عمان - إبراهيم السواعير

نظّمت جمعيّة رجال الأعمال الأردنيين أول من أمس في مركز الحسين الثقافي حفل إشهار لكتاب «المعلّم صبحي جبري: الطريق إلى القمّة» رعاه رئيس الوزراء الأسبق د.عبدالسلام المجالي، وتحدث فيه رئيس الجمعيّة حمدي الطبّاع، والمؤرخ د.علي محافظة، والأديب إبراهيم العجلوني، والكاتب عبدالهادي المجالي، وأستاذ علم الاجتماع مدير الحفل د.مجد الدين خمش، ومؤلّف الكتاب عبدالله كنعان.

الطباع: مؤسسة رائدة

وأشاد الطبّاع، الذي أعلن عن تكريم الراحل جبري عضو شرف في الجمعيّة، بعصاميّته المشهودة، وكونه علماً في قطاع بناه بخبرته وتواضعه وإخلاصه لبلده، مستذكراً بداياته الجادّة ومسيرته الناجحة التي حافظ عليها الأبناء والأحفاد في مؤسسة رائدة كان فيها الساهر على إرضاء زبائنه والمتواصل معهم بما عُرف عنه من تواضعٍ وخلقٍ كريم، معرباً عن شكره للكاتب كنعان الذي بذل جهداً كبيراً تمخّض عن إخراج وثيقة مهمّة لأهل عمان.

محافظة: الأردن الحديث

واستهلّ د.محافظة بحديثه عن إسهام أعلام وشخصيّات سوريّة في بناء الأردنّ الحديث، على أكثر من صعيد سياسي وعسكري وأمني واقتصادي وثقافي، فضلاً عن الترابط الاجتماعي لإخوة قدموا من سوريا الشماليّة، ذاكراً رؤساء حكومات ووزراء وقادة عسكريين وأمنيين وإداريين مميزين، كانت لهم بصمتهم الواضحة في بناء الدولة الأردنيّة الحديثة وفي تاريخها المعاصر، ولفت محافظة إلى رجال أعمال وتجّار شاركوا في تنمية الاقتصاد الوطني وتأسيس القطاع الخاص وتطويره، وكتاب ومفكرين تُعدّ كتاباتهم ومذكراتهم مصادر مهمّة في تاريخ الأردن الحديث، مثلما كان لهم دور مميز في المجال الطبي في الأردن التي حُرمت خلال العهد العثماني والانتداب البريطاني من الأطباء الأردنيين باستثناء عدد قليل جداً تعلّموا على أيدي الإرساليات التبشيرية المسيحية. وأشار محافظة إلى العديد من أصحاب المهن والحرف كالمحامين والمهندسين والقضاة، متحدثاً عن دور هذه الشخصيات في إظهار الوعي السياسي لدى الشباب الأردني وتنمية مشاعرهم القومية وترسيخ إيمانهم الديني، في مختلف ميادين الحياة الأردنية.

وأفاض د.محافظة في الحديث عن صبحي جبري، قاصّاً رواية شقيقين دمشقيين غامرا بين دمشق وإسطنبول والإسكندرية، أنجب أحدهما وهو محمد خير جبري ابنه صبحي الذي ولد وترعرع في دمشق عام 1919، وعمل أجيراً في محل حلويات بدمشق، ثم عمل مع والده في عمان في الحلويات والمأكولات الدمشقية في شارع السعادة مقابل الجامع الحسيني أواخر سنة 1933، ليعود والده إلى دمشق عام 1938 بسبب وفاة زوجته في عمان ويبيع محله عام 1948 ومشغل الحلويات لابنه صبحي الذي استدان ثمنه من التاجر الشامي المعروف عمر البعلبكي، فيتزوج صبحي جبري من لمعات جودت الدمشقية المقيمة في عمان، لتبدأ حياته العصامية العملية منذ ذلك الوقت. وتحدث محافظة عن مفاصل من حياة جبري الذي برع في رياضة رفع الأثقال، وكان باراً بوالده، ومشاركاً في جيش الإنقاذ عام 1947 في فلسطين، كما رعى إخوته بعد وفاة أخيه تيسير، مستذكراً قصص توسعة المحل واقتراضه ثمن ذلك من التاجر الشامي المرموق صبري الطباع، لافتاً إلى عبقريته في إدارة مؤسسته الخدمية وتوفير موادّها ومصادرها الأولية وإسهامه الاقتصادي، والاجتماعي كذلك في تأسيس جمعية الفيحاء الخيرية منتصف سبعينات القرن الماضي. ورأى محافظة أنّ الكتاب الذي حقق عنصري التنوّع والشمول، قدّم بنجاح سيرة العديد من الأعلام والشخصيات الأردنية من أصول شآمية التي أسهمت في بناء الأردن الحديث.

العجلوني: الدلالات الوطنية

وتحدّث العجلوني عن جملة من الدلالات في سياق الحفل، أوّلها الدلالة الوطنيّة والقوميّة للكتاب، التي يمثّلها أصدق تمثيل الحضور الجميل لعدد كبير من أبناء الشام في الديار الأردنيّة المباركة التي انتهت إليها طلائع نهضة أمّة العرب في الأزمنة الحديثة، إذ الأردن، كما لا يُماري في ذلك منصفٌ، هو مهوى أفئدة بني قومه الأحرار، ومعسكر الفتح العربيّ الإسلاميّ الأوّل، ومرقد آلاف الصحابة والشهداء، وأرض الرباط من أكناف بيت المقدس، والعضُد القويّ لأهل الشّام والعرب والمسلمين حيثما كانوا.

كما وقف العجلوني عند الدلالة الثانية المتعلقة بالفكر والأيديولوجيا، وبكون صاحب السيرة المترجم له «رجلاً عابراً للطبقات»، وأنموذجاً لتحقق قوله تعالى» وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا»، وشاهداً على أنّ النفوس المؤمنة الصابرة التي تتوفر على جهادها الأكبر في الحياة لا تحفل بهذا اللغو المتصادي عن «صراع الطبقات» أو بتلك السفسطة المذهبيّة المغالية في التعويل على التناحر بين فئات المجتمع، أو على ما يخرصون به حول ذلك «الحقد الثوريّ المقدّس» الذي لا يقرّ له قرار حتى يُدمّر المدائن ويمزّق الأوطان أو يجعلها صعيداً زلقا. وفي ذلك فإنّ صاحب السيرة رجلٌ توكّل على الله، وانضوى، بخيارٍ حرّ، تحت التعليم القرآني الجليل «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»، وقد عمل واجتهد وابتنى، كما أوضح ذلك مؤلف الكتاب، وكان من آثار ذلك وجنيِّ ثماره أن أصبح منجزه ملمحاً رئيساً في حاضرة الأردن وعاصمته العزيزة عمان. وتحدث العجلوني عن الدلالة الثالثة المتعلّقة بآل جبري أنفسهم، وبما حباهم الله من مضاء العزيمة وهاجس التفوّق والإبداع، مستذكراً أستاذه في مدرسة العلويّة الثانويّة في المحطة سمير جبري الذي كان مثالاً في قوّة الشكيمة والاعتزاز بالنفس، ومستذكراً الشاعر ومؤرخ الأدب شفيق جبري رئيس تحرير مجلة «الثقافة» الدمشقيّة الذي كان كتاباه المعروفان عن المتنبي وأحمد شوقي من أجمل وأعمق ماكُتب عن هذين الشاعرين الكبيرين، فضلاً عن محاضراته ذائعة الصّيت عن الأدب العربي في جامعة دمشق. وفي حضرة هذا العبق الشّآميّ استذكر العجلوني المجاهد الكبير جميل شاكر الذي ألقى رحاله في عمان أيضاً، وكان محبّاً للشريف الحسين بن علي، وملتحقاً بركب الملك المؤسس لأوّل النهضة، ومشاركاً إيّاه آماله الكبيرة، ولا سيّما تحقيق وحدة سوريا الكبرى في مملكة عربيّة هاشميّة، سرعان ما «تأشّبَ» حول حلمها الجميل الجليل كيد المستعمرين الذين ائتمروا بها، ومكروا بها مكرهم الكبّار آناء الليل وأطراف النهار وما يزالون.

وقال العجلوني إنّه ليَجمُل بنا أن نؤكّد أنّ شعب الأردنّ العربيّ الأصيل مزهوٌّ بهذا الحضور الشّآميّ فيه، كما هو مزهوٌّ بالحضور الفلسطينيّ الذي هو جزءٌ حميم من بنيته، وبكلّ حضور عربيّ أو إسلامي أو إنسانيّ، وإنّه سيظلّ كذلك، وسيمضي فيه على أوثق عهدٍ وأعمق إيمان.

خمش: تاريخ عمان

وفي كلمته قدّم د.خمش إطلالةً على المؤلّف كنعان أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس، عضواً فاعلاً في مجالس ولجان وهيئات ثقافيّة واقتصاديّة ومنظمات مجتمع مدني، صدرت له مؤلفات ودراسات حول القدس من بينها» القدس والهاشميون»، و»القدس من منظور إسرائيلي»، و»الجهد الأردني لدعم قضيّة فلسطين والقدس الشريف»، ويعكف على إصدارات جديدة، منها «الشّام لمن لا يعرفها»، و»عمان لم لا يعرفها»،كما وقف خمش على محطات مهمّة في حياة جبري من منظور الكتاب في إطار من تاريخية عمان وتطورها وعلاقتها بالكرك والسلط وإربد وجميع المحافظات الأردنية، ودمشق وبيروت والقدس وحيفا ونابلس والإسكندرية والقاهرة وبغداد. وتحدّث عن عمان وتطوّرها بقيادة هاشمية حكيمة من بلدة صغيرة إلى بلدة نامية، ثمّ إلى عاصمة سياسيّة للإمارة وللمملكة في ما بعد، وهو ما سرّع في نموّ المدينة لتصبح مركزاً «متروبوليتانيّاً» مترامي الأطراف متسع السوق متنوع الاستثمارات والوظائف والخدمات.

وقرأ خمش مفاصل الكتاب عن جبري عصاميّاً، ومعطاءً ومسؤولاً اجتماعيّاً ومستثمراً وداعماً للمحتاجين والجمعيات الخيرية والعلمية، كما اقتبس من كلمة د.عبدالسلام المجالي التي قدّم بها الكتاب، ما يحمل أنّ جبري صاحب خلق كريم، كانت في وجهه شواهد خير تحببه إلى كلّ من يخالطه؛ فلم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وكان من أوائل الطليعيين في تطوير قطاع الخدمات في مجال المطاعم التي تقدّم خدمات متميزة، فهو يماثل كبار الرجال الأوائل الذين أبدعوا في مجالات اقتصاديّة أخرى؛ إذ استطاع أن يبني مؤسسةً خدميّةً متميّزة من حيث البنية والجودة ارتادها كبار القوم والضيوف. وعرّف خمش بجهود جبري وولائه للبيت الهاشميّ ومنح الملك الحسين بن طلال له وسام الاستقلال من الدرجة الأولى منتصف التسعينات، كما تمّ تكريمه من قبل الملك المؤسس طيب الله ثراه، مثلما يكرّم جلالة الملك عبدالله الثاني المبدعين اليوم.

ورأى خمش أنّ الكتاب إلى جانب هذه السيرة الروائيّة يقدّم للقارئ نبذةً مكثّفةً لعدد كبير من الشخصيات السياسية والاقتصاديّة الأردنية التي أسهمت في بناء الدولة وتطوير الاقتصاد، وهي الشخصيات التي تجمعها صفات صدق الانتماء والعصاميّة وحبّ الإنجاز.

المجالي: خلاخيل نزار

وتحدّث مدير مركز الحسين الثقافي الكاتب عبدالهادي راجي المجالي عن شخصيّة المؤلف كنعان المسكون بحبّ عمان والقدس ودمشق، مستعيداً «السيف الأمويّ» و»خلاخيل» نزار قباني في دمشق. كما ارتجل المجالي قطعةً نثريّة حملت ما لدمشق من حضور عربي وقومي، مستذكراً معالم المدينة المحفوظة في قلب توزّع بين بغداد والكرك والخليل وعمان. ورأى المجالي أنّ المؤلّف استطاع بلغته الشفيفة وسرده الجميل أن يترك في الكتاب بصمة عشقه، خصوصاً وهو مؤهّلٌ لأن يكتب «السيرة الشّاميّة»، مثلما فعل الدكتور محمد خير مامسر في كتابته عن عشائر الشركس في الموسوعة الشركسيّة.

كنعان: أهل الشام

وفي كلمته أعرب كنعان عن تقديره لراعي الحفل د.المجالي، ولرئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين الطباع لتنظيمه الحفل، ولأمانة عمان، وللكتّاب الذين تناولوا الكتاب في الصحف والمقالات، مقدّماً إضاءةً حول مؤلّفه الذي جمع معلوماته ليكون أنموذجاً للأجيال، خصوصاً وهو يروي سيرة رجل عادي بدأ مشواره الطويل في الحياة حتى وصل القمّة بفضل مثابرته وإخلاصه في عمله حتى أصبح رائداً من رواد البناء الوطني في الأردن. كما تحدث كنعان عن الأردن الذي احتضن من انتقلوا من المملكة العربية في دمشق ومن فلسطين، فجاء بعضهم إلى عمان والمدن الأردنية لينضمّ إلى الملك المؤسس الشهيد عبدالله الأول من أجل تحرير عاصمة الدولة من الاحتلال الفرنسي مثلما ارتحل بعضهم هروباً من ظلم بعض الولاة في الحكم آنذاك، وانتقل بعضهم بفعل العدوان الإسرائيلي على فلسطين. وعرّف كنعان بمصطلح «أهل الشّام» الذي تعارف عليه أبناء الأمّة العربية أنّه يعني سكان الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان، حيث أبناء الوطن الواحد، وحيث الإخلاص والوفاء للوطن الكبير ولمن سبق بالإقامة فيه أو كان من سكّانه، فكان الجميع عنوان الوطنية والإخلاص والوفاء لأمّتهم من أقصى جنوب الأردن وبواديه إلى وسطه وشماله وغربه، وعنواناً للبطولة والتضحية والشهامة والنخوة والإيثار، فلم يشعر أحدٌ ممن جاء إلى الأردنّ إلا أنّه من أبناء هذه الأرض ومهد العروبة؛ يعملون يداً بيد ويسعون لتقدّمه وازدهاره.