مقدمة

ثمة نقاط مضيئة كثيرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي غطّت عليها ظلال الهزائم التي مني بها العرب في هذا الصراع. لعلّ أهمها وأكثرها فّخارا لنا معركة الكرامة.

ففيما تقبّلنا، إثر هزيمة حزيران 1967، وصف الجيش الاسرائيلي «انه لا يقهر» وفق ما ردّدته طويلا وسائل الدعاية الصهيونية ووسائل الإعلام الغربية التي نقلت عنها ، سرعان ما نشبت معركة الكرامة التي هزمت فيها القوات المسلحة الأردنية هذا الجيش هزيمة مذلّة لم تمكّنه حتى من إخلاء قتلاه وآلياته المدمّرة ، بعد أشهر قليلة فقط من هزيمة 1967 حيث حاربنا وفق خططنا واستراتيجيتنا وليس نتيجة ما سبّبه لنا الاخرون.

من المؤكد أن واحدة أخرى من النقاط المضيئة في هذا الصراع والتي غطّت عليها هزيمة الجيوش العربية أمام القوات الإسرائيلية عام 1948 والتي مكّنت إسرائيل من احتلال 78 في المئة من أرض فلسطين التاريخية حينئذ... فلم تروً في وثائقنا أو في كتب التاريخ التي أسهبت في رواية هزيمة العرب وأهملت واحدة من أكثر العمليات العسكرية نجاحا وذكاء وشجاعة هي «عملية طارق».

وبما أنني أتحدث أمام نخبة النخبة من العسكريين فسأتناول الموضوع بشكل عام من المنظور التاريخي وليس من المنظور العملياتي خشية الوقوع في مطبّات التفسير الخاطئ.

شهادة والدي:

بداية اهتمامي بالبحث يعود إلى والدي الضابط المتقاعد الذي ظلّ يردد بعد الحرب عام 1967 أن القوات المسلحة الأردنية منيت بهزيمة لا تستحقّها ، ولم تكن آلام الهزيمة لتسمح لي بمناقشته في الموضوع... لذا قررت القيام بأبحاث معمّقة في نتائج الحرب وتداعياتها حتى استوعب ما حصل.

قبل هذا أقنعني والدي أن نتائج حرب 1948 لا يمكن بالشكل الإجمالي وصفها بالهزيمة ، لأن دراسة دور الجيش العربي – القوات المسلحة الأردنية في تلك الحرب ستظهر أن وصف الهزيمة لا ينطبق على النتائج التي حقّقها هذا الجيش وبشكل خاص إنقاذ الضفة الغربية والقدس من احتلال كان متوقعا ومؤكدا لولا الدور البطولي الذي لعبه الجيش العربي على الساحة الفلسطينية.

كانت تلك الأحاديث هي بداية اهتمام طغى على كلّ اهتماماتي الأخرى للدراسة والبحث عن الحقائق مهما كانت الصعوبات. فقررت بداية الكتابة عن هزيمة1967.. لماذا كانت الهزيمة... ما هي الأسباب والتداعيات والأدوار.

وفي يوم استشرت أستاذي الذي درّسني مادة العلاقات الدولية في جامعة لندن البروفسور فيليب آدامز فنصحني بوضع كتاب تاريخي أكاديمي ليصبح مرجعا في المستقبل وليس مجرد ريبورتاج صحفي موسّع – بحكم انغماسي في المهنة – لأن الإهتمام بمادة الريبورتاج سينتهي بمجرد القراءة !! في سبيل ذلك قال عليك البحث عن الوثائق أولا وشهادات موثقة ممن شاركوا في الحرب ثانيا لتضفي على كتابك المصداقية والحقيقة التي لا تقبل الجدل ويصبح مرجعا موثوقا لطلبة الدراسات السياسية والصراع العربي الإسرائيلي على وجه الخصوص في المستقبل وهو ما حدث فعلا.

لم يبق مركز دراسات يتوفر على مثل تلك الوثائق ، خصوصا في الولايات المتحدة وبريطانيا إلاّ قصدته باحثا. ورغم أن الحصول على الوثائق الإسرائيلية في حينه كان أمرا مستحيلا ، إلاّ أن ذلك لم يثبّط عزيمتي... ووجدت الحل عند شاب صحفي بريطاني يبحث عن تجربة مثيرة. فعرضت عليه الذهاب الى إسرائيل وجمع كلّ ما يستطيع من الوثائق والمقابلات وكأنه هو الذي سيعدّ مادة فيلم وثائقي عن الحرب مقابل مبلغ من المال.. فقبل المهمة بحماس.. وعاد لي بكمّ كبير من الوثائق والمقابلات.

التاريخ من منظور المهزوم

ثم في يوم تشرفت في لندن بلقاء الراحل الكبير الملك الحسين طيب الله ثراه فسألني عن آخر مشاريعي.. فبدأت الحديث كما يلي :

• يا سيدي التاريخ كان يكتب دائما من منظور المنتصر... والمكتبات الغربية تطرح كلّ عام عددا من الكتب التي تتحدث عن الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.. وعن انتصاره المذهل عام 1967. أمّا أنا فأريد أن أفعل العكس. أن أكتب التاريخ من منظور المهزوم. أريد أن أكتب عن دور الاردن في حرب 1967. صحيح أننا هزمنا.. ولكن بما أني أريد أن أكتب باللغة الانجليزية فأرجو من جلالة سيدنا مساعدتي أن أقول للعالم لماذا هزمنا. والدي كان على الدوام يقول إنها كانت هزيمة لا يستحقّها الجيش العربي ، وأظن أنه قد حان الوقت لنقدم روايتنا في هذا الحدث التاريخي من منظور أردني.

وهكذا حصلت على وثائق القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية ، بما في ذلك خطط العمليات وسجل العمليات القتالية.. أي سجل يوميات الحرب (LOG BOOk) وتقرير الفريق عبد المنعم رياض حول مجريات الحرب ونتائجها. كما حصلت على وثائق الديوان الملكي الهاشمي بما في ذلك إتفاقية الدفاع المشترك التي وقّعها الحسين مع الرئيس المصري جمال عبدالناصر يوم الثلاثين من ايار/ مايو 1967 ، أي قبل ستة ايام فقط من بداية الحرب في الخامس من حزيران/ يونيو. وكانت النتيجة... كتابي Jordan in the 1967 War الذي ترجم إلى العربية لاحقا بعنوان « الأردن في حرب 1967».. والذي ربما قرأتموه أو البعض منكم على الأقل.

حديثي اليوم ليس من قبيل النوستالجيا–أو الحنين إلى الماضي–وإنما لتقديم رواية موثقة ومدعمة بالشهادات، وفي صدارتها سبع ساعات مسجّلة على خمسة أشرطة مع الحسين طيب الله ثراه.. لم يقتصر حديثه فيها على تفاصيل حرب 1967 وإنما على كافة تفاصيل إقامة الاردن الحديث منذ اعتلى جلالته العرش عام 1953 وإلى سنة التسجيلات 1984.

عملية طارق.. النجم الثاقب

وبما أني حصلت على وثائق القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية ، بما فيها سجل العمليات، انتبهت إلى أن العميد عاطف المجالي رحمه الله نصح الفريق عبد المنعم رياض، الذي تولى قيادة القوات العربية فيما سمي « الجبهة الشرقية «.. أي القوات الأردنية والسورية والعراقية ، بالإضافة إلى لواء من القوات السعودية تمركز في تبوك ولم يشارك فعليا في القتال، وكتيبة صاعقة مصرية، من قيادة المركز المتقدم في عمان، نصحه بتنفيذ «عملية طارق» لمحاصرة القدس الغربية (اليهودية) والحيلولة دون محاصرة القوات الإسرائيلية للقدس الشرقية (العربية). لكن الفريق رياض رفض ذلك ، وقرّر نقل اللواء المدرع الستين من تحصيناته وتموضعه في تلال أريحا والخان الأحمر لمساندة قاطع القدس ، أمر بنقله الى جنوب الخليل ، بناء على أمر القائد العام المصري المشير عبد الحكيم عامر الذي قيل إنه تلقى برقية – شكّك في مصدرها رئيس أركانه الفريق محمد فوزي كما اخبرني في مقابلتي معه – تخبره البرقية أن فرقة مدرعة مصرية قد أحدثت اختراقا في النقب وأن على اللواء الأردني المدرّع الستين أن ينتقل إلى جنوب الضفة الغربية في منطقة الخليل ، في عملية كمّاشة تؤدي إلى السيطرة الكاملة على ذلك الجزء من اسرائيل...

(كافة التفاصيل متوفرة في كتابي المشار اليه: الاردن في حرب 1967) وبالتالي حال الفريق رياض دون تنفيذ عملية طارق. أمّا لو كانت عملية طارق ستنجح أو تفشل لو نفّذت في حينه فلذلك حديث آخر.

لم تكن تلك الحادثة ستعني لي – حينئذ – سوى واحدة من الخطوات الفاشلة في مجموعة العمليات.. إلى اللّحظة التي بدأت فيها أبحاثي في الأرشيف الضخم لهيئة الاذاعة البريطانية (BBC) التي سمحت لي إدارتها بذلك ، باعتبار أني خدمت اثني عشر عاما في اذاعتها العربية (هنا لندن) وتلفزيونها باللغة الانجليزية.

هذه اللحظة تمثلت في قراءة خبر تاريخه 28/4/1948 أي قبل أسبوعين من دخول الجيش العربي إلى فلسطين. يقول الخبر: إن إرنست بيفن Ernest Bevin وزير خارجية بريطانيا قد اجتمع في لندن مع المرحومين توفيق أبو الهدى رئيس وزراء الأردن وفوزي الملقي وزير الخارجية والفريق جون غلوب القائد العام للجيش العربي (القوات المسلحة الأردنية) للتباحث في التطورات التي نجمت عن إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار التقسيم رقم 181 في التاسع والعشرين من تشرين ثاني 1947 أي قبل ذلك ببضعة شهور.

بصفتي إعلامي متمرّس لم يكن نصّ الخبر ليعني الشيء الكثير وإنما كما بدا لي أن المهم هو ما وراء الخبر. لكن الخبر – مع ذلك–كان بداية الخيط الذي قادني إلى التفاصيل، وإلى حقيقة وأسرار عملية طارق.

وفي أول لقاء مع الملك الحسين طيب الله ثراه بعد ذلك أطلعته على نصّ الخبر وأتبعته بتساؤلاتي ، فما كان منه إلاّ أن اقترح عليّ مقابلة شخصين على وجه التحديد هما الفريق جون غلوب والمشير حابس المجالي، على اعتبار أنهما خير من يوضح الصورة ويجيب على التساؤلات فيما يتعلق بدور الجيش العربي في فلسطين إبّان حرب 1948.

كان اللقاء مع المشير المجالي على أيّ حال أحد أهم اللقاءات التي كنت أسعى لإجرائها ضمن أبحاثي الخاصة بحرب 1967. فقد كان–نظريا – القائد العام للقوات المسلحة الأردنية في تلك الحقبة. بداية أكّد لي حابس باشا واقعة الشجار بين العميد عاطف المجالي وضبّاط أركان الفريق عبد المنعم رياض حين رفض مجرد الإستماع إلى حقائق ومنطقية عملية طارق فيما يتعلق بالقدس. لكن المشير المجالي تساءل كيف أن اهتمامي الرئيسي كان يهدف إلى إعداد كتابي عن حرب 1967 فيما مضيت أحاوره في عملية طارق التي وضعت ونفّذت في حرب 1948 ومن قبل الكتيبة الرابعة التي كان يقودها في تلك الحرب بالتعاون مع غيرها من الكتائب.

وحين شرحت السبب ذكّرني بحقائق تاريخية عدّة ، لا بدّ لي من معرفتها حتى أستوعب أسباب العملية وتداعياتها وأهدافها العسكرية والسياسية.

وأضاف حابس باشا بثقة القائد الواثق من قدراته وخبرته: الهزيمة ليست عملا مجرّدا وإنما مجموعة عوامل تمثّل مجتمعة فشلا عسكريا حال دون تحقيق النتيجة المطلوبة. هل كانت الهزيمة نتيجة خطط خاطئة؟ نتيجة قرارات خاطئة؟ نتيجة استراتيجية غير مناسبة لوضع الأسس الناجحة لعملية يفترض إنجازها؟ هل كانت الهزيمة نتيجة قتال عدو يتوفر على كامل احتياجاته عددا وعتادا؟ بعكس الفريق الاخر؟

وأضاف أنه في حرب عام 1948 توفرت لدينا فرصة الإجابة على كلّ تلك الأسئلة ووضع ما يناسب من حلول فكانت عملية طارق ، التي وضع هو بالذات مع ضابط اركانه محمود الروسان في الكتيبة الرابعة ، أسس وأساليب تنفيذها.

المشير حابس المجالي

يسرد الحقائق التاريخية

أما الحقائق التاريخية التي رأى أنه لا بدّ من معرفتها قبل شرح تفاصيل عملية طارق فهي :

1- بريطانيا العظمى كانت حينئذ هي القوة العظمى المهيمنة في منطقتنا.

2- بريطانيا العظمى هي التي أعطت اليهود وعد بلفور وبالتالي وفّرت كلّ الأسباب لتحقيق الوعد وإنجازه في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

3- بريطنيا العظمى كانت تسعى منذ العام 1937 لتقسيم فلسطين إلى دولتين وفق دراسة للوضع والصعوبات وضعتها لجنة بيل Peel)) لحلّ النزاع المتفاقم في فلسطين بين أصحاب الأرض الشرعيين وبين المهاجرين اليهود الذين تدفّقوا على فلسطين ،لإقامة الوطن القومي اليهودي الذي وعدوا به ، فضلا عن ملايين الجنيهات التي أنفقها أغنياؤهم والبنوك التي كانوا يسيطرون عليها لشراء الاراضي. ولكن كلّ ما استطاعوا الحصول عليه حتى عام قرار التقسيم (1947) لم يزد عن ستة في المائة ، وبعض المؤرخين يقول إنه أقلّ من تلك النسبة بما في ذلك الأراضي الأميرية التي أعطتها بريطانيا–الدولة المنتدبة–لهم لإقامة المستعمرات الأولى عليها. هذا فيما كان الفلسطينيون يملكون 93.7 في المئة من كامل أرض فلسطين التاريخية فجاء قرار التقسيم ( 181) ليعطي من

المساحة الكلية ما نسبته خمسة وخمسون في المئة لإقامة دولة لليهود عليها. بينما أعطي الفلسطينيون الذين يملكون ما يزيد عن 93 في المئة من الارض ، فقط ما مجموعة 44 في المائة من أرض فلسطين لإقامة دولة عربية فلسطينية والواحد في المئة الذي بقي كان لإقامة منطقة دولية في القدس وضواحيها..

4- رفض العرب عاطفيا قرار التقسيم وذلك لإجحافه بحقّ الفلسطينيين الذين أعطي 55 في المئة من وطنهم لليهود الذين لم يكونوا يملكون منه سوى 6 في المئة فقط. هذا فيما كان رأي الملك عبدالله الاول قبول القرار برغم إجحافه لأنه كان أكثر إدراكا من الجميع بحقيقة النظام الدولي وسيطرة القوى الكبرى على منظمة الأمم المتحدة وخصوصا بريطانيا العظمى التي كان واضحا أنها ستلجأ إلى كلّ الأساليب التي تمكّنها من تحقيق وعد بلفور كاملا خصوصا بعد قرار التقسيم. أما اليهود فقد قبلوا بقرار التقسيم ظاهريا للإستناد إلى الشرعية الدولية في إعلان قيام دولتهم.

5- كان الأردن المستقل حديثا قد ارتبط بمعاهدة دفاع مشترك تفرض عليه التشاور والتنسيق مع بريطانيا في أيّ إجراء عسكري قد يعرّضه للخطر.

6- قيادة الجيش العربي كانت بريطانية وضباطه الكبار إنجليز وعدد الضباط العرب من قادة الكتائب أو ضباط أركانهم لا يزيدون عن ستة.

7- كان غلوب باشا القائد العام الإنجليزي معارضا للمشاركة في حرب فلسطين متاثرا بموقف سياسيي بلاده بالتأكيد ، وربما لأنه كان مدركا بأن اسرائيل بعد أن أعلن بن غوريون قيام الدولة في 14 ايار مايو 1948 ستحاول احتلال كامل فلسطين التاريخية التي يسمونها أرض الميعاد ، وستسعى لتحقيق ذلك مهما كانت الكلفة كبيرة ، وكان ذلك سيعني خسائر كبيرة في صفوف قواتنا متجاهلا قوة مشاعر انتمائنا العربي وأن مساندة إخوتنا في فلسطين واجب قومي لا نستطيع أن نتوقف صامتين حياله ، وبالتالي كان يعرف حقيقة القدرات العسكرية التي سنواجهها حين ندخل فلسطين.

8- كان الملك عبدالله حريصا كلّ الحرص على المحافظة على القدس باعتباره ملكا هاشميا ينتمي لأسرة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وسلم) وقيمة القدس المعنوية للعالمين العربي والإسلامي. وقد شدّد على ذلك في رسالة بعث بها إلى غلوب باشا فضلا عن توصياته المشدّدة للضباط العرب–وأحدهم حابس باشا–الذين اجتمع بهم دون علم غلوب لهذا الهدف قبل دخول فلسطين.

9- وهناك حقائق أخرى كثيرة نبّهني لها حابس باشا لا مجال لذكرها الان.

لكن النقطة الجوهرية من الحوار مع المشير حابس المجالي أردته أن يتناول نقطة واحدة هي «عملية طارق». وحين توقف قليلا ليتلو الآية الكريمة: بسم الله الرحمن الرحيم ، والسماء والطارق ،وما أدراك ما الطارق.. النجم الثاقب»... استطرد ليقول أما الطارق فهو الإسم الكودي الذي أطلقناه على خطتنا للمحافظة على القدس بناء على توصيات الملك عبدالله الأول رحمه الله. أما النجم الثاقب فكان عمليا الكتيبة الرابعة.

لقاء غلوب باشا

قبل أن أسمع بقية التفاصيل من حابس باشا اضطررت للإنتقال إلى لندن حين وردني هاتف سكرتيرة الحسين طيب الله ثراه للحضور حالا للّقاء المرتّب مع الجنرال غلوب. وقد امتد هذا اللقاء ليصبح أربع لقاءات كلّ واحد منها استغرق قرابة الساعتين.

بالطبع كان سؤالي الأول للفريق غلوب لماذا كانت معارضته لمشاركة الجيش العربي في القتال في فلسطين بادىء الامر؟ وكانت الإجابة كما توقعت :

أن العرب رفضوا قرار التقسيم رفضا عاطفيا ، ولم يقدّروا التقدير الصحيح ما يتطلّبه الرفض الذي كان يعني مقاومة تنفيذ قرار التقسيم بالقوة العسكرية. ومن اجتماعاتنا مع المسؤولين العرب وخاصة المصريين أدركنا أننا سنزجّ بقواتنا في أتون من النار لا تحمد عقباه ، خصوصا أننا كنا نتابع أولا بأول التجهيزات والإعدادات التي أنجزتها الوكالة اليهودية–والتي كانت بمثابة حكومة مؤقتة لليهود في فلسطين- لاحتمال القتال المسلّح للدفاع عن دولتهم متى قامت. وكان تقديرنا أنهم يتفوقون علينا بنسبة خمسة الى واحد بالرجال والمقاتلين وبتفوّق كبير في السلاح والعتاد. وتجاهل غلوب باشا تساؤلي: ألم يكن واجب بريطانيا بموجب معاهدة الدفاع المشترك أن تزوّد الجيش العربي بكافة احتياجاته من السلاح والذخائر ، خصوصا وأن كبار ضباطه من الإنجليز؟ فسارع بالقول إن الجيش العربي كان الأكثر خبرة وتدريبا بين كلّ الجيوش العربية التي حاربت في فلسطين ، بدليل سيطرته الكاملة على مناطق مسؤولياته ضمن القوات العربية التي دخلت فلسطين. فقاطعته: إذا لماذا استدعاكم إرنست بيفن أنت والسيدين توفيق ابو الهدى وفوزي الملقي إلى الإجتماع معه في 28/4/1948؟ فلمعت عيناه حين طرحت السؤال: كيف عرفت بهذا اللقاء مع أنه لم يرد في أيّ وثائق أردنية، فقد نقل السيدان أبو الهدى والملقي تفاصيل الإجتماع للملك عبدالله الأول وجاهة. فحدثته عن خبر البي بي سي BBC.. وحيث أني لم أقتنع بفحوى الخبر أريد أن اعرف منه التفاصيل.

قال غلوب إن بريطانيا كانت تعرف موقف الملك عبدالله الأول من فلسطين ومن القدس بالذات ، وتعرف أيضا ما ذكرته لك آنفا عن قدرات وتجهيزات الجيش العربي، لذلك نشأ لدى الحكومة البريطانية تصوّر بانه إذا دخل الجيش العربي فلسطين ، وفي ضوء الإنتماء العروبي والعاطفي لجنوده وضباطه العرب فقد يندفعون للسيطرة على كامل التراب الفلسطيني ، وساعتئد ستنشب حرب ضروس تضطر معها بريطانيا للتدخّل عسكريا في الوقت الذي كانت تريد فيه الإنسحاب الكامل من فلسطين بعد قرار التقسيم. فأجابه السيد أبو الهدى رحمه الله: حتى لو رغبنا في ذلك فليس لدينا القدرات اللوجستية وخطوط الإمداد والتزويد ، فضلا عن السلاح والذخيرة كما يعرف الفريق غلوب ، وأشار إليّ متوقعا الموافقة الكاملة على ما يقول ، وهو بالضبط ما فعلت ، للقيام بذلك. عندئذ توجه بيفن إلينا بالقول: إن حكومة جلالة الملك – يقصد الحكومة البريطانية – لا تمانع في دخول الجيش العربي إلى فلسطين شريطة أن لا يتجاوز خط قرار التقسيم ولو بإنش واحد ، يقصد الخط الفاصل بين ما حدّد من منطقة للدولة اليهودية وما حدّد للدولة العربية الفلسطينية.

الّلد والرملة :

بالرغم من أني لم أحصل على كافة التفاصيل فقد اضطررت للمقاطعة عندئذ متسائلا: ولكن مدينتي اللد والرملة يا سيدي كانتا جزءا من الأرض المخصّصة للدولة الفلسطينية بموجب قرار التقسيم ، ولكن القوات الإسرائيلية احتلتهما دون مقاومة من الجيش العربي؟ فكان جوابه: هذا صحيح.. ولكن بموجب توزيع القوات كان يفترض إرسال كتيبة عراقية وأخرى أردنية لتتموضع كلّ منهما في إحدى المدينتين أو إرسال سريّة من الكتيبة الرابعة المسيطرة على جبال اللطرون سيطرة كاملة لتعسكر في اللد وأخرى في الرملة ، ولكن استخباراتنا كشفت أن الإسرائيليين كانوا يعدّون لعملية هدفها المحدّد الواضح تطهير قطاع فلسطين الأوسط من الجيش العربي لفتح الطريق الرئيسي بين تل ابيب والقدس. وعلى الرغم من أنهم افتتحوا طريقا ترابيا جانبيا خلال الهدنة اسموه طريق بورما إلاّ أن الهدف الأكبر والأهم لتجاوز منطقة اللطرون كان تطهير الطريق الرئيسية بين المدينتين. وكان ذلك أساس التكوين التعبوي لعملية إسرائيلية أسموها «عملية داني» Dani والتي استمرت من 9-18 تموز 1948 لتحقيق هذا الهدف بايّ ثمن ، لنجدة القدس الغربية المحاصرة من قبل الجيش العربي. وقد استطاع القائد المكلّف بالعملية «إيغال آلون» أن يجمع خمسة ألوية أحدها لواء دبابات «هاري إيل» بقيادة اسحق رابين، إضافة إلى ثلاثة من نخبة ألوية البالماخ وهي ما توصف بانها قوات خاصة أو قوات صاعقة مقابل اللواء الأردني الاول المؤلف من كتيبتي المشاة الثانية والرابعة.

وإذ بدا أن الفريق غلوب يتذكر الأحداث كما لو وقعت قبل أيام وليس سنوات أضاف مسرعا: في تلك الأثناء كانت السرية المستقلة الخامسة تدافع عن اللد والرملة قبل يومين من انتهاء الهدنة. وفي يوم 9 تموز بدأ آلون عملية الإحاطة بمدينتي اللد والرملة ، فأدرك ضابط أركان الكتيبة الرابعة (محمود الروسان) التي تكسّرت على دفاعاتها جميع محاولات فتح الطريق إلى القدس أنه كان عليّ أن اقرّر.. فلو أرسلنا إحدى الكتيبتين اللتين تدافعان عن اللطرون وجبال رام الله أو حتى سريتين منهما لنجدة اللد والرملة لخلصنا إلى نتيجة الإستحالة على أيّ ضابط ، ناهيك عن رئيس الأركان أن يتّخذ مثل هذا القرار الصعب والذي لا شك أنه كان من أصعب القرارات الحسّاسة في معارك فلسطين كافة. أي أن وضع الكتيبتين أو السريتين ميئوس منه تماما وستكون النتيجة كارثة محققة.

حين أوصلني الفريق غلوب إلى هذه النقطة وإزاء كلّ ما قراته وسمعته عن بطولات الكتيبة الرابعة التي أسماها الملك عبدالله الأول الكتيبة الرابحة تذكرت قول حابس باشا بعد قراءة المقطع الاول من سورة «وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣«فأدركت أن الكتيبة الرابعة كانت هي فعلا النجم الثاقب لأن جميع محاولات فك الحصار الذي فرضته على القدس الغربية من مواقعها في اللطرون وإسناد المدفعية تكسّرت ، لدرجة أن حابس باشا لم يكن يبالغ حين قال لي إن خسائر القوات الإسرائيلية المهاجمة في مختلف محاولاتها قد زادت في المواجهة الأولى عن أربعمئة قتيل عدا مئات الجرحى. وبعد أن يأسوا من الإستفادة من طريق بورما الترابية كبديل للطريق الرئيسية لمساعدة يهود القدس وإمدادهم بالنجدات أو المقاتلين فضلا عن السلاح والمؤن أعادوا الكرّة بهجمات مكثفة لفتح طريق اللطرون التي تشرف مباشرة على الطريق الممتدة عبر باب الواد الذي يشكّل منطقة واجب الكتيبة الرابعة وتشرف عليه إشرافا كاملا ، فكانت خسائرهم أكثر من ألف وثلاثمئة قتيل ، عدا مئات الجرحى وعشرات الآليات المدمّرة أو المحترقة (ومن يسافر هذه الايام عبر هذا الطريق من القدس الى مدن السهل الساحلي سيشاهد عشرات من هذه الآليات المدمّرة وقد وضعوها في الحبلات الترابية على جانبي الطريق وقد دهنوها باللون الأزرق لتذكير أجيالهم الجديدة بما تكبّدوا من خسائر لكي يقيموا لهم دولة إسرائيل.

وعليه لم يكن من السهل على أيّ قائد – أضاف غلوب باشا _ التضحية بهذا الإنجاز مهما كان الخيار الآخر غاليا على الجميع ، خصوصا وأن الهدف الأسمى كان القدس مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهكذا استطاعت عملية طارق فرض حصار شامل وكامل على القدس الغربية رغم كلّ محاولات كسر الحصار. هذا فضلا عن محاولات القوات الإسرائيلية المتواجدة في القدس الغربية لتحرير اليهود المقيمين في القدس القديمة داخل السور (حارة اليهود) والتي تكسّرت أيضا على أيدي أبطال الجيش العربي. واستمر هذا الحصار مائة وعشرين يوما ، ما دفع يهود القدس القديمة داخل السور لأكل الجرذان وتقنين الماء بما يعادل 10 سم مكعب للشخص الواحد يوميا.. وهنا جن جنون السياسيين في بريطانيا فاستدعي الفريق غلوب الى لندن مرة ثانية وأُمر بفك الحصار فورا.. وإلاّ...

1. إلغاء المعاهدة (معاهدة الدفاع المشترك مع الأردن)

2. سحب الضباط الإنجليز من الجيش العربي

3. وقف تزويد الجيش العربي باحتياجاته من السلاح والذخيرة

4. وقف دفع المعونة المالية لخزينة الدولة الأردنية التي تتكفّل بشكل أساسي برواتب الجيش واحتياجاته.

وعاد الفريق غلوب مسرعا إلى عمان ليبلغ الملك عبدالله الأول بشروط بريطانيا إذا امتنعت القوات الأردنية عن فكّ الحصار القاتل عن القدس الغربية ، لدرجة أن يهود المدينة القديمة مات منهم عدد كبير جوعا وعطشا حين سيطر القائد عبدالله التل على المدينة القديمة والتلال المحيطة بها مباشرة مثل جبل الزيتون.. وكانت النتيجة أن رتّبت لهم فصائل الصليب الأحمر الخروج مستسلمين وقد رفعوا الرايات البيضاء ، لأول وآخر مرة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي ، وبعد أن وقعوا وثيقة الإستسلام سمح للمدنيين بالإنتقال إلى القدس الغربية خارج السور ، فيما أخذ العسكريون منهم أسرى إلى معسكر «خو» لاحتجازهم إلى أن تمّت عملية مبادلة الأسرى.

شروط الملك عبدالله الأول

لفك الحصار عن القدس الغربية

ردّ الملك عبدالله على الشروط التي أبلغه بها غلوب باشا بكلّ ثقة أنه لا يمانع في إصدار الأمر بفك الحصار عن القدس الغربية ، متى تمّ الإتفاق على شروط الهدنة التي كانوا يعملون على ترتيبها كلّما وجد اليهود أنفسهم في مازق. ولكن لديه هو- أي الملك عبدالله الاول–شروطه أيضا وعلى غلوب أن يبلغ البريطانيين بها وهي :

1. التزام الإسرائيلين بالهدنة حيث هم( (In-Place. لأنهم كانوا يستغلون الهدنة للحشد والاستعداد للجولة القادمة. أي البقاء حيث هم دون القيام بايّ تحركات تؤدي الى إسناد قواتهم بمزيد من المقاتلين فضلاعن التزود بالسلاح والذخيرة والمؤن.

2. ألاّ يدخل القدس الشرقية أيّ شخص يهودي وخصوصا البلدة القديمة بعد خروج جاليتهم الصغيرة إلى القدس الغربية من بوابة النبي داود.

3. أن يزوّد الجيش العربي وفورا بكافة احتياجاته من الأسلحة والذخيرة.

4. ألاّ تعترض بريطانيا بعد توقيع اتفاقية الهدنة الدائمة على انسحاب قوات الجيش العراقي التي سيطرت على مناطق السهل الساحلي في جنين وطولكرم وقلقيلية وأن تحلّ فصائل من الجيش العربي مكانها، تمهيدا لعودتها إلى العراق ، لرفض العراقيين التوقيع على اتفاقية الهدنة.

إذا تأملنا الشرط الأخير من شروط الملك عبدالله وتذكّرنا أن قوات الجيش العربي كانت تسيطر على جبال رام الله في الشمال ومنطقة القدس في الوسط وجبال الخليل في جنوب الضفة الغربية وبعد السيطرة على مناطق السهل الساحلي المشار إليها سنجد أن الجيش العربي ضحّى باللد والرملة للأسباب التي ذكرتها في شروحات غلوب إلى درجة أنه استعمل مثالا من التاريخ حين قال: أنا لست نابليون لآمر بعملية مستحيلة.. سرية في كلّ من اللد والرملة أمام خمسة ألوية أحدها لواء دبابات. وبالتالي أنقذ الجيش العربي الضفة الغربية والقدس في وسطها حسب طلب الملك عبدالله الاول ودون ان تجتاز خط قرار التقسيم حسب شروط إرنست بيفن كما في خبر البي بي سي BBC الذي مثّل بداية طريقي إلى اكتشاف عملية طارق العبقريّة.

بعد كل هذا الشرح ، هذه عملية طارق.. النجم الثاقب التي وضعها محمود الروسان بالتشاور مع قائده حابس المجالي قائد وضابط أركان الكتيبة الرابحة.. فهل توافقون أن هذه الكتيبة استحقت وعن جدارة وصف الملك عبدالله الأول لها بانها الكتيبة الرابحة؟

الخلود لأبطالنا والرحمة لشهدائنا الذين جمعونا اليوم في هذ الحمى الغالي .

* دراسة في دور وأداء الجيش العربي - القوات المسلحة الأردنية في الحرب العربية - الاسرائيلية عام 1984 قدمت في محاضرة أمام عدد من كبار الضباط في كلية الدفاع الوطني الأردنية بتاريخ 30 تموز2017.