حسين نشوان

لا تكفي الجولة السريعة لمعرفة حكايات أعمال الباكستاني جيمي أنجنيز التي تحمل كل واحدة منها قصة تقع بين الألم والألم، بل يحتاج الأمر لعدد من الزيارات، وتمثل مشاعر الفنان وهو يختار لقطاته ويخزنها في وجدانه ويعيدها برؤية الفنان المتصوف.

كانت عضو مجلس أمناء المتحف ريم بدران حاضرة في المعرض الذي كانت تعرفت على صاحبه في احدى مشاركاتها في واحد من المؤتمرات الاقتصادية، وأن معرفتها لحكايته ومكانته الفنية ورسالته الإنسانية هي التي حملتها لاقتراح المعرض الذي ينظمه المتحف الوطني في المبنى الرئيس.

تقول إن لوحاته وصلت قيمتها إلى مئات الملايين من الدولارات، ولكنه لا يملك شيئاً لأن كل ما يجنيه من الفن يعود للأعمال الخيرية، وهو ما قاله في لقاء معه أنه لا يملك سوى بيت مكون من غرفتين، وألوانه وريشته ومحبته للناس دون تمييز.

رجل هادئ، بالكاد يتكلم إلا حينما تسأله، فيفيض الكلام عن تجربة راكمها السفر، وطفولة مؤلمة عاشها حينما تعرض للمرض ومعه نحو ستين من أطفال بسنه، فكان الناجي الوحيد من هؤلاء فعبر بالشكر عن نجاته بتقديم العون لأطفال العالم، يداوي جروحهم باللون وبلسم الفن.

وهو واحد من أهم عشرة شخصيات فاعلة في الباكستان، وله مقتنيات في :إيطاليا، أميركا، الإمارات، فرنسا، روسيا، هولندا، أسبانيا، ألمانيا، الصين ، الهند، كندا وسويسرا.

يمتاز انتاج الفنان المولود عام 1954 بالتنوع والخصب، وأنجز ما يزيد على 5500 عمل فني، وأقام 80 معرضاً، وحصل على 70 جائزة وميدالية عالمية.

يتنوع المعرض الذي يحوي نحو مئة لوحة بين التخطيطات وصور عن أعمال زيتية غالبيتها مبيع، تمتد على جدران المتحف لأشخاص في هيئات مختلفة لكن ما يجمعها ذلك الحس الشفيف بين الألم والمحبة، ويقول إن التخطيطات تشير إلى أن «هؤلاء الفقراء يجدون ضالتهم وحاجتهم في الحب»، أما أعماله الزيتية الملونة والمزخرفة فهي تصور العمارة الباكستانية ، أو النمط العمراني لتلك المنطقة، وتقول بدران إنه تطلب أن ييأخذ دروساً في العمارة لتنفيذ تلك الأعمال الساحرة، مشيرة إلى واحدة منها قائلة إنها بيعت بملايين الدولارات.

يرسم الفنان كل ما يقع بصره عليه، من شخوص وكائنات وينوع بين أساليب التعبير بطريقة كلاسيكة أو حداثية، فهو يملك أدواته ويتقنها جيدا، بقوة الخط ودهشة التلوين، ومتانة البناء البصري، يرسم الطبيعة والعمارة والإنسان ويلون ويجرد، فهو يجيد تلك اللعبة التي تنتج الجمال التي يقول إن الله منحه إياها لمساعدة الناس.

قامته الطويلة وبشرته السمراء، وملابسه الباكستانية التقليدية تدخل إلى المتحدث معه شعوراً بالطمأنينة التي تضيفها نبرة كلامه الهاديء، وروحه النبيلة ، ويقول في الوقت الذي تترجم فيه بدران: إنه لا يميز بين حياته الشخصية وحياته في الفن، فقد بدأ الرسم في الرابعة من العمر، وحينما داهمه المرض كان في السادسة، ويتذكر ألم المرض والفقر كدافع للعطاء، مستدركاً أن كل شيء يهون بإزاء وحشية الحروب، ويقول: إنني «أتفاعل مع كل الدينات»، أنا زردشتي، ومعلمي المتصوف علي باكتلي الذي منحني سر المحبة لبلدي وللإنسانية، لافتاً إلى مشروع عكف عليه لرسم أشعار الشاعر الباكستاني المسلم محمد إقبال.

ويقول انجنيز: أحاول من خلال الفن الارتقاء بمكانة بلدي الباكستان، ولذلك لا أقبل إلا أن تكون أعمالي في مستوى ممتاز.

وتوضح بدران أن مشاريعه في الغالب تكون مع الحكومات، وهو يعكف على رسم الشخصيات التاريخية الصينية منذ فجر التاريخ.

زيارة مثل هذا الفنان للأردن، وعرض أعماله في المتحف الوطني الذي ترأسه الفنانة الأميرة وجدان الهاشمي، يمثل محطة مهمة ونقطة مضيئة للحراك التشكيلي الأردني الذي يصفه بأنه جيد، ونشط وفيه زخم، لكن يحتاج معه الفنان إلى إشباع تجاربه بالخبرات العالمية، ووصف المناطق التي زارها، ومنها المغطس ، البترا، جرش، جبل القلعة بإنها «كنز مدهش» وفيها من التنوع الثقافي والحضاري الكثير الذي يلهم الفنان للإبداع،وهي أرض مباركة، ويقول «ليس المهم أن تكون فناناً، وإنما كيف تقدم رسالتك، وكيف تمنح الناس الأمل».

يقول إن رسالتي هي أننا نبغي أن نعيش ببساطة، وهذه رسالتي، وأنا أعيش هذه الحياة.

وتقول الفنان وجدان في مطوية المعرض: إنه المعرض الأول للفنان انجنيز في الأردن، والتي كنت على اطلاع عليها من خلال زياراتي المتكررة لكراتشي منتصف سبعينيات القرن الماضي، وتصف انتاجه «بالمتميز والخصب المتنوع الأساليب والتقنيات والمواد».

وتقول بدران: إن أعمال الفنان تمثل «التواصل العميق مع مجتمعه والتزامه للدفاع عن الإنسانية، وهو صديق للأردن، وشغفه كبير في تقريب الثقافات، ومتفان في عطائه للمحتاجين والفقراء».

وتذكر بدران واقعة لزيارته لأحد الأثرياء في أميركا، واستغرابه لعدم وجود أية لوحة في بيته الضخم، وأقنعه برسم لوحات لقصره شرط أن يعود ريعها لمؤسسة ترعى الأطفال.

ينحاز الفنان الذي يدعو للتسامح للفن الذي يرى أنه علاج للوحشية التي تسيطر على الإنسان نتيجة الحروب، ويقول «هناك الكثير من الحروب والعنف في العالم» والكل «يبحث عن السلام»، وينبغي أن على الفنان والموسيقي أن يدعموا السلام.

وتقول بدران أنه خلال حرب الخليج رسم الإنسانية تنزف، كما رسم الكثير من صور المعاناة في فلسطين، وهو كما يقول: إن رسالته للناس الذين يعانون، ولكنه يدعوهم أيضاً للفعل والمبادرة».

يشار إلى أن المعرض الذي كانت افتتحه سمو الأميرة ثروت الحسن يحمل عنوان «خطوط تتكلم»، ويتواصل في القاعة الرئيسة للمتحف الوطني.