عندما يصل الفنان الحقيقي، بعد خمسين سنة من النحت في الوجدان، إلى القناعات التي وصل إليها المخرج والناقد المسرحي حاتم السيد، فإن ذلك لا يحتمل أكثر من معنى واحد وهو الترحّم على أشياء كثيرة عزيزة على الأمة.

في مطلع هذه السنّة الصعبة، والتي لم تختلف كثيراً في صعوبتها عن السنة الماضية والعقد الماضي وقبل الماضي، وقف حاتم السيد مفوّضاً عن المسرحيين العرب ليلقي كلمتهم السنوية.

كان مفوّضاً بأن يعلي صوته بالذي يعرفونه عنه من إحساس بالمرارة يملأ خشبة المسرح القومي العريض. وهو بدوره كان فذّاً كما يعرفونه في التعبير المر.

ما لم يقله السيد في كلمته تلك، قاله اليوم هنا.. ومنه قناعته بأن المثقفين العرب متواطئون مع أعمامهم الذين قتلوا آباءهم (آباء المثقفين) وتزوجوا أمهاتهم (امهات المثقفين). ومع ذلك ما فتئ المثقفون يلطمون ويتساءلون في العلن عن الذي يعرفونه في السرّ..متواطئون وغير جادين.

قال السيد أيضاً إن الثقافة والفنون لم تكن يوماً من أولوياتنا أو من أولويات العرب، وهي مسألة يعرفها الجميع ويتواطأون على التعايش معها وإدامة اللطم والتسبيح.

قوة حجة ولغة وحضور السيد هي أنه عاش النكبة الأم بمرارة متعسفّة لم تبرح ناظريه ولا لغته المسرحية التي نشرها عبر عشرات الأعمال التي دان لها المثقفون العرب من الماء إلى الماء، لكنها عندنا في الأردن أعمال فذة لم يشهدها سوى أعضاء رابطة الكتاب ومجموعة من الذين يبحثون عن أنفسهم في مرارة القهوة والسيجارة.

يصف السيدنبع ثقافته بقوله :» أنا من مواليد 1946. خرجت من فلسطين على يد والدتي، وعمري سنة وثلاثة أشهر. عشنا في البراري تحت شجر الزيتون. نحن من عرب النفيعات وهي قريبة من مدينة الخضيرة بين حيفا ويافا، وهي فخذ من أفخاذ عتيبة. كنا نعيش في بيت شعر، وعندما بدأ الناس يتحضّرون في فلسطين تم طردهم من البلاد».

حاتم السيد أخذ حقه المعنوي من الاعتبار، خارج بلده. أما عندنا فما زلنا ننتظر. هو كأنه قطع الأمل، وإن لم يقل ذلك.

لكم في الكلمة التي كرمكم المسرحيون العرب بأن تلقيها نيابة عنهم بمناسبة يوم المسرح العربي 2017 في مهرجان وهران بالجزائر ، بيان تشخصون فيه أزمات المثقفين العرب وأحلامهم فضلا عن مآسي الأمة:

ليست هي المرة الأولى التي اخاطب بها مثقفينا في كل مكان من هذا العالم . فقد سبق وعالجت واقع المثقف العربي في أكثر من عمل مسرحي ، لأنهم وللأسف يعيشون حالة تردد ، يقولون ما لا يفعلون ، نجدهم فقط يندبون حظهم وهم يحتسون الخمر ويقولون بانهم مظلومون والأمة العربية أصبحت كذا وكذا، دون فعل شيء . ولهذا لا يترك كلامهم أي أثر، حيث يصبح الفعل غائبا رغم حاجتنا له لاصلاح حال امة احلامنا فيها كبيرة ، و قضايانا أكبر، ليس لنا فقط وانما لأبنائها ليقفوا على بوابات المسارح ويشاهدوا كيف تكون الحياة ..

ولان رحلتنا تأبى ان تسدل الستارة عليها، وآمالنا لا حدود لها فإن علينا ان نعيد تشكيل ارواحنا وحضارتنا وثقافتنا من جديد .. ما أريد قوله : اننا إذا لم يكن لدينا فعل ملموس فلن يحصل أي تقدم ولا أي شيء أبدا.

تحدثت أيضا عن السلام الذي لم يكتمل بعد . عن أي سلام تتحدث وقد تكاثرت الحروب والمظالم؟

هي أمنية أكثر منها أي شيء آخر. أمنية السلام الذي يجب أن يتحقق ولم يتحقق بعد.. فأين نحن من السلام وحال أمتنا العربية كما نرى؟.. أين الحل الجذري لقضايا الأمة العربية، ونحن نعلم ان أسباب كل ما يحصل حولنا هو القضية الفلسطينية، التي تزداد تعقيدا يوما بعد يوم ، وهذا واقع يقع على عاتق الفنانين والمثقفين وكل شرائح المجتمع التي تفهم.

في الكلمة سلّمت على الكبار الذين أفنوا أعمارهم لتبقى خشبة الحياة تنبض بالحياة . من تقصد وعن أي خشبة تنبض بالحياة تتحدث؟عن المسرح السوري أم العراقي أم الليبي أم اليمني وكلها ماتت تحت السلاح؟ أم عن المسرح المصري الذي يشكو أهله من النسيان ؟ أم المسرح الأردني الذي لا يعرفه سوى أهل اللويبدة؟

أنا أتحدث عن المسرح كمعادل موضوعي للحياة بشكل عام .. هذا المسرح الذي أتحدث عنه. أما المسرح في الوطن العربي فهو بالأصل ليس مسرحا نابعا من ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا، ولكي يصبح عندنا مسرح عربي لا بد من الرجوع إلى التراث والتاريخ والعادات والموروث وكل ذلك ، حيث نستطيع أن نعمل من هذه الأشياء خلطة تدخل إلى عقلية الفنان التي هي الوسيط ما بين الماضي والحاضر، تأخذ من الماضي وتفرزه إلى أشكال معاصرة . هذا ما أقصده كمسرح عربي ، وهذا للأسف ما زال غير متحقق ، و ما زلنا ندب في أزقة الآخرين ، وما زلنا نستعمل المسرح الأوروبي بعيدين عن واقعنا و عن حياتنا و تراثنا. أقول أنه يجب ان يكون لنا هويتنا ومسرحنا ، أما أن نبقى كما نحن عليه الآن فهذا أمر مؤسف ومؤلم جدا.

وسلّمت أيضاً على الأجيال الإبداعية التي احترقت ليسود السلام على خشبات السلام ! هل تحضرك نماذج من تلك الأجيال التي احترقت؟ كأنك تقصد الربيع العربي؟

الثقافة والفنون لم تكن يوما من أولوياتنا، ولا من أولويات الدول العربية. المسرح العربي بحاجة إلى ربيع ثقافي عربي يوقظ القائمين على الحركة الثقافية ويهتمون بالثقافة والمثقفين من خلال بناء المسارح المؤهلة مثلما يبنى سنويا ملاعب لكرة القدم.

كما قصدت الناس الذين ضحوا وتعبوا من أجل أن يفعلوا شيئا، وأنه يجب أن يكرموا ليكونوا قدوة للآخرين، وليس كما هم الآن. وللأسف ان هناك جنوحا في مسألة الثقافة، وجنوحا باتجاه الغرب، وخاصة من خلال المهرجانات في الوطن العربي، والتي تقدم ثقافات ومحصلات لثقافات أجنبية، وتنهل منها الأجيال وتقدمها لنا بأسلوب مسخ.

اقصد ايضا هذا التجريب الذي يمارسه أغلب الشباب بشكل عام، تحت اسم الحداثة على سبيل المثال. يقدمون ثقافتهم وتجاربهم وحياتهم .والتجريب لديهم هو محصلة لثقافتهم هم وليس لثقافتنا. يأتي شبابنا ويأخذون من هذه الثقافة وينهلون منها، ويلجأون لأسلوب التغريب الى الحد الذي لا يفهم فيه أحد، فنقول لهم بأن لا يجنحوا إلى هذا الأمر وأن يكونوا حقيقيين كما كنا.. عليهم أن يناقشوا قضاياهم وهمومهم ومشاكلهم على المسرح ، وبعد ذلك يناقشون مسألة التجريب وما بعد التجريب.

وما المطلوب للمواطن العربي في هذا الصدد؟

بصوت عال أقول ان المواطن العربي بحاجة إلى رفع سوية عقليته. ولأن المسرح للجماهير، أجد ضرورة أن يتواجد المسرح في المحافظات والمدن والقرى، وان لا يقتصر على ابن المدينة الذي لديه وسائله الكثيرة . الذي بحاجة إلى تنمية عقله هو ابن الريف وابن البادية والقرية، فهؤلاء الذين يجب أن تتجه لهم وزارة الثقافة.

في عام 1977 كان لدينا وزارة ثقافة وشباب وحينما استلمت المسرح كانت وجهتنا الحقيقية إلى الريف ومدن الجنوب مثل الكرك والطفيلة ومعان، لهذا كنا نقدم العرض المسرحي يومين أو أسبوع في عمان ومن ثم ننقله إلى المحافظات .. مخططنا في عام 1977 كان نقل المسرح إلى كل المدن الأردنية عن طريق مراكز الشباب والشابات التابعة لوزارة الثقافة والشباب .. في الماضي كان هناك الشريف فواز شرف والشريف عبدالحميد شرف يؤمنان بثقافة المجتمع وتثقيفه، فكنا عندما نقدم العرض المسرحي نجدهما في المقدمة لمشاهدته، فكانت سياستهما نقل الأعمال المسرحية التي تقدم في عمان إلى المحافظات،. وحاليا لا يوجد رسميا في المحافظات مسارح بل تجارب لا تغني ولا تسمن من جوع.

في كلمتك نيابة عن المسرحيين العرب سلّمت على العتمة التي نستنير منها الدرب . أين ذهبت هذه الإيحاءات ؟ وباتجاه أي عتمة في زمن العتمات المثيرة ؟

العتمات متلاحقة، وما زالت متلاحقة . العتمة هي المشكلة، لكننا نبقى متفائلين والأمل يحدونا.

تساءلت لماذا لم تكبر أحلامنا مع المسرح . كأنك كُنت تتهم المثقفين بالتواطؤ؟

هذا صحيح فالمثقفون جداً متواطئون، وليسوا جادين في كل شيء . المسرح موجود لكنهم لا يأتون لمشاهدته، دائماً يندبون حظهم كما قلت.

وسؤالك يعود بي لزمن ليس بعيد، عندما قدمت مسرحية اسمها أفكار جنونية من دفتر هاملت، وأقصد بهامليت المثقف العربي، الذي يعرف كل شيء ولا يستطيع فعل شيء.

القصة مأخوذة عن هاملت شكسبير لكن بأسلوب عربي، كتبها الشاعر والكاتب المسرحي نجيب السرور. هاملت يعرف أن عمه قتل والده وتزوج والدته. هناك مؤامرة لقتل والده من أجل أن يتزوج والدته لكنه لا يفعل شيئا، يجلس دائما تحت درج المنزل ويشرب الخمر ويقول «أصحيح عمي قتل والدي» ؟ ويعيدها مراراً وتكراراً، مع أن الطيف أخبره بأن عمه قتل والده وتزوج من والدته، لكنه لا يفتأ يتساءل «أعمي قتل أبي»؟، هذا هو التردد، لذلك أقول بأن المثقف العربي لا يفعل شيئا.

المسرح موجود ولدينا مهرجان مسرحي وتكلفته ليست بتلك الضخامة، إلا أنه موجود للعامة، ولا يأتيه إلا عدد قليل جداً من رابطة الكتاب أو الذين ينتمون إلى الروابط الثقافية. فإذا كان أبو الثقافة وهو المسرح لا يأتيه المثقفون لمشاهدته، فكيف نؤمن بهم كمثقفين!