دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر

الحلقة الثالثة

الرحيل إلى البصرة :

تنوعت الأماكن التي قضت فيها عائلة قدري حياتها ، تبعا لوظائف الوالد ، وهذا يعني أيضا تنوع التعليم الذي تلقاه الطفل تحسين قدري ، فمن بداياته في مدرسة الفرير الجزويتية في يافا ،حيث تلقى دروسه التأسيسية في اللغة الفرنسية ، إلى انتقالهم لمدينة نابلس ، وكان تحسين في المرحلة الابتدائية المبكرة ، لكنه في مذكراته لا يذكر شيئا عن مدرسته في نابلس ، ويبدو أنه استمر في مدرسة الفرير بيافا ، حتى انتقل مع عائلته من بلاد الشام فجأة إلى عالم جديد ، إلى البصرة في العراق ، إذ إن والده قدري حصل على ترقية إلى رتبة أميرآلاي ، وهي من الرتب الرفيعة في الجيش العثماني ، وترتب على ذلك نقله إلى البصرة ليشغل منصب القائد ورئيس الهيئة التفتيشية في العراق ..!

يخمنّ تحسين قدري أنّ هذا النقل والرحيل إلى البصرة كان إما في عام 1903 م أو 1904 م ، وبدأت الاستعدادات للرحيل ، وهي تكشف كما وعتها ذاكرة الطفل الذي يدرس في المرحلة الابتدائية ، عن إجراءات كثيرة وكلفة كبيرة ومشقة أكبر ، فكيف كانت الرحلة عام 1903 م من دمشق إلى البصرة ..؟ وما المدة التي كانت تقضيها القافلة حتى تصل خليج العرب عبر البرّ ...؟

القافلة البرية من دمشق إلى البصرة :

يقول تحسين قدري أن العائلة انتقلت من نابلس إلى دمشق للتحضير للرحلة والرحيل ، ويقتضي الأمر استئجار الجمال والسير بقافلة تأخذهم عبر البادية إلى بغداد أولا ، وفيما أوردته المذكرات صورة حيةّ لصعوبة السفر ، ونحب هنا أن نراجع التفاصيل لننتقل لنمط حياة تلك المرحلة ، ولقراءة ما حفظته ذاكرة الطفل الذي سافر من قبل من دمشق إلى بعلبك ، ومن بعلبك إلى بيروت ، وإلى صور وإلى سواحل فلسطين ، إلى حيفا وبالتأكيد إلى يافا حيث درس في مدرسة الفرير ، ولم يحتفظ في ذاكرته بأي ذكريات خاصة بالسفر ، ويبدو أنه كان يستمتع بتلك الرحلات لأنها كانت قصيرة ، وبعضها يتم بالبحر ، وقد استذكر من طفولته المبكرة لحظة وصولهم إلى ميناء بيروت ، والذي لم يكن قد بني بعد ، وكيف تلقفته أيدي البحارة وألقوه إلى المركب من الباخرة ، وكأنه كرة الصولجان ...! أما هذه الرحلة البعيدة والطويلة عبر البادية فشيء آخر بالتأكيد .

ننقل كلمات تحسين قدري التي حفظتها ذاكرته للرحلة الطويلة من دمشق إلى بغداد ، ومن ثم إلى البصرة ، يقول : ( كان السفر حينها يتمّ على الجمال بالقافلة ، ويتطلب الإعداد الشاق والمكلف ، فمن تحضيرات الخيام وقرب المياه وأواني الطعام وسروج وهوادج وغيرها من ترتيبات الرحلة التي تستغرق أكثر من ثلاثين يوما في العادة ..! ) تصوروا أن يستغرق السفر من دمشق إلى بغداد أكثر من شهر ..؟ ماذا فعلت بنا التكنولوجيا الجميلة ، كيف اختصرت كل هذا الزمن علينا ..؟ وكيف بعثت فينا الراحة والطمأنينة والهدوء وتوفير الجهد والمال والأمان ..؟ تصوروا أن تقوم عائلة عربية بالسفر الآن من دمشق إلى بغداد بالطائرة ..؟ لا يقفز إلى بالكم الخلافات السياسية والأمن وانقطاع العلاقات .. حاولوا أن تفكروا معي بأن عائلة عربية اليوم تنتقل بكل بساطة من عاصمة بني أمية إلى عاصمة بني العباس ، هل يستغرق هذا أكثر من ساعة ..؟ لا أدري لأنني في هذا الزمن مثلكم ، ومثل كل عربي معاصر لم يسبق لنا أن شهدنا رحلات طبيعية لا يتخللها الخوف من المخابرات ومنع الدخول .. قتلنا نعمة التكنولوجيا ومتعة السفر فينا ونحن في عزّ التطور التقني .. يا للهول ..!

حسنا ، دعونا نرجع لرحلة عام 1903 م مع عائلة قدري ، وننقل ما كتبه تحسين قدري مباشرة :

( بعد قرابة الشهر من التحضيرات وتوظيف المرافقين والحرس المسلحين لحماية القافلة ، تحركنا من دمشق باتجاه تدمر ، ثم قطعنا الصحارى مرورا بدير الزور فالقائم ثم عانة وهيت وأخيرا وصلنا بغداد ..! ) هذا هو خط سير القافلة من دمشق ، ولكن ، كيف كانت مراحل السير وقضاء الليل وأوقات الطعام ..؟ وعلينا أن نتذكر أن مدة الرحلة كانت أكثر من ثلاثين يوما ، يقول تحسين قدري : ( أذكر أنني كنت « الولد المدلل « عند والدي ، ودائما كان يصطحبني معه على ظهر بعيره في المقعد المسمى « بالتختروان « ، أما أختي ووالدتي فكانوا في داخل الهودج المحارة ، وكنا نتوقف مساء ، وتذبح الخرفان ويحضر الأرز وتعدّ الموائد لإطعام القافلة ) ولم يخبرنا تحسين قدري عن الفصل الذي تمت فيه الرحلة ، وانتهى من وصفها بالوصول أخيرا إلى بغداد .

بغداد عام 1903 م :

كان نزول القافلة في بغداد إلى جانب الكرخ ، وبالتأكيد فإن وصول أميرآلاي يستدعي استقباله والتحضير لإقامته ، وقد استقبل قدري وأسرته المقدم محمود الزهاوي وهو المساعد ، وعرفه تحسين قدري بأنه والد ناجي وخالد الزهاوي ، وأنه وصل في العهد الملكي إلى رتبة أمير اللواء في الجيش العراقي وكانت إقامة الأسرة في بغداد للراحة والاستعداد للرحلة في باخرة نهرية برمائية ، ويتذكر تحسين قدري من فترة إقامتهم ببغداد أنهم أقاموا في محلة الميدان الواقعة في جانب الرصافة ، وأنه رأى بحكم موقع والده « برتو باشا « وهو عسكري عثماني مشهور ، وكان يومها مفتش الجيش العثماني الثامن في العراق ، وتذكر من معالم رحلته القصيرة الأولى لبغداد المدرسة الرشدية والإعدادية المركزية والإعدادية الملكية ، وهذا أمر طبيعي لذاكرة طفل في المرحلة الابتدائية يشعر بالدهشة والانتظار لمرحلة دراسته المقبلة ، ويتمنى التعرف إلى المدارس في المدينة الجديدة التي نزلوها استعدادا للرحيل إلى البصرة .

البصرة عام 1903 م :

لم تنته الرحلة بعد ، فقد كان على الأسرة أن تنتقل بباخرة نهرية برمائية من بغداد إلى البصرة ، وقد استغرقت هذه الرحلة داخل العراق ثمانية أيام بالتمام والكمال ..! تصوروا قيمة الوقت للإنسان المعاصر ، وكيف اختصر العلم والتكنولوجيا كلّ هذا الجهد والوقت والمال ..؟ ثمانية أيام في باخرة نهرية ليصل المسافر من بغداد إلى البصرة ، وكم تحمل الصغار والأم في هذه الرحلة التي لا شك بأنهم حملوا أيضا متاعهم ، ووصلوا أخيرا إلى البصرة .

سكنت العائلة في البصرة في محلة العشارّ ، وأصبح الطفل تحسين قدري طالبا في المدرسة الرشدية في البصرة ، وكان مديرها آنذاك عام 1903 م تركي ، بعمامة وقورة ، وواضح أن هناك فارق في نوعية التعليم الذي تلقاه الطفل تحسين قدري ما بين مدرسة الفرير التي درس فيها بالفرنسية ، وبين المدرسة الرشدية ، وحتى لا يفقد الطفل مهاراته في اللغة الفرنسية ، تنبه الوالد وغطى هذا النقص بتعيين مدرس خاص للغة الفرنسية يواصل مع تحسين دروسه ، وكان اسم الأستاذ ( إيلي ويردي ) ونفهم من هذا انه كان فرنسي اللسان ، وكان عدد الطلبة في نهاية العام سبعة فقط ، وقد قضى تحسين في مدرسة البصرة عامان تبعا لوظيفة والده ، وهي وظيفة محترمة جدا ، يقدرها المجتمع المحلي في البصرة ، ويبدو أن العائلة تمتعت بجو اجتماعي طيب ، يقول تحسين قدري ( ومن خلال مركز والدي في المجتمع المحلي ، تعرفت على الكثير من أسر البصرة المعروفة مثل آل القرطاس والفداغ والزهير وباش اعيان وآغا جعفر وغيرهم ) ومن المصادفات أن تكون زوجة تحسين بصراوية من آل القرطاس ..!

كان مدير مدرسته بعد الشيخ التركي الشيخ عبد القادر باش أعيان ، وفي الوقت الذي واصل تحسين دراسته في مدرسة البصرة الرشدية كان شقيقه أحمد في باريس يدرس الطبّ ، في حين كان الأخ الأكبر زكي في اسطنبول ، وقد وردتهم منه برقية يبشرهم فيها بأنه كسب المسابقة ونجح في الامتحان بترتيب الأول على دفعته في أسنا بتركيا ، وبالمقابل لم يذكر تحسين قدري شيئا عن تعليم شقيقته عصمت ، ولا شك بأنها انتظمت في الدراسة ، وأن هناك مدارس للبنات في البصرة ، لكن المذكرات لم تذكر عن مراحل تعليم عصمت أبدا ، مقابل هذه العناية الفائقة بتعليم إخوتها الثلاث في باريس واسطنبول ومتابعة تعليم تحسين للغة الفرنسية مع مدرس خصوصي ، لكني علمت من أحفاد تحسين قدري أن عمتهم عصمت تزوجت من رجل تركي وعاشت في استانبول ، ولا يوجد لدي معلومات عن تعليمها وأماكن دراستها ، مع أنها عاشت فترة مع والدتها في استانبول .

وبسب اهتمامات صاحب المذكرات العسكرية ، فقد أورد ملحوظة على جانب كبير من الأهمية لدور والده العسكري في فترة إدارته للبصرة والتفتيش على الجيش ببغداد ، يقول بأن قدري كان يبذل جهودا كبيرة وله ولع شديد بإنشاء الثكنة العسكرية في منطقة العشارّ حيث كانوا يقيمون بالبصرة ، ويذكر بأن الصحف العراقية في فترة الستينيات نشرت صورة لهذه الثكنة المعروفة « بالقشلة « في العشارّ والتي اهتم والده ببنائها وكانت تعتبر مركز لواء البصرة ، وظهر في الصورة القديمة قائم مقام الكويت وهو شيخ من آل الصباح ، ومن المعروف بأن الكويت كانت عندها قائم مقامية تابعة للواء البصرة ، ومركز اللواء كان القشلة التي اهتم والده ببنائها .

الرحيل إلى بغداد :

بقي مقرّ عمل قدري في البصرة لمدة عامين ، استقرت فيهما العائلة وتلقى فيها تحسين قدري تعليما منتظما ، وبالطبع كانت حركة تنقل العسكريين القادة في هذه الفترة مستمرة نظرا للظروف الصعبة التي كانت تمرّ بها الدولة ، فانتقل قدري قائدا ووكيلا للوالي ورئيسا لديوان الحرب في بغداد ، وهذا يعني أنه تولى مهام أكبر ، ويعني أيضا أن على أسرته أن تنتقل معه من البصرة إلى بغداد ، وفي بغداد استقرت العائلة في محلة الميدان ، وكانت محلة الميدان عام 1905 م أهم منطقة في بغداد ، تضم مسكن الوالي ( والذي أصبح في العهد الملكي مركز المجلس النيابي ) ، وبدأت مرحلة جديدة في حياة تحسين قدري الذي انتقل عام 1905 م إلى بغداد طالبا في المدرسة الإعدادية بعد أن تقدم لامتحان القبول ونجح فيه ، وهي خطوة يمرّ فيها كل طالب يتقدم للدراسة ، وقد أصبح وعي تحسين قدري كبيرا ، بحكم سنهّ وتراكم خبراته قياسا بعمره ، ويذكر أن مدير مدرسته كان أمين أفندي وله معاون مغربي الأصل واسمه محمد علي ، ومن الصدف أن يكون أستاذ اللغة العربية في المدرسة الإعدادية ببغداد الشاعر العراقي معروف الرصافي ، ووصفه بأنه الشاعر الشهير ، وكان من زملائه من الطلبة بعض اللذين قادوا تاريخ العراق الحديث ، ومنهم رشيد عالي الكيلاني ، وحسن الكيلاني ابن السيد داؤود ، وعاصم الجلبي وهو الذي حاز مرتبة الأول على الصف ، وبالمقابل كان في المدرسة كلّ من توفيق السويدي وناجي شوكت ومزاحم الباجه جي ، ولكنهم كانوا أسبق من تحسين قدري بسنتين ، ويبدو أن تحسين قدري تذكر هذه المرحلة ، وأنها تركت في نفسه أثرا ، جعله يتذكر بعد كلّ هذه السنوات وهو يكتب مذكراته عام 1963 م ، بعض مواد الامتحان ، والمواد التي كان يدرسها وكانت باللغة التركية ، ويشير إلى انه لم يكن فعالا أو مشاركا في الأنشطة السياسية التي عرفها طلبة تلك المرحلة ، وأنه كان « منزويا « ..! تصوروا إذن أن تحسين قدري هذا عام 1905 م كان منزويا في بغداد ..! فهل خطر بباله أن يسأل إحدى العرافات عماّ يخبئه له القدر في بغداد بعد ستة عشر عاما وبالتحديد عام 1921 م ، وهل كان سيصدق أنه سيدخل مع الملك فيصل بن الحسين إلى بغداد ، ويلازمه في القصر الملكي بالرحاب ، ويصبح « طباخ الوزارات « العراقية ، وأنه سيشهد تتويج ملك سوريا الذي خطفت فرنسا عرشه في دمشق ، ليتوج ملكا على العراق ..؟ وهل كان سيصدق لو قيل له بأنه سيشرف على كل تشريفات القصر الملكي لسنوات وسنوات ..؟ هذه هي بغداد في أواخر العهد العثماني ، وهذا هو الطالب الدمشقي الذي عاش متنقلا في بلاد الشام مع والده العسكري ، والذي كان لا يحب الدخول في أي صراع سياسي مثل أقرانه ، وينزوي ليقرأ تاريخ العرب بشغف ...!.

لم يدم هذا الحال طويلا على تحسين قدري في بغداد ، فبعد أقل من عشرة أشهر أعيد نقل والده قدري إلى البصرة ثانية ، وكان مرض الملاريا ينتشر فيها بفعل عامل الرطوبة والحرّ الشديد ، فارتأت الأسرة أن لا تنتقل إلى البصرة من جديد ، فسافر الوالد إلى مهمته العسكرية التي لا يمكنه أن يرفضها ، في حين قامت الأم بخطوة عجيبة .. لقد حملت معها تحسين وعصمت وتوجهت إلى اسطنبول ، للسعي لدى السلطات المعنية لنقل زوجها إلى دمشق .. !

تحسين قدري في اسطنبول :

يبدو أن هذه الخطوة تؤكد بأن الأخ الأكبر زكي كان ما يزال في اسطنبول ، ومع أن مذكرات تحسين قدري لا تشير إلى هذا ، لأن زكي كان طالبا ، ومحطة اسطنبول هذه في حياة تحسين قدري كانت محدودة زمنا ، لكنها كانت جميلة وعجيبة ومليئة بالخبرات التي لم تمحوها الذاكرة ، واحتفظت في دهاليزها بصورة اسطنبول عام 1905 م ، فما الذي تذكره عن عاصمة الدولة العثمانية الجميلة جدا عام 1905 م ..؟

يقول بالحرف الواحد : ( سافرت بصحبة والدتي وأختي عصمت إلى اسطنبول للسعي في نقل والدي للجيش الخامس أو السادس ..) وهذه ملحوظة على جانب كبير من الأهمية ، فأن تسافر امرأة دمشقية وحدها وبصحبة ابنها وابنتها وهم في سن المرحلة الإعدادية ، لتسعى لنقل زوجها العسكري صاحب الرتبة الرفيعة من موقع عسكري إلى آخر ، مسألة تؤشر على قوة شخصية هذه المرأة ، وهي زوجة عسكري كبير في رتبته ، وأن تأخذ أبناءها معها ليدرسوا في مدارس اسطنبول وبلا مقدمات ، ودون أن نسمع أنها تعرف هذه العاصمة المدهشة الكبيرة ، وأن تحاول القيام بمهمة يعجز عنها الرجال .. فتلك مسألة تبعث على الاحترام الكبير ..ّ!

نتوقف عند حياة تحسين قدري طالب المرحلة الإعدادية في اسطنبول ، وسننقل كلماته من مذكراته ، يقول : ( سافرنا في باخرة روسية حوالي سنة 1905 م ، واستأجرنا منزلا في ضاحية « قاضي كوي « باسطنبول ، ودخلت مدرسة « وفاء « الواقعة داخل المدينة ، وكنت أقوم في الصباح الباكر وأترك البيت في الساعة السادسة لكي أركب الباخرة رقم 4 شركة مخصوصة ، وبعد الإبحار حوالي 45 دقيقة ، أصل إلى المرسى في اسطنبول ، وأكمل المسافة ماشيا لكي أصل إلى المدرسة في الساعة الثامنة ..! ) ولنا أن نتصور ما الذي يعنيه كلّ هذه الخبرات لطالب المرحلة الإعدادية ، وكيف استطاع التأقلم مع كلّ هذه المتغيرات ، ولا أدري إن كان الفصل صيفا أم شتاء ، ومن يعرف اسطنبول يعرف قسوة الشتاء فيها ورياحها الجليدية وبردها القارص ، ولا بدّ وأن نتذكر أنه انتقل من جوّ البصرة وبغداد والجو الحارّ شديد الحرارة ، والرطب شديد الرطوبة ، إلى جو اسطنبول التي تتمدد على شواطئ وتواجه البسفور والجبال الشاهقة التي تضمّ أجمل مواقع المصيف ، حيث كانت الأميرات البيزنطيات المترفات يتنزهن على ضفاف الجزر المطلة على قمم الجبال الغارقة في الخضرة .. ومع ذلك فإن تحسين قدري لم يتحدث بكلمة واحدة عن فترة تعليمه في اسطنبول ، ويبدو أنها كانت سريعة جدا ، ولكنها جميلة جدا أيضا ، ولكنه يختصر إعجابه باسطنبول بالقول : ( وفي مضيق إيجي كانت تقع البيوت الجميلة ، ولو بدأت في الكتابة عن

اسطنبول وجمالها القديم ، لما استطعت إيفائها حقها ..! ) .

رمضان في اسطنبول :

ومن أجمل ما كتب تحسين قدري ، وصفه لمظاهر شهر رمضان في اسطنبول ، ويبدو أنه قضي فيها أثناء إقامته التي لم تكن طويلة شهر رمضان ، وسنورد بالنص ما رآه في اسطنبول عام 1905 م والسلطان عندها هو السلطان عبد الحميد الثاني ، يقول :

( تصادفت زيارتنا مع حلول شهر رمضان والذي له طابعه الخاص في اسطنبول في ذلك الزمان ، ففي الجامع الذي يقع قرب نظارة الحربية « قيز قول سي « كان الباعة يغنون الألحان الجميلة لاجتذاب المشترين ، حيث يباع الكثير من المشهيات النقلية وأنواع البهارات ، وأذكر لحن « قرمزي يبر – بشيل يبر – دار شينده دار « وفي المساء كان أهل « بشكه سي « القريبة من سراي يلدز « قصر يلدز « ترسل لهم موائد طعام الإفطار ، ومن لم يصبه النصيب من الولائم السلطانية ، كان يشتري بالأسعار البخسة صينية الإفطار الكاملة بمنوعات الطعام الشهي ، أما أهل اسطنبول فكانوا في قمة التمدن ، ولهم طابعهم الخاص في المعيشة واللباس واللغة ونغمة الكلام والظرف والجمال والتربية البيتية والتقاليد الدينية ، وأصالة الأسر العريقة وغيرها .. أما لباس السيدات فكان جميلا للغاية واسمه « يشماق وجارجف « ويكتفي به في التستر ، بحيث يكون الوجه مكشوفا .. )

ويتوقف تحسين قدري عند مناسبة أخرى في اسطنبول وهي الاحتفال بليلة المعراج ، فيقول بوصف جميل جدا : ( في ليلة المعراج تذهب حاشية السلطان في موكب كبير يضم حوالي خمسا وعشرين عربة إلى ضاحية « دير كلر آرا سي « لزيارة ضريح والدة السلطان والصلاة في « مسجد « والدة سلطان جامعي « ، وكانت الجواري الحسان من أصول كرجية وشركسية والوصائف يلبسون اليشماق من التول الأبيض الرفيع ، ويظهرون الوجوه الجميلة والأعين البراقة التي توزع النظرات الجميلة ...) .

هذا ما تذكره تحسين قدري عن اسطنبول ، وهو وصف حيّ حقا ورائع ، ويبدو أن الإقامة في اسطنبول انتهت بسرعة ، لأن والدته ( توفقت في سعيها لنقل والدي ، ونتيجة لذلك عين مفتشا ورئيسا لديوان الحرب للجيش الخامس الواقع في دمشق آنذاك ..!! ) فهل تعلمنا الواسطة المتأصلة في سلوكنا الاجتماعي من هذه العلاقة الطويلة مع الأتراك ..؟

وهل يمكننا أن ننسى أربعة قرون طويلة من هذه العلاقات ..؟

أسئلة فيها نظر ، ومبررات لا أعرف كيف سنبقى نتذكرها ونمارسها ونحن في القرن الحادي والعشرين .. قرن استعادة تركيا لأحلامها الإمبراطورية وسطوتها علينا ....!!

المهم ، أن تحسين قدري رأى أجمل ما في اسطنبول ، وقدمه بوصف ذكي ، وأنه أسرع مع والدته وشقيقته عصمت بالعودة إلى دمشق ، حيث عاد الوالد قدري مفتشا ورئيسا لديوان الحرب للجيش الخامس بدمشق .. فإلى اللقاء في الحلقة التالية مع تحسين قدري بدمشق ثانية .. صحيح أنه وصف اسطنبول وصفا ساحرا ، لكن دمشق هي دمشق ، والشام هي « شام شريف « عند الأتراك .. فإلى دمشق في أواخر العهد العثماني ..ّ! .