د.أيوب أبو دية

من الصعب الإجابة عن هذا السؤال من دون الرجوع إلى تجارب الأمم الناجحة في هذا المجال. لذا، أبدأ من تجربة اليونسكو في إعداد «دليل الفلسفة: حوار جنوب-جنوب»، المتوافر على هيئة ملف يمكن تنزيله تحت عنوان

(UNESCO / Philosophy Manual: a South-South Perspective).

والمقصود منه «رؤية فلسفية من منظور أهل الجنوب إلى فلسفتهم الخاصة»، والذي صدر في عام 2014 بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة الذي يصادف في شهر تشرين الثاني من كل عام.

واحتفالاً بهذه المناسبة نظم منتدى الفكر العربي أمسية حوارية حول إدخال تدريس الفلسفة ضمن مناهج التربية والتعليم؛ وفي ضوء الحوار الذي تم يمكن إلقاء الضوء على بعض التجارب ومنها تجربة اليونسكو ومنهاج البكالوريا الدولية كمقترح لتجارب عملية.

تستخدم اليونسكو نمطاً في التعليم للفكر الفلسفي بتقديم نماذج من أعمال مفكرين، كابن رشد مثلاً، وذلك بتقديم المفكر في مكانته التاريخية بوصفه «ابن عصره وربيب زمانه»، ثم يتبعه تقديم للنص الفلسفي نفسه والظروف الموضوعية التي استلزمت كتابته، بعدها تقدم نصاً مختاراً من عمل الفيلسوف وتضع شرحاً مطولاً عليه، وأخيراً تطلق مجموعة من الأسئلة للتفكير في النص وإعمال العقل فيه.

هذا هو منهج «دليل الفلسفة» الذي صدر عن اليونسكو. فهل هو مناسب للتدريس في بلادنا؟

ربما يكون كذلك، ولكن لا شك أن هناك مَن هم أكثر منا معرفة وخبرة تربوية في إمكانية الحكم على احتمالات نجاح هذا النمط في التعليم، ولكننا نعتقد أن منهج البكالوريا الدولية لا يقل أهمية من حيث أنه يطرح أسئلة فلسفية في جميع حقول المعرفة، ويقوم على طرح المشكلة الفلسفية ولا يميل إلى تدريس تاريخ الفلسفة. وربما نسجل موقفاً هنا في مواجهة تدريس تاريخ الفلسفة على نمط كتاب «عالم صوفي» مثلاً، لمؤلفه جوستاين غاردنر، النرويجي الذي ذاع صيته في العالم. وبصفتي مستشاراً أكاديمياً لمنهاج البكالوريا الدولية قمت بالتوصية بإدخال هذا الكتاب بالإنجليزية لطلبة الصف العاشر لسنوات عدة، واتضح لنا أن الطلبة كانوا يحفظون الوقائع ولا يتفاعلون معها تماماً. كذلك أدخلنا دراسة المنطق، ولم نلحظ أي تأثير للتغير في منطق التفكير، إذ يبدو أن طبيعة تركيبة العقل منطقية بالفطرة، وتعليم قواعد الاستدلال والاستقراء والخطأ والصواب موضوعات صورية لا علاقة لها بالواقع.

إذن، هل خيار اليونسكو في تدريس الفلسفة هو الخيار الأنسب؟

لا شك أنه خيار مقبول، لكن تجربة البكالوريا الدولية مهمة أيضاً، إذ تقوم على تجربة مختلفة وهي منهجية جديرة بالاعتبار. فأولاً هناك تخصيص لمادة اسمها «نظرية المعرفة» (Theory of Knowledge)، ومهمتها تعريف الطالب بأدوات المعرفة التي يمتلكها، وهي العقل والحدس والمخيال واللغة والعاطفة والاعتقاد والذاكرة وما إلى ذلك؛ كما يعرفون الطالب على موضوعات المعرفة مثل العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والرياضيات والتاريخ والدين والفنون وما إلى ذلك، وأخيراً يطلبون من الطلبة تقديم بحث في 1600 كلمة يخضع لقواعد منهجية صارمة للإجابة عن أحد ستة أسئلة تصدر سنوياً بعناوين جديدة وتربط طرائق المعرفة بموضوعات المعرفة، بحيث يتم تقييم هذه البحوث خارج الأردن.

إن هذه التجربة البحثية رائعة من حيث أنها تحضّر الطالب للجامعة. ومن خبرتي في التدريس في العديد من الجامعات لم أجد بحثاً عند مستوى البكالوريس يصل إلى مستوى هذه الأبحاث إلا نادراً؛ وهي مهارة ضرورية للطلبة الجامعيين لتعلم كتابة الأبحاث والتعرف إلى شروطها المنهجية.

وفي جانب آخر، تضع البكالوريا الدولية أسئلة فلسفية في كل مادة من المواد الأساسية، كالفيزياء والأحياء والتاريخ واللغات... إلخ، حيث توضع أسئلة فلسفية للتفكير في نهاية كل فصل، فمثلاً تُطرح أسئلة في التاريخ على غرار: هل توجد قراءة واحدة للتاريخ، ولماذا؟ وكيف يمكننا أن نتحقق من واقعة تاريخية محددة؟

وفي اللغة: هل تتطور معاني المفردات، ولماذا؟ وما أثر ذلك في التأويل وفهم النصوص؟ وما هي أوجه التشابه البنيوي بين لغات العالم؟

وفي الفيزياء: ما هو دور المخيال في الاكتشاف العلمي؟ وكيف يختلف التنبؤ في العلوم الطبيعية عنه في العلوم الاجتماعية، ولماذا؟

وفي الرياضيات: هل تم اكتشاف القوانين الرياضية أم تم اختراعها؟ وما مدى عكس الرياضيات للواقع؟

وهكذا تدخل الفلسفة والتفكير النقدي في جميع موضوعات المعرفة ولا تعود مستقلة بذاتها، فتنزل من برجها العاجي لمعالجة مشكلات الواقع، إذ نقترح أن يتم إدخال التفكير النقدي في المناهج لتحفيز العقل للتساؤل؛ وهذه الممارسة هي بنفسها فعل فلسفي مهم لتطوير العقل لإدراك حدود معرفته وإدراك نسبية الحقيقة وبالتالي تهيئة العقل لقبول الآخر مهما اختلف عنه.

ويستدعي إنجاح ذلك كله أن تكون لغة المعلم والطالب كليهما سليمة من حيث القواعد والنطق كي يكون الفهم ممكناً، وأن يتم إعادة تأهيل المعلم والمدرسة من حيث توافر الأدوات التعليمية المناسبة. فإذا لم يستوعب الطلبة أهمية اللغة وتطور المعاني عبر التاريخ فإن الجميع سيسقطون في فخ «لعبة اللغة» التي تحدّث عنها فتجنشتاين، فنغدو كأبناء برج بابل الذين باتوا يرطنون بلغات لم يفهم أحدهم من الآخر شيئاً منها.