كنت يومها في الكويت, والملك – حماه الله- كان للتو قد أطلق تصريحا عن الهلال الشيعي وطموح إيران في المنطقة, لم تكن اليمن وقتها, في قبضتهم.. وسوريا كانت هادئة جدا ومشغولة, بالتحقيق الدولي حول مقتل الحريري..

وكان إعلام المليشيات يومها, لا يكل ولا يتعب من الهجوم علينا, لم تخطر ببالي قصة الهلال, ما خطر هو هذا الهجوم المحموم على الأردن.. وقد سألت هناك وقلت:- (مجرد غضبة وستمضي).. يومها تنطح بعض المتقاعدين ممن أغوتهم بطولات ما بعد التقاعد ووصفوا حديث الملك, بأنه تضخيم للدور الإيراني.. وجبهة أخرى من كتاب المقالات العرب هي الأخرى فتحت علينا نارها, والإعلام السوري استخف بالتصريح وثمة صحف ارستقراطية لبنانية, تعاطت مع التصريح على أنه.. مجرد إنتاج للعداء فقط.

في ذلك الوقت كنت حين ترى خارطة المنطقة العربية, ستجد التصريح فيه نوع من الشك.. لأن اليمن وقتها كانت دولة مستقرة, وعلي عبدالله صالح كان يمهمد لابنه أحمد في الحكم وسوريا, كانت معقل الصمود – هكذا كان إعلامها يصفها - .. وقد خرجت من أزمتها في لبنان, والعراق كان منقسما ومتعثرا, ومن دون عملية سياسية حقيقية.. بل كان ينام على وقع الإنفجارات ويصحو على اثار دماء شعبه, تبلل الطرقات..

لم يكن هناك ربيع عربي, ولا حتى بوادر تحرك شعبي, ومصر بنفس الوتيرة كانت تمهد لجمال مبارك, في الحزب وفي مؤسسات الدولة, كقائد قادم فذ.. وسؤال كان يطرق في أذهاننا, من اين أتى ملك شاب على أول الأربعين من العمر, وقد مضى على تسلمه الحكم (5) سنوات فقط, بهذا الإستنتاج ؟..

الملك أطلق تصريحه في عام (2004) وحين تعود للتصريح وتقارنه بالواقع الحالي ستكتشف, أن الهلال الشيعي أصبح واقعا.. وهو في أول أجندات الدول العربية فالسعودية تعاني من الهيمنة الإيرانية, والإمارات بنفس القدر.. والبحرين يوميا تحاكم وتعتقل من يمولهم الحرس الثوري الإيراني, واليمن تبدلت الزيدية فيها من فئة معتدلة أقرب للسنة, وصارت تحمل عقيدة ونموذج حزب الله في المجتمع.. وفي إنتاج الصراعات.. والكويت هي الأخرى, أعلنت عن تورط للسفارة الإيرانية مؤخرا بتمويل خلية إرهابية ضخمة, ولبنان وصلت إلى الحد الذي يستقيل رئيس وزرائها من الخارج خوفا على استهداف حياته.. الهلال الشيعي أصبح واقعا وحقيقية.. وتصريح الملك في العام (2004).. كان قراءة دقيقة, لمستقبل ما عاد هنالك من مخرج فيه سوى الصدام المسلح..

الهلال الشيعي, لم يعد حلما إيرانيا, بل صار حقيقة فارسية.. فهو شيعي في الوجه والسلوك, ولكنه أيضا يحمل حقدا فارسيا على كل ما هو عربي.. وفي النهاية أصبح هو البند الأول في أي اجتماع عربي, حتى لو كان على مستوى شعراء القصيدة النبطية..

حين خلق الله الدنيا, أنتج دورة للحياة, فلا يوجد نهار مستمر ولا ليل.. من دون انجلاء والهلال هو مرحلة, من مراحل القمر.. ففي أول الشهر قد يظهر ومع اخر الشهر يبهت.. وقد يختفي تماما, وقد يظل القمر كاملا بشكل جلي.. كل هذا يخضع لدورة الحياة, ويحضع للسر الذي أودعه الخالق في خلقه..

وهكذا سيكون مصير الهلال الشيعي, الإنطفاء التام.. لأن دورة الحياة لا تقبل لشيء أن يستمر ويخلد, فحتى الصخر يتعرض لعوامل التعرية.. وتشكل فيه الريح ما تشكل من انحناءات, ونحت.. واهتراء, وإيران شئنا أم أبينا حربا أم سلما.. في النهاية سيغيب هلالها عن عالم عربي, لا يقبل سوى اللغة العربية..على ترابه.

حمى الله الملك.. لا أقولها من قبيل الدعاء فقط, ولكن ثمة صرخة خرجت في العام (2004) من عمان. لم يقبلها العالم العربي وقتها, ولو استمع لها جيدا.. لما كان حالنا بهذا السوء أبدا.