لكلام وتجارب الأخريات؟.

وينبه الكايد إلى أنه : «بعد هذا التقدم العلمي في كشف وعلاج الأورام يأتي من يسفّه ذلك كله بوصفة مخلوطة مزعومة، وقد اختلط فيها الحابل بالنابل؛ لذلك فليس من الغرابة أن نرى نسبة ليست بالقليلة من المرضى المحالين إلى المراكز المتخصصة لعلاج السرطان قد غطّت أجسادهم آثار الكي الملتهبة طبياً حتى إن بعضهم انتهى أمره في العناية المركزة جراء شدة الالتهابات الجلدية، وآخر تأخر علاجه الطبي الصحيح بسبب مضاعفات الكي له”.

ومن ناحيته يشدد د. محمد بشناق استشاري الامراض الباطنية والرعاية التلطيفية على ما ورد سابقاً ، وينصَح المريضة باستشارة اخصائيي الرعاية التلطيفية المتواجدين في مراكز الأورام حيث يهتم هذا التخصص بتحسين الأعراض سواء أعراض المرض أو آثار العلاج المقرر.

ويطمئن د. بشناق السيدات بأن الأعراض الجانبية لعلاج السرطان وخاصة العلاج الكيميائي يمكن التحكم فيها والتقليل منها بسبب العلم المتطور مثل الغثيان والتعب والهبوط العام أما بالنسبة للجوء للطب البديل عوضاً عن العلاج الطبي المقرر،يقول:» لم يثبت اطلاقاً أن الطب البديل قادر على الشفاء من السرطان أو غيره من الأمراض ، ومن يدعي ذلك فهو مضلل،لكن لا احد ينكر أنه قد يساعد بتحسين الروح المعنوية وتخفيف الألم أو الارق والتوتر وغيرها من الاعراض، لذا فالطب البديل يساعد على علاج الأعراض وليس المرض نفسه”.

ويضيف قائلاً :» الحذر من التجار الذين تحفل بهم مواقع التواصل الاجتماعي حيث يزعمون أن لديهم تركيبات معينة تعالج المرض، وهؤلاء لا تدعمهم أي دراسات او أبحاث، ويجب مراجعة الطبيب المختص واطلاعه عند تناول هذه الأدوية مهما كانت لانها تؤثر سلباً على العلاج المقرر للمريض ،لأن البعض يعتقد ان الطب البديل آمن تماماً ،لأنه يعتمد وسائل طبيعية وهذه قناعة غير صحيحة اطلاقاً، وإن كان بعضها يساعد في تحسين الأعراض أو رفع المناعة مثل العسل أو غيره من أنواع الفاكهة ولكن ليس شفاء للمرض».

وقد خلصت نتائج دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة «بيل» الأميركية، ونشرت في شهر آب الماضي إلى أن الطب البديل يؤدي إلى ارتفاع الوفيات الناجمة عن السرطان بمعدل 5 مرات، وعلى وجه الخصوص، الوخز بالإبر، وعلاج العمود الفقري، وحمية العصائر والوجبات الغذائية، وغيرها من أشكال «الطب البديل»، وذلك حسب صحيفة Science Clear Real .

وفي الدراسة ذاتها حلل الباحثون قاعدة البيانات الوطنية (الأميركية ) لسجل مرضى السرطان، الذي يضم أكثر من 34 مليون شخص ، حيث تم تحديد 280 مريضا بالسرطان رفضوا العلاج التقليدي ولجأوا إلى العلاج بالطب البديل، و560 شخصا تم علاجهم بالطب التقليدي.

وأظهرت نتائج الدراسة التي استمرت خمس سنوات، أن 3.78 %من المرضى الذين تلقوا علاجات تقليدية مازالوا على قيد الحياة، ويتمتعون بصحة جيدة، بينما 7.54 %ممن استخدموا الطب البديل في علاجهم استطاعوا العيش حتى نهاية العلاج،وظهرت أسوأ النتائج بين المرضى المصابين بسرطان الثدي، حيث ارتفعت نسبة الوفيات بمعدل 5 مرات بالمقارنة مع المرضى الذين يعانون من سرطان القولون والمستقيم.

وفي مقال سابق للدكتور عاصم منصور مدير عام مركز الحسين للسرطان بعنوان « السرطان والطب البديل» يقول:» هناك اعتقاد سائد لدى العديد من الناس بأن كل ما هو طبيعي آمن، والواقع أنّ بعض الأدوية النباتية فعلاً آمنة بينما الأخرى لها مضاعفات خطيرة، فالكثير من هذه النباتات يمكن أن تتفاعل مع علاجات السرطان الأخرى، مما يؤثر على عملية تفاعلها داخل الجسم أو تخلص الجسم من مخلفاتها، مما يضعف من التأثير الإيجابي لهذه الأدوية على الورم أو يزيد في مفعولها مما يزيد من شدة الأعراض الجانبيه لهذه الأدوية.

ويضيف د. منصور قائلاً :» خلاصة القول إنه لا توجد حالياً أدلة علمية قوية على قدرة العلاج بالنباتات على علاج السرطان، أو اجتراح المعجزات لكن في حال أراد المريض تناول هذا العلاج، فيجب عليه استشارة الطبيب المعالج أولاً، والتعامل مع شخص خبير في هذا المجال فهذا الحقل بالذات مرتع خصب لكثير من الباحثين عن الثراء السريع ولو على حساب آلام الآخرين.»

وما يبعث على التفاؤل محليا بأن زيادة وعي السيدات بأهمية الكشف المبكر ساعد في الوصول لنسبة شفاء تصل ل90 ،%حيث كشفت أرقام السجل الوطني للسرطان انخفاض نسبة السيدات المصابات بسرطان الثدي بالمراحل الثالثة والرابعة من المرض من٧٠٪ قبل بدء عمل البرنامج الاردني لسرطان الثدي قبل تسع سنوات الى ٣٥ ٪حاليا.