ما إن يثار موضوع الهيئات المستقلة حتى تعلو فورا الأصوات المنادية بتقليص عددها أو دمجها وإلغائها كليا إنطلاقا من انطباع سائد بأن كثيرا من الهدر يترتب على وجود هذه الهيئات في ظل هذه الظروف الإقتصادية الصعبة التي يمر بها وطننا.

ولاشك أن هذه الهيئات تعاني من صورة سلبية تشكلت عنها لدى الرأي العام، مع أن كثيرا من أجزاء هذه الصورة قد تكون غير صحيحة أو مبالغ فيها أو حتى لاعلاقة لها بالواقع، فقد أخضعت هذه المؤسسات لنظام الخدمة المدنية منذ خمس سنوات، كما حددت سقوف المكآفات وبدلات التمثيل في عضوية مجالس الإدارات.

إن هذه الصورة السلبية هي نتاج سنوات سابقة من ممارسات كانت تنشأ فيها الهيئات في بعض الأحيان وفق قياس أشخاص بعينهم، وكانت الرواتب في عدد من هذه الهيئات تصل إلى أرقام فلكية تتقزم أمامها الرواتب الحكومية.

ورغم أن هذه المارسات انتهت أو تراجعت إلى حد كبير بعد أن تم بالفعل دمج بعض هذه الهيئات، إلا أن الصور النمطية تقاوم في العادة عوامل الزمن وكثيرا ما تحل حتى محل الحقائق.

إن أخطر مافي هذا الملف هو إستحضار هذه الصور النمطية الجاهزة للهئيات المستقلة وتكرارها دون تمحيص، فلا وجود الهيئات هو الجواب الشافي الصحيح في جميع الحالات ولا إلغاؤها هو الترياق المناسب لكل علل وأمراض موازنة الدولة.

إن المطلوب هو دراسة هذا الملف دراسة متأنية من قبل مجلس النواب واستعراض الأدوار والوظائف التي تقوم بها هذه الهيئات، علما أن الحكومة شكلت لجنة وزارية لدراسة هذا الملف، ولابأس من مقارنة نتائج الدراستين والخروج بتوصيات متوافق عليها.

إن بحثا متأنيا من هذا النوع قد يكشف عدة حقائق منها أن بعض هذه الهيئات يمكن بالفعل دمجها، فماذا تفعل هيئة الطاقة الذرية مثلا خارج هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن؟ وهل من المعقول وجود 6 هيئات تتبع وزارة النقل جميعها معنية بتنظيم هذا القطاع ؟ أو ليس من الممكن تقليص عدد هذه الهيئات إلى النصف؟ وعلمت أن هناك توجها محمودا لدمج صندوق التدريب والتشغيل المهني مع صندوق التنمية والتشغيل.

وسينتهي هذا البحث حتما إلى أن ثمة هيئات، مثل الهيئة المستقلة للإنتخاب، قد قامت بدور وطني مميز وأكسبت الدولة بأسرها مصداقية في الإشراف على الإنتخابات النيابية والبلدية ومجالس المحافظات. ولو أن وزارة قامت بهذا الدور لما تمكنا من تحقيق هذه السمعة الطيبة في مجال الإنتخابات.

وقد يتوصل هذا البحث أيضا إلى أن بعض الهيئات يمكن أن تحل تماما محل الوزارات، أي يمكن إلغاء الوزارة والإستعاضة عنها بهيئة. وأبرز مثال على ذلك هيئة الإعلام التي تعد الوريث الشرعي لوزارة الإعلام والتي تنبري للمهمة بكفاءة وإقتدار.

فقد استجابت الحكومة في عام 2004 إلى التوجيهات الملكية السامية، وشكل السيد فيصل الفايز فريقه الوزاري ذلك العام دون أن يكون فيه مسمى وزير إعلام.

وقد أثبتت تجارب الأعوام التي إنقضت منذ إلغاء وزارة الإعلام أن قرار إلغائها كان صائبا، وإن تكن قد شابته بعض الشوائب أثناء عملية التطبيق.

إننا هنا أمام حالة ألغيت فيها وزارة وحلت محلها هيئة، وكان هذا خيارا صائبا. ويجب الا تغيب هذه التجربة عن أذهان المنادين بمعالجة ملف الهيئات المستقلة، فقد يكمن الحل في بعض الأحيان في إلغاء الوزارة والإبقاء على الهيئة، خصوصا وأن عدد الوزرات الأردنية كبير بالمقارنة مع بعض الدول المتقدمة ومنها الولايات المتحدة وغيرها.

إن المطلوب إذا لمعالجة الإختلالات في ملف الهيئات المستقلة هو الولوج إليه بعيدا عن التصورات المسبقة والصور النمطية والإستعداد لإتخاذ القرار المناسب سواء أكان بالإبقاء على الهيئة أو دمجها مع هيئة أخرى أو إلغائها.. أو ربما إلغاء وزارة ما وإستحداث هيئة، إن لم تكن موجودة للقيام بعملها.