كتبت- سرى الضمور وخولة أبو قورة

يمشي بخطى متثاقلة.. يرفع قدمه بصعوبة ليُلحِقها بالأخرى.. مشوار طويل بالنسبة له، يبدو كألف ميل مع أنه لا يتجاوز المئة متر يقطعها كل صباح وهو يلهث من التعب ويتصبب عرقا، المشهد يتكرر عند بداية كل يوم مدرسي بعد أن يترجل من الحافلة المدرسية التي يصعد إليها بشق الأنفس ليبدأ يومه.

«عي» تفتقر لخدمات ذوي الاحتياجات

«الرأي» زارت أحمد البريزات بمدرسته في منطقة «عي»، الجبلية الوعرة الكرك، التي تفتقر إلى الكثير من الخدمات الطبية والخدمية والبنية التحية الملائمة للأشخاص الطبيعيين، فكيف لأصحاب الاحتياجات الخاصة؟

«أحمد»، ابن الخمسة عشر ربيعاً، يصارع الحياة من أجل مستقبل أفضل لينعم بحقوقه الأساسية في التعليم وحياة ملائمة بظل معاناته من شلل دماغي أدى إلى تقلص في الأطراف السفلية وتأخر في التطور الحركي ما أدى الى صعوبة في الحركة (وفق التقرير الطبي الصادر من قبل اللجنة الطبية المركزية في وزارة الصحة).

وبمساع حثيثة من ذوي «أحمد»، الذي يخضع لعلاج مستمر منذ سنوات، لتحسين وضعه الصحي بإجراء عملية جراحية لإطالة أوتار لأقدامه السفلية، الذي تحمّل والده جراءها «تراكم الدين الذي يعجز عن سداده لتردي وضعه» خصوصا أنه يعيل أسرة تتكون من ثمانية أفراد وبدخل مادي محدود جدا.

هذه المشكلة لا تنحصر بأحمد فقط، وإنما تجسد معاناة المئات من ذوي الاحتياجات الخاصة في لواء «عي» مثيلاته من ألوية المحافظة.

بريزات لم يجد المكان المناسب لمعالجة الحالة المرضية التي يعانيها منذ ولادته، ويقول ان السبب الاكبر هو إنعدام مراكز للتأهيل والعلاج الفيزيائي والمدارس المختصة بذوي الاحتياجات الخاصة بالمنطقة.

ويطالب الحكومة بتوفير مدارس خاصة تعنى بهذه الفئة في ظل انعدام مراكز حكومية تؤمن خدمات النقل والرعاية اللازمة ليتمكن ذوو الاحتياجات من مواصلة حياتهم.

ويلفت إلى أن هناك مراكز معدودة تتبع للقطاع الخاص، إلا أن كلفها باهظة، ما يضطر كثير منهم إلى حرمان أبنائهم من الانضمام إليها, إضافة إلى أجور المواصلات التي تصل إلى90 دينارا شهريا وهو مبلغ كبير بالنسبة للعائلات.

القرالة: لا توجد أنظمة مدرسية تخدم ذوي الاحتياجات الخاصة

مدير مدرسة كثربّا الثانوية للبنين ياسين القرالة يوضح أن «أحمد» يمثل حالة خاصة عند الإدارة المدرسية لجهة مراعاة ظروفه الصحية التي تتطلب سن تشريعات جديدة تصب في مصلحة ذوي الاحتياجات الخاصة..

ويبين أن الأنظمة المدرسية تنص على عدم تجاوز تغيب الطالب 20% من مجموع أيام الدوام الدراسي وبعذر.

ويتابع بأن ادارة المدرسة تعاونت مع الطالب أحمد بدافع إنساني ليتمكن من متابعة دراسته، بالرغم من تكرار تغيبه عن المدرسة نظراً لحالته الصحية.

الرواشدة: انعدام مراكز التأهيل والتدريب

ولدى البحث في ثنايا القرية، أكدت رئيسة «جمعية عي لذوي الاحتياجات الخاصة» سميرة الرواشدة أن هنالك مئات الأطفال الذين يعانون من مختلف أنواع الإعاقات، لا يجدون من يسعفهم في تأمين حياة طبيعية تتناسب وحاجاتهم، بظل قصور الموارد والمعدات اللازمة لتأهيل وتدريب هذه الفئة.

ووفق الرواشدة، فإن عدد الاعاقات في لواء «عي» (155) شخصا من مجمل عدد سكانه البالغ نحو أربعة آلاف مواطن، أي ما نسبته 1% من إجمالي السكان.

وهذا غير الذي لم يعلن عنهم بعد نظرا للثقافة المجتمعية السائدة التي تخشى الإعلان عن وجود «معاق» في الأسرة.

ونظراً لقصور الإمكانات المادية والمعنوية وانعدام الفرص أمام هؤلاء في الحصول على أبسط المهارات الحياتية ليندمجوا ضمن مجتمعاتهم أفرادا منتجين وفاعلين، وجدت الرواشدة أنه بالإمكان استثمار طاقاتهم، خصوصا وأن بعضهم يعاني من حالات وصفتها بـ»البسيطة» التي يمكن التغلب عليها في حال تدريبهم وتوافر مراكز التأهيل والتدريب المناسبة وأن بعضهم قادر على العمل والتعلم ضمن مهن تدرّ عليهم دخلا وتخفف وطأة المشكلة عليهم وعلى ذويهم.

اليونسكو: المدارس الحكومية تفتقر للبنية التحتية الملائمة

وأفاد تقرير نشرته أخيرا منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة « اليونسكو» لمراقبة التعليم العالمي فيما يتعلق بالمساءلة في التعليم للعام (2017- 2018) أن 40% من مدراء المدارس «قدموا تقارير» تفيد بأن مشاكل البنية التحتية تعيق العملية التعليمية بشكل كبير. وهذا يعني أن المدارس تخفق في تزويد الطلاب ببيئة آمنة ومصونة بشكل جيد.

وذكر التقرير أنه يحق لجميع المواطنين، وخصوصا في قطاع التعليم، «مقاضاة» الحكومة حال تقصيرها بتقديم الخدمات الملائمة.

في الوقت الذي موّل الإتحاد الأوروبي مشاريع بمحافظة الكرك ركزت على قطاعات التعليم والصحة ومجالات أخرى. و كشف مصدر في الاتحاد الأوروبي نية الاتحاد في إقامة مدارس لذوي الاحتياجات الخاصة.

قطيشات: جهل المواطن بحقوقه يحرمه من الخدمات...

ويؤكد المستشار القانوني في نقابة الصحفيين الاردنيين المحامي محمود قطيشات ما ورد في بنود تقرير»اليونسكو» بأن الدستور الأردني نص في (المادة 6) أن الدولة تكفل العمل والتعليم «ضمن حدود امكانياتها»، وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع الأردنيين».

وعليه فإن «من حق المواطن أن يطالب الحكومة بتقدم خدمات تتناسب وحاجة الطالب من تعليم».

كما أوضحت الفقرة (5) من ذات المادة والذي خص ذوي الإحتياجات الخاصة «أن يحمي القانون الأمومة والطفولة والشيخوخة ويرعى النشء وذوي الإعاقات ويحميهم من الإساءة والإستغلال».

وشدد قطيشات على ضرورة تطبيق الاتفاقيات الدولية المبرمة مابين الدولة والمنظمات العالمية التي «تسمو على القانون» ويجب على الحكومة العمل على تنفيذها وتطبيقها.

وأشار قطيشات إلى المادة (5) من قانون التربية والتعليم الذي ينص على أهمية «توسيع أنماط التربية لتشمل برامج التربية الخاصة والموهوبين وذوي الاحتياجات الخاصة».

غير أن قطيشات لاحظ أنه لا توجد أي قضية منظورة أمام المحاكم الأردنية بهذا الشأن؛ وعلّل ذلك بـ»عدم معرفة معظم المواطنين بحقوقهم المشروعة.. ما يحرم فئة كبيرة من «حقهم» في تعليم نوعي.

فيديو توثيقي على «الرأي» الالكتروني تم انتاجه ضمن ورشة تدريبية حول صحافة الموبايل عقدها مركز تدريب الصحفيين في نقابة الصحفيين الاردنيين بالتعاون مع ثمبسون رويترز وباشراف المدرب مارك وبستر.