لتفهم وتدرك الإدارة الأميركية أنه إذا نفذ الرئيس دونالد ترامب ما وعد به ونقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة فإنه سيُعبِّد كل الطرق لإيران للسيطرة على هذه المنطقة وأنه سيجذر هذا الإرهاب الذي تكابده بعض دول الشرق الأوسط ليس في الوطن العربي والدول الإسلامية، الكبرى منها والصغرى، وإنما في العالم بأسره حتى بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها وحتى في الدول التي فيها وجود أميركي ولأميركا فيها مصالح رئيسية ومتعددة.

ربما أن ترامب لا يعرف، بحكم جهله لشؤون العالم البعيد عن شبكة مصالحه وإستثماراته الإقتصادية وبحكم قلة إطلاعه على تاريخ الشرق الأوسط الذي تتفجر فيه ألغام وقنابل كثيرة، إن كل إنقلابات ما بعد إنشاء إسرائيل في عام 1948 العسكرية كانت بياناتها رقم «1» تبدأ بفلسطين وتحرير فلسطين وإزالة دولة العدو الصهيوني... من إنقلاب حسني الزعيم في سوريا في عام 1949 وحتى آخر إنقلاب في إحدى دول أفريقيا العربية التي تضع أقدامها في مياه الشواطىء الأطلسية .

ولعل ما يجب أن يقال للرئيس ترمب الذي كان عليه ألاّ يأخذ فقط برأي صهره جاريد كوشنر، بالنسبة لمسألة لا يعرف لا هو ولا صهره حقيقة تعقيداتها بالنسبة للعرب والمسلمين والعالم الحر كله وفي طليعته دول الإتحاد الأوروبي وروسيا الإتحادية والصين هي القضية الفلسطينية ، هو: كَمْ أنَّ خطوة كخطوة نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة ستعرض مصالح الولايات المتحدة حتى في أميركا نفسها إلى تهديدات ومخاطر فعلية وكَمْ أنَّ هذه الخطوة غير الموفقة ستعطي حُقَناً إنعاشية للإرهاب والعنف في هذه المنطقة وفي العالم بأسره.

نحن في هذه المنطقة، التي تقع فلسطين في قلبها، نعتبر أن الولايات المتحدة دولة صديقة ونعتبر أن الشعب الأميركي شعب صديق تجمعنا به مشتركات كثيرة وذلك رغم الأدوار السيئة والبائسة التي بقيت الإدارات الأميركية المتلاحقة تلعبها بالنسبة للصراع العربي – الإسرائيلي وإنحيازها المستمر إلى جانب إسرائيل وإلى جانب حروبها الظالمة ضد الفلسطينيين والعرب .

غير مطلوب في هذه المرحلة من التاريخ أن تتخلى الولايات المتحدة عن إسرائيل فهذا غير ممكن وغير مُتوقع طالما أن قوى الضغط الصهيونية هي التي تدير سياسة البيت الأبيض وكل مراكز إتخاذ القرارات المتعلقة بالصراع العربي – الإسرائيلي لكن المطلوب أن تنسجم الإدارات الإميركية وبخاصة هذه الإدارة التي على رأسها ترمب مع مصالح أميركا المتجذرة في هذه المنطقة الحيوية والإستراتيجية وهذا يعني ضرورة إبعاد الأمزجة ومنها مزاج هذا «المُتقلِّب» عن مسائل وأمور بكل هذه الخطورة وبخاصة وأن سفارة واشنطن بقيت ولا تزال في تل أبيب منذ نحو سبعين عاماً وأنه بالإمكان إبقاؤها هناك إلى أن يتم الحل الدائم والمعقول الذي هو دولة فلسطينية مستقلة على حدود يونيو (حزيران) عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.. عندها بالإمكان أن تكون هذه المدينة عاصمة لدولتين أي وأن تكون القدس الغربية المحتلة منذ عام 1948 عاصمة للدولة الإسرائيلية.