أبواب - رزان المجالي

تتسارع ضربات قلبها حال اقترابها من كرسي الفحص، وأصوات الاجهزة تزيد من توترها, ورائحة الغرفة تجثم على أنفاسها وتزيد هلعها، وما أن يطلب منها طبيب الاسنان الجلوس على الكرسي حتى يتملكها خوف شديد.

لا يخفي كثيرون ان مخاوف كبيرة تجعلهم يصدون عن زيارة طبيب الاسنان رغم المعاناة مع الألم والتي تصل بهم احيانا الى مجافاة النوم عيونهم في ليالٍ عديدة فالتوتر يفوق في كثير من الاحيان ما يشعرون به من ألم.

الخوف من المجهول

يصل الامر بـ»سوسن» ان تؤجل موعدها على الرغم من وضع اسنانها السيء منذ أشهر عديدة وتبرر ذلك بأنها تحس أن هناك شيئاً مجهولاً ينتظرها إذا ما بدأ الطبيب بمسلسل العلاج., ومثلها كان إحساس «رانيا بدوي» حيث أن صوت المعدات وهي الميزة الاشهر في هذه العيادات يسبب لها رعباً, وخاصة أدوات الحفر, و نفخ الهواء, التي تطلق العنان لقلقها وخوفها وما يرافقها من أفكار .

يؤيدهم «مؤيد المحتسب» حيث أن الخوف من المعدات الطبية من اكثر الأشياء المسببة للخوف من عيادة الاسنان، ففكرة وجود هذه المعدات داخل فمك أمر غير مقبول يثير الرعب في داخلك خاصة حقنة التخدير وهي المتهمة الأولى في الاحجام عن زيارة الطبيب .»

وتندم «سهى الحاج « على ما آلت إليه أسنانها بسبب اصرارها على عدم الذهاب للعلاج عند طبيب الاسنان ، فبعد الابتسامة الجميلة التي كانت تميزها ،أصبح التسوس بادياً على بعض أسنانها مع سقوط لبعضها الآخر ، حيث كانت تفضل العلاج بالمسكنات, بدلا من زيارة الطبيب بحجة أنها تخاف من ذلك .

من ناحيتها ترجع اخصائية طب وتجميل الاسنان د. داليا الدغليس الخوف من زيارة طبيب الاسنان إلى ثقافة انتشرت بين الناس ، تظهر صوراً ولوحات وهي تلتقط مشاهد للمريض وهو في حالة ألم شديد ، وهذا ما ساعد على تكريس فكرة الخوف والألم من طبيب الأسنان أما طرق تخفيف التوتر والخوف فهي ترتبط بالشخص نفسه وبالطبيب وبالعلاجات المستخدمة لذلك .

وبداية تنصح الدغليس الوالدين أن يبعدوا فكرة التهديد بالطبيب وهذا الاسلوب شائع مع الاطفال، حيث تجد الأم في ابرة الطبيب تهديداً مستمرا لأطفالها وقد تجده ناجعا في كثير من الحالات إلا أنه يرسخ عند الطفل الخوف من الطبيب .

وتزيد من الأمور التي تساهم في تخفيف الألم وبالتالي تخفيف القلق والخوف، مداومة الشخص على زيارة الطبيب كل ستة شهور وذلك لتدارك أي مشكلة قبل ازديادها مثل تسوس الاسنان، فإذا تم العلاج من البداية فإنه سيكون سهلاً وزياراته أقل وإجراءاته أبسط وهذا من شأنه أن يحمي المريض من آلام كبيرة ورحلة علاج طويلة و اجراءات أكثر تعقيداً في العيادة.

كما أن وقت زيارة الطبيب برأيها يعد مهماً في تخفيف التوتر، فكثير من الأشخاص يفضلون الوقت الصباحي حتى لا يكملوا نهارهم وهم يفكرون في ما ينتظرهم عند الطبيب ، وعلى العكس من غيرهم ،فكثير من يفضل الأوقات المسائية ، وهذا يعتمد في النهاية على رغبة المريض.وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون فوبيا طبيب الاسنان فيفضل اصطحاب أحد رفاقهم أو شخص من عائلته.

وفيما يتعلق بالطبيب فله الدور الأكبر في التخفيف من قلق المريض، حيث عليه، أن يكون لطيفاً ويفسحَ المجال للمريض أن يتكلم ويشرح مشكلاته، فالزيارة الأولى يفضل أن تكون تعارفية لبناء الثقة، كما ان على الطبيب أن يشرح خطوات العلاج للمريض وهذا يجعله يفهم ما سيجرى له من خطوات علاجية مما يساهم في تخفيف الخوف عنده والاقبال على العلاج بارتياح.

ومن الأمور المهمة أن يبدأ الطبيب بالعلاج السهل والخفيف ويترك الاجراءات الصعبة أو المؤلمة للنهاية فعلى سبيل المثال إذا كان المريض يحتاج لخلع الضرس بالإضافة لمشاكل آخرى مثل الحفر والحشو، فيفضل أن يؤخر الخلع للنهاية، حيث ان ذلك يجعل المريض يتقبل المعالجات الصعبة بشكل أفضل وأقل خوفاً مع حرص الطبيب على عدم تأخير الموعد، فالانتظار يشعل قلقه أكثر.

وسائل أخرى لتخفيف التوتر

وتشرح طبيبة الاسنان الدغليس بعضا من الوسائل لتحقيق ذلك والطريقة الأولى لتعديل هذه الأفكار السلبية هي اعتماد اسلوب حديث خاصة في العيادات التي تعتمد على نشر صور اشخاص مبتسمين وسعيدين وذلك لمحو وابعاد صورة وفكرة الألم المرتبطة بعيادة الأسنان. كما أن استخدام الآلات و المنتجات الجديدة من اجهزة الحفر وغيرها أصبحت أهدأ وأقل اهتزازاً من النوعيات القديمة ، كما أن دخول الليزر في عالم طب الاسنان قد ساهم بشكل كبير في تخفيف الألم. وهناك علاجات اصبحت تستخدم لتخفيف الألم ومن أهمها المخدر الموضعي ( الجل أو البخاخ) والذي يعمل على اخفاء الإحساس بالإبرة. اما بالنسبة للأشخاص القلقين فيمكن استخدام الأدوية المخففة للقلق مثل «الفاليوم «وغيره ولكن يشترط وجود مرافق له في هذه الحالة ، والطريقة الاخرى المستخدمة حديثاً بحسب د. الدغليس هي التنويم الجزئي « Sedation» والذي يعطي تخديراً للمريض يقلل من شعوره بمن حوله مع الابقاء على قدرته بالبلع والتنفس ومن أمثلته « الغاز الضاحك « والذي يساهم في تخفيف قلق المرضى وخاصة الأطفال منهم وتسهيل العلاج ،وفي حالات خاصة يمكن اللجوء للتخدير العام في المستشفى لاجراء العلاج للمريض.

الخوف من طبيب الأسنان

لا يؤثر على أسنانك فقط!

ونشرت مجلة طب الأسنان البريطانية دراسة تتعلق بفوبيا المرضى من طبيب الأسنان ومدى تأثير هذا على حياة هؤلاء المرضى. وذلك بعد أن قام الباحثون بتحليل ردود ما يقرب من 11 ألف مشارك في دراسات عن صحة الأسنان ، حيث وجدوا أن هناك 1400 شخص اعترفوا بأنهم يعانون من الخوف من طبيب الاسنان ، بالإضافة إلى إنهم كانوا الأكثر عرضة لسقوط الأسنان أو ضعفها، والمثير للدهشة أن الباحثين قد ربطوا بين فوبيا طبيب الأسنان وتدهور حياة الفرد للعديد من النواحي الأخرى، حيث أنها تؤثر على حياة الشخص فيسيولوجيا واجتماعيا وعاطفيا وليس على سلامة الأسنان فقط” فأمراض الفم لا تهدد الحياة غالبا لكنها تؤثر على قدرة الشخص على الأكل والشرب والتحدث والاختلاط بالناس مما يؤثر سلبيا على الحياة عموما.

وهذا ما تؤيده د.داليا الدغليس قائلة:» ان الدراسات العالمية المتعلقة بطب الأسنان التجميلي تقول أن شكل الأسنان هو أكثر ما يجذب الآخرين، فالأشخاص الذين يملكون ابتسامة غير جميلة نتيجة خراب الاسنان هم الأقل في الحصول على فرص العمل والأقل قدرة على الدخول في علاقات مع الآخرين حيث يؤثر ذلك على شخصيتهم ونفسيتهم بشكل كبير»

وفي النهاية تبقى الأسنان لآلئ ثمينة، تستحق كل نظافةٍ وعنايةٍ دون أن يغلبنا بذلك خوف من طبيبٍ أو رعبٌ من إبرته.