فراس حج محمد *

تعرّف الرّواية بأنّها «متخيّل سردي» يستدعي طرفَي المعادلة الرّوائية الموزّعة ما بين القصّة والخطاب، ومقوّماتهما الفنيّة، لتقوم البنية السّرديّة صانعةً نفسها وحاملةً رسائلها وقيمها التي تتغياها، وعليه ربما لا يُنظر إلى الموضوع بوصفه مادّة أوليّة لصنعة الرواية نظرةً فنيّة خالصة دون تلك الصّنعة وتقنيّاتها، فكلّنا نعيش الحكايات ونرويها بفطرتنا، ولكن ثمّة شخص بارئ الحكاية بطريقته الجماليّة وأساليبه الفنيّة، ذلكم هو الروائي الذي يتشبث بتقنيّات صنعته، ليقول ما نعرف بطريقة مدهشة، تجعلنا ننتبه إلى أنّنا لم نسمع بهذه الحكايات من قبل.

في هذه الوقفة سأحاول زعزعة يقين القراءة إلى فضاء من التّفكيك، موضحاً البناء الرّوائيّ لرواية «الموتى لا ينتحرون» للرّوائي الفلسطيني سامح خضر (الأهلية للنشر والتوزيع عمّان، 2016)، فما هي معالم ذلك البناء الذي حمل موضوع «زنى المحارم»؟ موضوع قد يوصف عادة أنّه من دائرة «المحظور» الحديث فيه، أو المسكوت عنه.

فهل كانت قصّة «حياة» هي القصّة الوحيدة في المجتمعات العربيّة، أو المجتمع الفلسطينيّ؟ إنّ الأمر مقلق حقاً أن يتحوّل الموضوع إلى ظاهرة روائيّة، لأنّ ذلك يعني أنّه أصبح ظاهرة اجتماعيّة، فقد زادت حالات العنف الجسديّ والتّحرش الجنسيّ ليس فقط من الأباعد والأصدقاء، بل من الأقارب أيضاً. ولكن ما يعني القراءة هنا ليس البحث عن الأسباب الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة التي تدفع إلى مثل هذه الظّاهرة وإن بيّنت الرّواية جانباً مهمّاً من هذا، بحكم البيئات الاجتماعيّة القرويّة والتّحكّم السّلطويّ للرّجل المسيطر على العائلة، وما يستدعيه من تحكّم اقتصاديّ، مما يجعل المرأة ضحيّة اعتداء جنسيّ متكرّر عليها، وما يتبعه ذلك من مآسٍ وآلام نفسيّة على الضّحيّة قد تسبّب لها مرضاً نفسيّاً يستدعي العلاج الطّويل، أو ربما قد تفكّر بالانتحار كما حدث مع «حياة»، ولكن وصول الضّحيّة إلى حالة من الموت تجعلها لا تنتحر، لتموت مرّتين.

في هذا الجزء من الرّواية لا بدّ أن يستعين الرّوائي بنظريّات علم الاجتماع وبنظريّات العلاج النّفسي ليكون بمقدوره تحليل الظّاهرة اجتماعيّاً والبحث في أسبابها ونتائجها، وكذلك لا بدّ له أن يستعين بوسائل الطّب النّفسيّ وعلومه وأساليبه ليستطيع تقديم «متخيّل سرديّ» مقنع، وهذا ما لجأت إليه هذه الرّواية، إذ اعتنى المتن الروائي بذلك عناية متأنّية، مبرزاً كلّ تلك التّوجّسات والخواطر والتّخوّفات التي تلاحق الضّحيّة التي لا تريد أن تفضح نفسها أمام شخص غريب مرّة أخرى.

هذا مأزق موضوعيّ فنّيّ استطاعت البنية النّصيّة تجاوزه عبر تقنيّة سرديّة، ابتعد فيها الرّوائيّ عن استخدام الأسلوب الشّائع في القصّة، فلم يروِ عن الشّخصيّات، بل جعل كلّاً منها تروي قصّتها بنفسها، واكتفى الكاتب بأن يلعب دور المستمع الجيّد للضّحايا، تاركاً لهم حريّة الحديث والتّعبير، سواء في ذلك «شروق» التي فقدت صغيرها ذات حادث غرق بحريّ، أو في حديث «حياة عن مأساتها وروايتها من ألفها إلى يائها دون أيّ تدخّل من الكاتب، وكذلك حكاية «إياد» ذلك المقاتل الفتحاويّ الذي انتهى به المقام لاجئاً مجرّداً من فلسطين وبندقيته وأحلامه.

وفي هذه التّقنيّة التي اتّبعها الرّوائي في بناء النّص السّرديّ نوع من التّجريب القائم على احترام كينونة شخصيّاته، والتّعامل معهم تعاملاً حرّاً، كأنّه خلقهم، وترك لهم حرّيّة تقرير مصيرهم بأيديهم، وفي هذا ابتعاد واضح عن كلاسيكيّة البناء الرّوائيّ الذي كان يظهر فيه الرّوائي، غالباً، عليماً متحكّماً، يمارس سلطة أبويّة على شخصيّاته، فلم يظهر السّارد كلّي المعرفة الذي يعلم عن شخصيّاته كلّ شاردة وواردة حتّى ما تفكّر فيه. لقد ماتت سلطة الإله الرّوائي في رواية «الموتى لا ينتحرون» لتحلّ محلها سلطة الذّات المسؤولة عن تصرّفاتها وتخلق أفعالها السّرديّة بذاتها، محقّقة «ديمقراطيّة» من نوع ما، بالإضافة إلى أن هذا الشّكل من البناء السّرديّ المعتمد على السّرد بضمير «أنا» يستدعيه ما يتطلبه الموضوع، فالشّخصيات التي تحدّثت عن نفسها، كانت تروي حكايتها وتعبّر عن أوجاعها، وكأنّها كانت تداوي نفسها بنفسها وهي تتحدّث عن ذاتها لذاتها أو لغيرها عبر ثلاثيّة الأشخاص الثّلاثة الفاعلين (شروق وحياة وإياد) ومعهم الدكتورة كلوديا، الطّبيبة النّفسية، وبذلك يجد الدّارس نوعاً من التّوافق بين الموضوع وحساسيّته وبين طريقة الخطاب السّرديّ.

لقد انعكست هذه «الدّيمقراطيّة» السّرديّة أيضاً على الزّمن في الرّواية، الذي جاء مقطّعاً ومتداخلاً بين الماضي المستدعى بمرارة وبين حاضر متأرجح بين المرارة ونسيان الماضي واقتناص لحظة فرح، ثمّة تقطيع يتناسب والشّخصيات التي أصابها العطب النّفسيّ، فثمّة مُشاهد آنيّ يثير الوجع، فترتدّ الشّخصيّة للحديث عمّا يناقضه أو يماثله في ماضيها، ولأنّ الرّواية تحكمها شخصيّاتها وليس الرّوائي المتجبّر العليم بكلّ شيء، لم يوحِ بالأحداث المستقبليّة، فكانت الأحداث تكشف عن نفسها من دون أي إشارة سابقة، ليصل القارئ إلى حد الدّهشة وترقّب الخطوة التالية، وصولاً إلى المفاجأة الصّادمة التي كشفت عنها الرّواية دفعة واحدة، وهي موت «سناء» التي وُجدت مقتولة عند البئر، هذا المصير الذي كان ينتظر «حياة» لو بقيت، لتصبح «سناء» هي المكمّلة للسّيناريو الآخر لبقاء «حياة» تحت رحمة الاغتصاب والعنف الجسدي المتكرّر.

لقد بدأت الرّواية غامضة مفتوحة على المجهول، مجهول «حياة» الضّحيّة المطرودة من بيتها، وانتهت بصدمة الموت المفتوحة على تناسل الضّحايا، وما دام أنّ المواضعات الاجتماعيّة هي هي، وما زالت السّلطة كما هي، فلن يتغيّر المجتمع، وسيظلّ المرض متفشّياً ويحفر في النّفس آلامه التي لا تنتهي.

*كاتب فلسطيني