هناك ازمة ثقة مع الحكومات المتعاقبة لا احد يستطيع انكارها، مردها لتاريخ من العلاقة المهزوزة ، افرزت لدى العامة قناعة ان تغيير الاشخاص لن يفيد ، لذلك بقوا مستفزين نافرين من القادم مترحمين على المنصرف، وفي بعض الاحيان دون ادراك لكثير من التحديات الصعبة او لضعف الموارد المتاحة.

بصراحة لا يوجد من يأتينا بحلول سحرية، فأي حكومة تكمل مسيرة السابقة فالواقع صعب لكن التحسين في كثير من المجالات ممكن ، واذا لمس المواطن مواقع اصلاح فإن ذلك يعطية بعض الامل ويعزز الثقة بالحكومات، بحيث يتقبل المواطن الزيادة المعقولة على الاسعار او قد يبادر لدفع الضريبة المترتبة عليه اذا شعر بجدية الحكومة في محاربة الفساد او عدالة التحصيل من الاغنياء والشركات ،وفق اجراءات معلنة وخطوات تتعدى مفهوم التنظير او المناداة بأن من لديه قضية فساد فليبرز ادلته.

الاسباب خلف اهتزاز الثقة معروفة ومحقة ،وهي عدم قدره الحكومات المتعاقبة على اجترار الحلول الاقتصادية المعيشية القادرة على احداث نقلة نوعية في المشهد الاقتصادي الاردني، ولا اقصد هنا ارقام النمو لا نها في اغلب الاحيان لا تنعكس ايجاباً على الجميع لأسباب اهمها نمو السكان بنسب اعلى من النمو الاقتصادي وسوء توزيع المكاسب جغرافياً وتركز الثروة والربح لدى القلة ، بل اقصد عدم انشاء مشاريع جديدة تزيد الايرادات، وضعف آليات الجباية العادلة للضريبة وغياب محاربة الفساد.

الحديث المتكرر من قبل الحكومات عن الفساد واجتثاثه ومنع تفاقمه غير كاف ، فالمطلوب ممارسة المحاربة وليس التنظير بمعنى اجراءات عملية وتقديم الفاسدين للقضاء ونشر اسمائهم ، واعلان اجراءات ملموسة سواء لتحسين المعيشة او حفز النمو او تخفيض العجز المزمن في الموازنة وتفاقم المديونية، من خلال زيادة الايرادات الناجمة عن استقطاب استثمارات جديدة ومن استيفاء الضريبة بشكل عادل من المقتدرين افراداً وشركات.

الموضوع في احد الجوانب المهمة لمحاربته المتمثلة في القضاء على الرشاوى يتطلب التفتيش ومراقبة حسابات الموظفين الحكوميين البنكية من ذوي السطوة المالية وممن لهم القدرة على معرفة الثغرات الإدارية والقانونية ،او ممن هم على علم بغياب الرقابة الداخلية الفعالة والمثابرة .

ففي الكثير من الجهات المالية و الاستثمارية والرقابية ومؤسساتها ولا نعني هنا الكثير من الشرفاء ، هناك حسابات بنكية لموظفين يتقاضون المئات لكن يدخل حساباتهم شهرياً الالاف ، بعضهم يودعها جهاراً نهاراً بأسمائهم الشخصية او بأسماء ازواجهم او اقاربهم ،و تلك الاموال ليس من الصعب اثبات مصادرها، وذلك من خلال متابعة تلك الحسابات لدى البنوك ببعض الجهد الاستخباري ،وربط المعلومات مع الجهات الحكومية المعنية لتحقيق المحاسبة والردع من خلال مبدأ من اين لك هذا.

الجانب العملي الاخر الواجب اتباعه هو ما يتطلب تعديلاً قانونياً لقانون الذمة المالية بحيث يكون مطلوباً من كل الحكوميين من ذوي السطوة المالية الافصاح للعموم عن اوضاعهم المالية او وضعها تحت عين الرقيب بدل السرية والكتمان و الحفظ الامين الحالي في خزائن محكمة لدى وزارة العدل .

الوضع الحالي وفق القانون ان هناك عددا محدودا من القياديين الحكوميين مشمولين بمظلة الافصاح عن ذممهم المالية ، ويجب توسيع تلك المظلة لتشمل فئات جديدة من الصفين الثاني والثالث ممن يملكون القرار المالي اما بزيادة منفعة مالية او تخفيض نفقه لصالح مزود او شركة او فرد، مما سيسهم في اقناع المواطن بأن هنا كبداية مبشره تقود نحو قطف ثمار محاربة الفساد وتجفيف منابعه.

هناك من يرى ان مكافحة الرشى بمبالغها الإجمالية امر غير مهم كونها في مجموعها قد لا تشكل مبالغ كبيرة مقارنة بالناتج المحلي الاجمالي ، لكن الحقيقة انها قادرة على اضعاف النمو وانتقاص الناتج المحلي الاجمالي و الإساءة لسمعة الاردن في غير وجه حق، و تنفير مليارات الدنانير من الاستثمارات الفاحصة للأردن .