د. فيصل غرايبة



تنبّه كايد هاشم بحسه البحثي المدرب على التعامل مع المصادر، إلى القيمة الثمينة لبعض النصوص التي توثق للمكان الأردني، في مرحلة تاريخية محددة، إضافة -كما تقول د.هند أبو الشعر- إلى أن لديه هاجس البحث الانتقائي والمتفرد، والذي جعله يتناول الرحلات إلى مراكز وكنوز المعرفة العربية، المحفوظة لدى الغرب من المستشرقين، ومن رواد النهضة الفكرية العربية، الذين تعاملوا مع المخطوطات العربية بأمانة وحققوها، في حين لم يقم باختيار مادته للرحلات بصورة عشوائية، إنما أحسن توظيفها واستقراءها وتقديمها.

وقد استوقفَنا بحث كايد هاشم في الرحلات العربية في منطقة شرقي الأردن، فقدم الصورة العربية للمرحلة وللمنطقة بعيون عربية، مقابل الصورة الغربية. وهو لم يغفل الهجرة العربية، وتحديدا هجرة أهالي بلاد الشام إلى العالم الجديد، لأنه يفتح نوافذ وأبوابا للقارئ العربي على رحلات العرب وهجراتهم، ويقدم ما أغفلته الدراسات السابقة، بلغة الباحث الرصينة والرشيقة، وبمقدرة طيبة على التحليل والربط.

لذا فالمؤلف يقول في البدء إن بين التاريخ والرحلات ما بين الإنسان والزمان والمكان من وشائج متينة، تفتح آفاق الدرس والتأمل واستشفاف العبر واستجلاء الحقائق، باعتبارها وسيلة استقراء ومفتاح استكشاف وتبصر في أحوال هذا العالم ، فينظر إلى تجارب الأسفار عند العرب، لا سيما في عهد النهضة العربية، والتي انطوت على الرغبة في إعادة اكتشاف الذات الحضارية، ودرء مخاطر الذوبان عن الهوية. لهذا أضاف دراسة حول أبعاد الترابط المكاني بين الحواضر العربية المتجاورة، متخذا العلاقة بين مدينتي بيت المقدس والكرك مثلا على ذلك، داعما لها بدراسة ظاهرة الهجرة إلى الأميركيتين عند أهالي شرقي الأردن.

ويفتح الباحث نافذته الأولى ليتتبع رحلات العودة إلى الجذور، متخذا من رحلات أحمد زكي ومحمد كرد علي إلى أوروبا نموذجا للبحث عن المخطوطات، التي يتشوق إلى الاطلاع عليها، مشيرا إلى مراحل في تاريخنا تضيء لنا مسالك انتقال العلوم والمعارف التي أنتجتها الحضارة الأسلامية، من شرق العالم إلى أقاصي غربه، بدءا من المرحلة الأندلسية والوجود العربي في صقلية وجنوب إيطاليا، التي تحدث فيها الكتّاب الغربيون (مثل غوستاف لوبون) عن فضل المشرقيين على الإنسانية جمعاء، وليس فقط في انبعاث الحضارة الأوروبية الحديثة وعصر النهضة. إذ يقرر»لوبون» بأنه لم يظهر في أوروبا قبل القرن الخامس عشر للميلاد عالم لم يعوِّل على كتب العرب؛ بل كان التعويل على كتب العرب وحدها. وإذا دلف هذا الكاتب المدقق إلى المرحلة الثانية التي تمثلت بالحروب الصليبية فإنه ينظر إلى التعايش بين العرب والمسلمين من جهة والفرنج الغزاة من جهة أخرى، فيرى أنواعا من الاتصال الثقافي والفكري انعكست آثاره على أوروبا. ثم جاءت الحركة الإنسانية في أوروبا فوسّعت تلك الدراسات من خلال اهتماماتها السياسية والتجارية، في المرحلة التالية التي دعتها بالدراسات الإسلامية. ورافق الحركة الاستشراقية الأوروبية تطورٌ في العلاقات بين الشرق والغرب، وبرزت فيها حركات عبور المخطوطات العربية، كظاهرة تميز الزمن الحديث بواسطة التجار والرهبان والدبلوماسيين والرحالة والمغامرين، في الوقت الذي لاقت فيه ذخائر ذلك التراث الهوان بين أهلها وفي مواطنها بعد أفول شمس العلوم والمعارف عن الحواضر العربية.

كانت هذه الممارسات ناتجة عن تردي الأوضاع الثقافية والاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية ضمن نفوذ الإمبراطورية العثمانية، مقابل ما كانت تلقاه من عناية المستشرقين في أوروبا بعد انتشار الطباعة، وكان من نتائج الوعي المتنامي أن أحسّ المثقفون العرب بوجوب إبراز عظمة بلادهم وإشراق تاريخهم ورقي ثقافتهم وجلال حضارتهم.

وينهي الباحث تشخيص الحالة العربية آنذاك بالقول إن مهمة السعي لاكتشاف ذاتنا والبحث عن جذورنا لم يحمل عبئها الأمّيون الذين يعيشون بعقلية الماضي؛ وإنما نهض بها عصريون مجددون، ممن اتصلوا بالغرب الحديث أوثق اتصال، ونهلوا من موارد ثقافته.و كذلك فيما بعد عندما شرع عدد من المثقفين والمتعلمين المتنورين في تكوين مكتبات خاصة بهم تضم مجموعات كبيرة من المخطوطات العربية وأحيانا غير العربية، منهم: رفاعة الطهطاوي وأحمد تيمور (الخزانة التيمورية)، وأحمد زكي (الخزانة الزكية)، وعيسى معلوف (الخزانة المعلوفية)، وآل الخالدي في القدس (الخزانة الخالدية).

أما محمد كرد علي فقد رأى أن العلم هو «أول بضاعة يجب علينا أن نستبضعها من الغرب، وأن لا غضاضة على الشرق أن يرحل باحثٌ في شؤونه حبّاً بإتقان عمله إلى غير أهله وبلده»، مشيرا إلى «الدين» كمبعث أولي لحركة الاستشراق الغربي، كما كان في معظم بلاد أوروبا، ثم امتزج العامل الديني بالميل إلى المدنية، إلى أن امتزج العاملان باسم الاستعمار، وهنا ندرك أن هذه التجارب كانت جزءا من الامتداد التاريخي للأمة في سلسلة نهوضها التي لم تنفصل حلقاتها الواحدة عن الأخرى، وأنه لا بد أن تتصل الآن حتى تتمكن الأجيال العربية الحالية والقادمة من أن تعي إنجازاتها قبل أن تقف وقفة الند للند إزاء الآخرين.

ويطل المؤلف من النافذة الثانية على رحلة أحمد زكي إلى القدس، والتي كانت بحق رحلة فريدة إلى فلسطين وبيت المقدس وإلى المسجد الأقصى بوجه خاص، وقد كانت فلسطين وبلاد الشام وجهة أثيرة له ولبحوثه في رحلاته العلمية. إذ إن للمسجد الأقصى حرمة قدسية في قلوب المسلمين، وله لدى العرب وغير العرب مكانة ممتازة من الوجهة الأثرية، مثلما يشغل منزلة كريمة من الناحية التاريخية. ولعل أجمل ما في المسجد الأقصى من المباني وأبدعها وأعجبها وأغربها، تلك القبة التي شادها عبد الملك بن مروان على الصخرة التي يقدّسها المسلمون، وقد جاد الزمان على الرحّالة المؤرخ محمد كرد علي، بفرصة لم يهتبلها غيره، وساعفه الحظ الذي قد لا تتوافر أسبابه لأحد من بعده، فكيف لا يطمع في الوصول إلى ذاك المدى، وقد صار منه قاب قوسين أو أدنى؟ وبعد أن تنفس الصعداء، صعد فأشرف بالفكر على الطور وعلى البحر المسجور. وللتوضيح فإن الطور جبل مقدس في شبه جزيرة سينا، وأما البحر المحبوس فينطبق على البحر الأحمر لانحباسه بين برزخ السويس وبين مضيق باب المندب.

يطل كايد هاشم من النافذة الثالثة على رحلات عربية في شرقي الأردن، ويختار منها للتمعن رحلات محمد كرد علي نموذجا، إذ يأتي كرد علي بتفاصيل لافتة ومستقصية، ويدرس بالمشاهدة والملاحظة والاختلاط بالناس أحوالا من هذه الحياة وجوانب مهمة من تاريخ التغييرات في حياة المجتمع الأردني في ذلك العهد، كما استطرد إلى إبداء رأيه في ما يراه خيرا للبلاد وأهلها، ونهوضهم الاقتصادي والعمراني، وينبه الحكومة إلى فوائد العناية بالسكان.

وعندما يقتطف هذا الكاتب من رحلات جمال الدين القاسمي إلى عمّان والسلط ووادي شعيب والغور، ورحلة الخوري بولس سلمان إلى ربة بني عمون، يستخلص أن ما يطرب له قلب الزائر في رحلاته العلمية بين تلك الأمصار، أنه يعثر على أسماء المدن القديمة بلفظها وحروفها، كما نطق بها القدماء أنفسهم وسطرها مؤلفو الكتب، ومن أقدم تلك المواطن عهدا وأوفرها آثارا ربة بني عمون، التي حلت محلا رفيعا في الأجيال الماضية، ودام عزها ومجدها حينا طويلا، تُنازع غيرها من المدن المشرقية الكبرى. كما إن المدينة العليا من الربة تحتوي على بديع الأطلال ورفيع الأبنية. ويعود المؤلف إلى محمد كرد علي في رحلته إلى المدينة المنورة، والذي نوه عن مروره في البلقاء، ورأى فيها العمران والسكة الحجازية وأعمال الكرك، وأبهر بالإنجاز العربي الصخري (بترا)، ويتبتل: «سبحان من أنشأ هذا الصخر هنا منقطع النظير، ورزق بانيه يداً تتفنن في تقطيعه ونقره، بما فاق به البناة في سائر عاديات الشام. إنها عظمة الديّان إلى جانب عظمة الإنسان».

وينظر مؤلف الكتاب على أعلام من الكرك في بيت المقدس من النافذة الرابعة، وليركز على الحركة العلمية والفكرية في الكرك الأيوبية والمملوكية خصوصا. وإذا ما انتهى من التحديق من خلال نافذته الخامسة والأخيرة، فإنه يستنتج أن الصورة في مخيلته وإن لم تغب، فإنها لم تستطع أن تُضعف أواصر العلاقة في إطارها الواسع، وهي القائمة حتى اليوم على البعدين الروحي والثقافي، بما يفيضان به من ترابط وجداني وتلاحم إنساني مصيري في مضمار الحضارة. ثم يتحدث عن رحلات الرواد الأردنيين الأوائل إلى أميركا، ويدور البحث في وجه من وجوهه حول المهاجرين من لبنان وسوريا -وهم الأكثر عددا- وبدرجة تالية من فلسطين ومناطق عربية أخرى. وتبرز هنا مِن أعمال سابقيه، محاولة الأديب يعقوب العودات «البدوي الملثم» (1909-1971) لاستطلاع ملامح هجرات الأردنيين إلى أميركا اللاتينية، ومحاولة د.سعد أبو دية عن موقع الأردنيين بين المهاجرين السوريين لأميركا والموصوفين بصانعي الأساطير (1911-1913)، فيما كان الأردنيون أمقت الشعوب للهجرة وأقلّهم إقبالا على الغربة؛ إذ كان القدامى منهم ينظرون إلى من يهجر وطنه ويفارق عشيرته وأهله نظرة تشفٍّ عن احتقار وازدراء.

ويختم كايد هاشم حديثه بهذا الصدد بالإشادة برواد المثقفين المهاجرين. ومن أبرزهم: عقيل أبو الشعر الذي وُلد في الحصن عام 1893 وهاجر إلى أقاصي الغرب، لكنه عاد بعد حين إلى بلده واستمر في الكفاح القومي ضد الهيمنة الاستعمارية وضد الصهيونية وخدمة الحياة الوطنية.و كذلك محمد بطاح المحيسن (1888-1943)، ابن مدينة الطفيلة، الذي أسس مطبعة وصحيفة عربية باسم «الصراط»، وأصدر مع عبد الحميد شومان، صحيفة عربية أخرى باسم «الدبور». ويبدي المؤلف هنا ملاحظة عن أن من يقرأ قصة حياة المحيسن يدرك بوضوح مبلغَ الأثر الفكري لتجربة الهجرة في مواقفه السياسية والوطنية.

كان ذلك جهد كايد مصطفى هاشم الذي يمثله كتابه المعنون «نوافذ مشرقية.. من التاريخ والرحلات» والذي صدر ضمن منشورات وزارة الثقافة الأردنية (2017)، وهو محاولة إسهام متواضعة على طريق البحث عن جانب من التاريخ الوطني الأردني الحديث، الذي ينبغي أن تلتفت اليه مؤسساتنا المعنية بالبحث، وتعمل على كشف محتواه ومجرياته، وكذلك رصد أثر الرحلات والهجرات الأردنية إلى الخارج وانعكاساتها على تطور وعي المجتمع وحراكه. وبانتفاء ذلك يتم عزل أحد العناصر الطبيعية لأي مجتمع حي في حاجة إلى التواصل مع المحيط والنزوع إلى التجدد والتجديد، حينما يهدد هذه الطبيعة موات من نوعٍ ما بسبب ضغوطات شديدة، وهذا ما سعى كايد لتصويبه في مسار البحث العلمي التاريخي. وهذا ما كان مثابرا عليه كهدف وكمنهجية في إصدارته السابقة من كتب وأبحاث وأوراق علمية.