هديل الخريشا

صدر عن مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي في لندن، كتاب وثائقي يحمل عنوان «ديوان رسائل الصّابي»، من جمع وتحقيق ودراسة المؤرخ والأكاديمي العراقي د.إحسان ذنون الثامري.

ويضم الكتاب 419 رسالة تعود للعصر العباسي الثاني، وعلى وجه الخصوص عهد سيطرة البويهيين على الخلافة العباسية وتحكمهم بالدولة، وقد كتبها واحد من ألمع كتّاب القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد، هو أبو إسحاق إبراهيم الصّابي (ت. 384هـ/ 994م). وهذه الرَّسائل هي رسائل ديوانية (رسميّة) صادرة عن الخلفاء العباسيين، وعن الأمراء البويهيين الذين تمكّنوا من اجتزاء كثيرٍ من بلدان المشرق الإسلامي، واقتطاعها من سُلطة الخلافة، واستطاعوا سَلْب الصَّلاحيات الدُّنيوية للخليفة العبّاسي، والتحكّم بمقدّرات الدَّوْلة.

وتُظهر هذه الرَّسائل نظرة البويهيين لفكرة الدَّولة، وفلسفتهم الإدارية، وإجراءاتهم الاقتصادية والإدارية والسياسية والعسكرية والعمرانية، وعلاقاتهم بالخلفاء والناس وببعضهم بعضاً، وكثيراً من تاريخهم الاجتماعي والثقافي.

وتعدّ رسائل الصّابي أوعيةٌ حافظةٌ لكثيرٍ من المادّة الأوليّة التي تُساعد في دراسة تاريخ الدَّوْلة الإسلامية في عَهْد التسلّط البُوَيْهي (334-447هـ/ 946-1055م)؛ والصّراع بينهم وبين مؤسّسة الخلافة والقُوى المحيطة، والتنافس الداخلي البُوَيْهي؛ ففيها ما يُفصح عن مُراسلاتٍ سياسية، وتنظيماتٍ اقتصادية، وإجراءاتٍ إدارية. وفيها وثائق وعُهود وكُتب تكليفٍ وتقليدٍ للوظائف الكُبرى. كما إنّ بها مادةً حضارية ذات أهميةٍ بالغة يُمكن أن تُوظّف في كتابة التّاريخ، وفهْم بعض جوانبه خلال حُقبة البُوَيْهيين.

والرَّسائل الإخوانية -التي لم يخلُ منها الكتاب- بما فيها من أغراض التهنئة والتعزية والشكر والعتاب والشفاعات والاستعطاف، تشكّلُ انعكاساً لمنظومةٍ من العلاقات الاجتماعية، بصرف النظر عن مدى صِدْق عواطفها ومشاعرها.

تكمن أهمية هذه الرَّسائل في حفظها مادّةً موثّقة من العَصْر الذي كُتبت فيه؛ فهي مصدرٌ أصيلٌ يوثّق لكثيرٍ من مَفاصل التّاريخ والحضارة، وعلى صُعُد الحياة اليَوْمية للمجتمع كافة. ولا يخفى على الباحثين أنّ هذه الرَّسائل بأسلوبها الأدبي واللُّغوي والبَلاغي تشكّل أحد المقاييس المهمّة لدراسة تطوّر الكتابة الفنية في تاريخ الأدب العربي، وللمساهمة في فَهْم تاريخ المصطلح التاريخي والفنّي. وغنيّ عن القول إن لكلّ رسالةٍ -رَسْميّة كانت أم شخصية- أهميةً خاصّة من حيث الحدَث والحيثية والموقف.

كان الصّابي ذا مَوْهبةٍ أدبيةٍ ولُغويةٍ عالية، وله قدرةٌ على التأنّق في فنّ الكتابة، جعلته في مَصافّ أهم البُلغاء في تاريخ الثقافة العربية، كما كانَ ذا موهبةٍ إداريّةٍ كبيرة، جعلته قادراً على تدبير شؤون الملك والتعامل مع الجند وحفظ الأموال وتسيير البلاد، فقد كان مؤهّلاً بخبرة وإدراكٍ سياسيين، وحكمةٍ ظهرت في رسائله وأقواله. وفي رَسائله ما يدلّ على علمه بالفلك والنجوم والمواقيت والسّاعات الشمسية والمائية (المزولة، الرخامة، الفنجان) والاصطرلاب. وكذلك بالهندسة ومصطلحاتها، وكان معلّق القلب بالمسائل الهندسية كما قال عن نفسه. وقد مكّنته ثقافتُه الواسعة ومَواهبُه المتعدّدة من حِيازة ثقة الخلفاء والأمراء والوزراء، فتولّى ديوان الرَّسائل للخليفتين المطيع لله والطائع لله، بالإضافة إلى الأمراء البُوَيْهيين؛ فكتب عنهم، وعبّر على لسانهم ما أدّى الغرض.

ينتمي الصّابي إلى طائفة الصّابئة المندائيين التي تضرب جذورها في عمق التاريخ العراقي، وفي جنوب العراق على وجه التحديد. وقد أطلق عليهم العربُ اسم «المغْتَسِلة» لأنهم يسكنون على ضفاف الأنهار لتسهيل التطهّر في الماء الجاري، كما هي سنّتهم، ويغسلون جميع ما يأكلونه. وهؤلاء هم أُصول الصّابئة المنْدائية الذين ما تزال بقاياهُم ماثلةً إلى اليوم في بعض أنحاء جنوب العراق والأحْواز. وللصّابئة المنْدائيين كتابٌ مقدَّس اسمه «كِنْزارَبّا»، تُرجم للعربية لأوّل مرّة سنة 2000، وصَدَر في بغداد.

ورغم بقاء الصابيّ على دينه، إلّا أنه كان على علاقةٍ حَسنة بمَن حوله من المسلمين، يُحسن عِشرتهم، ويتعامل معهم كواحدٍ منهم، يصومُ رمضان معهم مُسايَرةً لهم، ويحفظ القرآن الكريم حفظاً يدور على طرف لسانه، ويقتبس منه الآيات، وبُرهان ذلك في رَسائله يحلّي فيها كتابته. قال القَلْقَشَنْدي عند الحديث عن تَضْمين الكلام بعض آي القرآن: «وأكثر مَشْي الصّابي في كتابته على هذا الأسلوب»، وقال هو نفسه في إحدى رَسائله: «وهو أولى ما أذكرته واحتججت بأحكامه».

توفّي أبو إسحاق الصابيّ يوم 13 شوال سنة 384هـ/ 20 تشرين الثاني 994م، بعد أنْ تهتّكت حالُه، وانخفض أمرُه، وقد قارَب التسعين من عُمُره، ودُفن في الجُنَيْنَة المجاورة لمقبرة الشُّونيزي بأرض كَرْخايا ببغداد.

واكتشف د.إحسان الثامري أن اسم والد أبي إسحاق صاحب الرَّسائل (هِلِّيل) وليس (هلال) كما هو معروف، وقد أثبت ذلك بعد أن أوضحه بالشواهد والدلائل، وذلك في المقدمة الضافية التي كتبها للتحقيق. كما استعرض في مقدمته التي قاربت سبعين صفحة، رحلته مع الصّابي ورسائله، وبيّن فيها العلاقة بين الخلافة العباسية والمتغلبين البويهيين، إضافةً إلى تاريخ أسرة آل زهرون الصّابئة، وأوضح طريقة عمله وما قام به في سبيل إخراج هذا الكتاب، ومنهجه في التحقيق. واستعرض الأصول الخطية التي حصل عليها، وهي ليست مكررة، وما أضاف إليها من المصادر المخطوطة والمطبوعة. وقال إن ما تجمع لديه بعد الجمع والفحص والنظر 419 رسالة، يُمكن تمييزها وفق محاور رئيسة أربعة: ما صَدَر عن الخلفاء العبّاسيين، ما صَدَر عن الأمراء البُوَيْهيين، ما صَدَر عن الوزراء وبعض رجال الإدارة، وما صَدَر عنه نفسه. وهي جميعها في المحورَيْن المعروفَيْن للرَّسائل: الرَّسْمي والشخصي أو ما يُعرف بالدّيواني والإخواني.

يُذكر أن المحقق ألحق الكتاب بثلاثة ملاحق وضع في أولها نصوصاً نثرية لأبي إسحاق تفيد في دراسة أسلوبه وفكره. وأورد في الملحق الثاني أسماء وزراء البُوَيْهيين المذكورين في الكتاب وكُتّابهم ممن يجرون مجرى الوزراء، وأمام كلّ منهم تاريخ وفاته، ليرجع إليه القارئ حين الحاجة. أما الملحق الثالث فوضع فيه نصوصاً تاريخية من المصادر الأولى عن مُعتقدات الصّابئة وعباداتهم وطُقوسهم وهياكلهم وأعيادهم تكمل معرفة القارئ عن هذه الطّائفة.

وقسم الثامري الكتاب إلى جزأين، جعل في الأول منهما: الرَّسائل السياسية، ورَسائل التهاني، ورَسائل التعازي. وبدأ الثاني بالرَّسائل الإدارية، ثم وضع رَسائل الشفاعات والرَّسائل الشخصية والرَّسائل المتفرقة.

وكان الثامري قد نشر قبل هذه الرَّسائل: «الدرر والغرر»، وهي رسائل أبي الحسين الأهوازي (توفي بعد 436هـ/ 1044م)؛ «منية الراضي برسائل القاضي»، وهي رسائل منصور بن محمد الأزدي الهروي (ت. 440هـ/1048م)؛ «رسائل الشيرازي»، وهي رسائل عبد العزيز بن يوسف (ت. 388هـ/998م)؛ «رسائل العَميدي» (ت. 433هـ/1041م)؛» المختار من رسائل الصاحب ابن عباد» (ت. 385هـ/995).