أبواب - خولة أبو قورة

حمل تنوء به الجبال ،تحمله منذ عشرات السنين ،وما تزال واقفة لم يتصدع ظهرها من الثقل،لكن النفس متعبة ،أرهقها الألم على أربع بنات معاقات،اكثر من رعايتهن ،إنها أم رياض ،القاطنة في «لواء عي «المنتمي لأشد المناطق فقرا في الأردن،وكأن الأرض تتنكر لأصحابها فتذيقهم جوعا وحزنا كبيرين،حزن على الأبناء ،وألم يغرس أسنانه في لحم فقراء بالكاد يجدون قوت يومهم.

تعيش «أم رياض «اوضاعا مالية صعبة ، تكافح كل يوم لتعتني، ببناتها الأربع اللواتي يعانين من إعاقات عقلية وجسدية شديدة، حامدة ربها على عطاياه مؤمنة بقدره، صابرة ومحتسبة. تسرد «أم رياض» التي تسكن مع بناتها وزوجها وأختها المقعدة في منزل متهالك ل «أبواب» «قصتها عن بناتها الأربع اللواتي تتراوح أعمارهن بين (26 -32 ) عاما. وتقول ان :»كل واحدة منهن تعاني من إعاقة أصعب من الأخرى ، كلهن يعانين من تخلف عقلي وبطء في التعلم والنمو،وإعاقات جسدية».

وتوضح أن :»كبرى بناتها سهى (32 عاما ) تعاني من إعاقة عقلية،أما الثانية سناء ( 30 عاما ) فهي تعاني من تخلف عقلي و انحناء في الظهر ناتج عن عيب خلقي منذ الولادة والذي تسبب في ارتخاء اليدين إذ لا تستطيع التحكم بذراعيها». وتتابع :»أما ابنتي الصغرتين فوضعهما أصعب من أختيهما حيث تعاني سائدة ( 28 عاما )من صرع شديد وشلل دماغي وبطء في النمو و ثقب بالشبكية إضافة إلى إصابتها بالعشى الليلي».

وفي مقابل الفقر الذي تعانيه عائلة «ام رياض» في ظل وجود أربع معاقات إلى جانب اختها الخامسة ،تتقاضى 315 دينارا من التنمية الاجتماعية جرى اقتطاع 35 دينارا منها هذا الشهر دون ذكر الأسباب ،وتقول أم رياض أنها :»تدفع أكثر من نصف المبلغ التي تتقاضاه لعلاج ابنتها عند طبيب عيون في القطاع الخاص».وتقول « أنا بالكاد كنت أتدبر أموري قبل الاقتطاع ،فماذا أفعل بعده؟»،ملتفة إلى :»إبنتها الرابعة ليندا التي تعاني كأختها سائدة من حالات صرع وتشنجات إضافة إلى صعوبة التحرك فهي دائمة الإصابة بالدوار والشعور بالتعب».

تقطن أم رياض» مع مأساتها في منزل متهالك سقفه آيل للسقوط ،تتسرب منه مياه الأمطار طيلة فصل الشتاء الذي تعتبره فصلا ثقيل الظل لما يحمله من مصاريف وأعباء أكبر.وتقول أنها لا تجد لها متسعا في منزلها لوضع وسائل التدفئة فيه ،كما أنها تخشى على بناتها من خطورة استخدام المدفأة المعبئة بالكاز.

أم رياض في ظل كل هذه المعقيات والتحديات لم تجد ملجأ يساعدها في العناية ببناتها نظرا لإنعدام مراكز التأهيل والتدريب في اللواء ، إلا إنها اجتهدت على تدريس بناتها حيث كانت ترافق ثلاث منهن إلى مدارس حكومية حتى أنهين الصف العاشر مع أنهن لم يتلقين العناية المناسبة.

حالات شبيهة

وفي حالة مماثلة لأم رياض تعاني أم شهد -وهي مطلقة و مسؤولة عن أربعة أطفال- ، هي وابنتها من إعاقة سمعية حيث تتقاضى نفقة طلاق قدرها بـ( 155) دينارا تدفع منها 110 دنانير بدل اجرة منزل فضلا عن المصاريف الحياتية الأخرى مما يجعل الحياة مستحيلة.

وتقول أم شهد « أعاني أنا وابنتي من ضعف شديد في السمع ، فأنا لا أسمع بالأذن اليسرى وبدأ عصب الأذن اليمنى يتأثر، ولا أستطيع معالجة أذني لوضعي المالي الصعب مع أنه يمكن ان اجري عملية ونسبة النجاح عالية ، ولا أستطيع وضع سماعات طوال الوقت لما تسببه لي من ألم في الرأس «.

وتضيف :»ابنتي البالغة من العمر ست سنوات تعاني ضعفا في السمع أيضا وترتاد مدرسة حكومية، وتواجه صعوبة في التعلم ، وهي الآن تستعمل سماعات لتجاوز هذه الصعوبات» ،وتتمنى أن تراجع شهد أحد الأطباء المختصين لإجراء الفحوصات، وتحديد نسبة السمع. وتناشد أهل الخير إذا كان بإمكانهم توفير سماعات داخلية لها حتى تتمكن من متابعة العملية الدراسية بنجاح لأن السماعات التي تستخدمها حاليا تخرج من أذنيها باستمرار لعدم ملائمتها لحالتها.

نورا عمرها عشرة أعوام ،»ترفض أمها الأرملة إرسالها إلى المدرسة»، وعند سؤال الأم التي تعيل إبنتين عن سبب امتناعها عن إرسال ابنتها للمدرسة أجابت :» أخرجتها من المدرسة قبل شهر لأن المعلمات يقلن أن ابنتك « تشرد» من الصف الدراسي وتهرب إلى خارج المدرسة ، والإدارة غير مسؤولة عنها ،وانا أخاف من أن تتعرض للدهس في الشارع «.

وتضيف أن :» ابنتي تعاني من تأخر النطق والنمو كما تعاني من ضمور في الخلايا الخلفية للدماغ ما يؤثر على تركيزها، لكن الطبيب طمأنني أنه كلما كبرت تحسن وضعها ،كما أنني لا أستطيع أن ألحقها بمدرسة خاصة ،فأنا أتلقى معونة من التنمية الاجتماعية مقدارها 150دينارا ، وأدفع أجرة منزل 75 دينارا ـوما يتبقى لا يكفي احتياجاتنا».

غياب المراكز المتخصصة

بدورها ،ترى المتخصصة في حالات ذوي الاعاقة سميرة الرواشدة ان زواج الأقارب من الأسباب التي تؤدي إلى زيادة الإعاقات في منطقة عي ،والتي تعد التحدي الأكبر ،يليها مشاكل الولادة وصولا إلى عوامل الوراثة.

وقالت الرواشدة التي تشرف على عدد من حالات الإعاقة في منطقة عي إلى «أبواب-الرأي» أن النقص الحاد في الأدوات والمعدات داخل مركز ذوي الاحتياجات الخاصة في المنطقة ،يسهم في صعوبة علاج بعض الحالات ،والتي من الممكن تفاديها في حال اكتشافها مبكراً، والتي تتطلب إيجاد مراكز تأهيل وتدريب مجهزة بأحدث التقنيات الحديثة بالتزامن مع وجود كادر مؤهل قادر على استيعاب هذه الحالات». وأضافت الرواشدة أن كثيرا من الحالات البسيطة من الممكن التغلب عليها خلال مدة علاج قصيرة.

وتطمح الرواشدة من خلال تواصلها المباشر مع أبناء المجتمع المحلي إلى إقامة مشاريع تساعد هذه الفئة على تجاوز عقباتها ،والعمل على إدماجهم في أعمال تدر عليهم نفعا ماليا يسهم في سد الثغرة التي يعاني منها أولياء أمورهم عبر تأهيلهم بهذه المراكز.

بيد أن الحالات التي تشكل عبئا كبيرا -بحسب الرواشدة- على بعض الأسر الفقيرة والتي لا يمكن علاجها إلا من خلال مراكز خاصة تكبد الأسر كثيرا من الأموال في ظل دخل مالي متدن جدا ، حيث تبعد المراكز عن مناطق سكنهم مسافة تتجاوز 60 كم. وتابعت الرواشدة انه في ظل المساعي الحثيثة وتوجيه نداءات متكررة إلى المراكز المعنية سواء في القطاعين الخاص والحكومي إلا أنها لا تسد الرمق لأن» لواء عي «يضم عددا كبيرا من حالات الإعاقة من مختلف الأعمار والفئات، وعليه فإنها تأمل تسخير كل طاقات الأفراد و المؤسسات في المنطقة لمساعدة هذه الفئة ،حيث تشهد العائلة الواحدة أكثر من حالة مرضية.

وطالبت الرواشدة بضرورة متابعة الجهات المعنية لمراكز التأهيل والتدريب والتي لا تشكل حاجة كمالية بل من أساسيات العمل الإنساني ،ودعت إلى إيجاد حلول جذرية للحد من المشكلات التي يعانيها أصحاب الاحتياجات الخاصة في المنطقة والمناطق النائية. وبينت الرواشدة انه في حال التمكن من افتتاح مراكز لائقة تسهم في زيادة عجلة التنمية من خلال تشغيل أيدي عاملة وتحد من مشكلة البطالة في المنطقة.

بارقة أمل

وقال رئيس بلدية عي علي حماد ان هنالك ارضا أميرية تبلغ مساحتها 17 دونما ،وهي مناسبة لإقامة مركز لذوي الاحتياجات الخاصة ،فهي تتوافق مع شروط وزارة التنمية الاجتماعية لبناء مركز متكامل من حيث الأجهزة والمعدات، وتتميز هذه الأرض بقربها من المواقع السياحية ،في حين أن استثمارها سيشكل ايضا عامل جذب سياحي ومتنفسا لأبناء المنطقة، إلا أن هذا المشروع ما يزال في باطن الأدراج. وتابع حماد رفعنا رقم القطعة ورقم الحوض لمديرة بلديات الكرك محاولة منا لنقلها من ملكية الدولة لملكية بلدية عي، لكن يجب متابعة المعاملة في عند مدير عام أراضي المملكة.وعقب رئيس جمعية عي الخيرية ناصر المطارنة « ان العقبة الوحيدة التي كانت تواجهنا هي إيجاد الأرض ،واستملاكها وهذه الأرض ستحل المشكلة، ويوجد متبرع لبناء المركز والمتنزه والملعب».

وأوضح مدير التنمية الاجتماعية في الكرك بأن الوزارة تزود هذه الجمعيات بمعونات حسب قدرتها ، كما أن الدولة ليس بمقدورها فتح مركز في كل قرية ومن هنا يأتي دور المجتمع والجمعيات الخيرية التي بدورها يجب أن تعمل على جمع التبرعات من جهات داعمة خاصة.ويضيف أنه:»وفقا لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20 ) لسنة 2017 المادة رقم 18و19 فإن وزارة التربية والتعليم هي المسؤولة عن تعليم الأشخاص ذوي الإعاقات وتوفير الكادر التعليمي والبيئة المناسبة لهم ودمجهم مع الطلاب الآخرين وليس وزارة التنمية ،كما انه وفقا للمادة (15) تتحمل وزارة الصحة مسؤولية فحص الأشخاص ذوي الإعاقة وإصدار التقارير الطبية التي تبين نوع الإعاقة ودرجتها وطبيعتها». ولفت إلى أن التنمية مسؤوولة فقط عن حالات الإعاقة المتوسطة والشديدة.

قرابة 150 حالة في لواء عي تعاني من إعاقات متنوعة ،وعائلاتهم بين فكي الفقر الشديد والبطالة ،فمن يتقدم لنجدتهم ويخوض معهم معركة مقارعة المرض؟،الأمر متروك لكل ذي ضمير .