تنفلت بي الأفكار بينما كنت اتنقّل بين الرفوف المحمّلَة بالتحف والأدوات المنزلية بمحاولة مني لإختيار هدية لعروسيْن مقبليْن على حياة جديدة سعيدة بإذن الله!

وبالرغم من عدم ميلي للتسوّق كطبيعة وطبْعا واكتسابا إلا حين الحاجة نائية بعيدا عن إدمانه المضني والحمدلله، إلا انني برمجت نفسي على القبول بالأمر الواقع، فلا مناص من التسوق شئنا ام ابينا ولكن بالمنطق عبر منظومة نسبة وتناسب، لتغطية ما هو مطلوب لعرسان او مواليد جدد او التهنئة ببيت جديد.

ولكن الضروريات تجاوزت كل الحدود وأصبحَتْ على «الطالعة والنازلة» بمحاولة للردّ على كرم الآخرين تجاهنا كلما فتحنا بيوتنا لعزومة غداء او عشاء وما بينهما..والحياة سداد وديْن!

فعلا فبعد مضّي الزمن الجميل المفعم بالمعاني الصادقة المتجذرة ببيوتات العز المؤطَّرة بوفائها لكل علاقة حقيقية ثابتة لا تحتاج الى «صكوك المحبة» بسلسلة هداياها، بل عبر ممارسات واقعية لمفهوم «لاقيني ولا تغدّيني»..

بينما ترى بعصرنا الماديّ البحت الكلَّ يدخل على الكلِّ محمّلا، بدون اية مناسبة سوى أنّه معزوم، بالرغم من دخولهم البيت مرارا وتكرارا ليصبحوا من أهل البيت نفسه.. فلم هذه الأعباء الزائدة التي ترهقنا ماديا ومعنويا وزمنيا؟..

نعم الزمن الذي بات قصيرا بوقته المقتَطَع المقطَّع بين تفاقم المسؤوليات والواجبات التي يرزح تحت ثقلها الكثيرون، بسبب «غياب» مفهوم «إدارة الوقت « عند نسبة لا بأس بها من الناس ، ليصبح «غيابها» بمثابة القاسم المشترك الأعظم بالمجتمعات النامية التي تخلّفت عن الركْب نتيجة عبثها بمفهوم «ادارة الوقت»..ولهذا فهي «شعوب متخلفة» على الصعد كافة!

كيف ؟

فالفرد يؤثر بقلة إدارته للوقت على افراد آخرين، والجماعة تؤثر ايضا بعدم احترامها للوقت على جماعات اخرى، ونتيجة «لتاثير الدومينو»هذا – (نظرية تشير الى ان هذا التفاعل التسلسلي يحدث عندما يسبب تغييرٌ صغّيرٌ تغييراَ مماثلا بجواره والذي بدوره سيحدث تغييرا مماثلا، وهكذا بتسلسل خطيّ محدثا سلسلة من الإصطدامات سواء بالحياة اليومية والعملية او المالية او السياسية ليصبح الكل يدور بدائرة التخلف والتأخير وما يتبعها من خسائر مادية ومعنوية!-)

على اية حال.. بغض النظر عن هذا كله بدأتُ أخيراً أستمتع بفسحة التسوّق لأنها تعطيني مهلة بعيدا عن المتطلبات الجدّية، فأناقة عرضها تجذب نظر المستهلك وخاصة من فصيلة النساء اللواتي يتمركز دوامهن الرسمي حول «الشوبينج» ولا شيء آخر من ملابس ومصاغ واثاث وصرعات التجميل.. الخ اضافة الى سلال السوبرماركت المكدّسة تكديسا فنعتقد باننا على وشك مجاعة مقبلة اوعاصفة ثلجية مثل «كاترينا» وأخواتها فنصاب بعدوى التسوق.. وبالنهاية وبعد كل هذا التسوق الجماعي «المجاعي»-مجاعة- ياتي موبايل بسيط للزوج الحزين :هات معك تيك أوي- وجبة جاهزة من السوق..

«فقط بعض النساء» لكن تاثيرهن الإقتصادي تماما كتأثير «الدومينو».. نساء تقلد نساء وغالبيتهن مربيات للأجيال وفق «دومينو الاستهلاك» المفتقر للإنتاج.. استهلاك يقتات على رحيق هدوئنا وصفاء نفوسنا!

فلنعد لموضوعنا..وبينما كنت اتفحص الرفوف تناهى لسمعي تساؤل احدى المتسوِّقات: هل هذا الأنْسَب ام ذلك ؟كيف أوفق بينهما ؟

وتكرر التساؤل دون ان أسمع اجابة على تساؤلاتها ،فظننت انها تقصدني بسؤالها، فالتفتُّ اليها لأجدها تتحدث مع نفسها ثم تعود الى موظفة المحل تطلب منها إعادة فتح الصناديق الكرتونية التي اختارتها مسبقا للتأكد من انسجامها مع التي تحملها بيدها، والقلق والضيق يعلوان محياها، وهي «بحيص بيص» بين ما تحمله وبين ما اشترته وبين المكدَّس ببيتها.. فبدت عاجزة عن التوصل لقرار! فاذا بها تفاتحني: تصوري اقمت عشاء ثم غداء منذ اسبوعيْن فإذا ببيتي يمتلىء بهدايا من «هذا المحلّ» ولهذا اريد استبدال بعضها وإضافة اخرى لتتناسب وتلك الموجودة عندي.

ابتسمتُ لها مشجعة–الله يكثّر من المناسبات الحلوة. اردفَتْ بدورها: لم يكن هنالك مناسبة بل هو مجرد عشاء وغداء لأغتنم فرصة الطقس الجيد بحديقتنا قبيْل حلول الشتاء، فاذا بالبيت يمتلىء بأكوام هدايا «المحلّ».. وانا ملزَمة الآن بالتبديل بالفترة المسموحة بها.

قلت مازحة وقاصدة: لا بد من اعادة الحياة لوثيقة السلط الشعبية وتجديدها تطبيقا وسلوكا بعد إطلاقها بتشرين اول 1981، وما تبعها من عهود ومبادرات كلها تحذو حذوها !

قالت: الأمر يزداد سوءا ولهذا التقى السلطيون مؤخرا لتجديدها، ليعيدوا الإعتبار للتقاليد والعادات الأصيلة، نابذين الإسراف والزيف.

ذكِّر إن نفعت الذكرى!.

hashem.nadia@gmail