عمان - إبراهيم السواعير

أكّد نقّاد وأدباء غنى تجربة الشاعر زياد العناني، واقفين على قاموسه اللافت بالاشتغالات وأسئلته الوجوديّة، متأملين عناوين أضافت إلى قصيدة النثر قيمةً كبيرةً، من مثل مجموعته «خزانة الأسف» التي كانت عيّنةً على مجموعات نوعيّة للعناني شخصيّة ملتقى الأردن للشعر في دورته الأولى التي انطلقت بتكريمه أول من أمس من قبل راعية الملتقى وزارة الثقافة.

ورأى د.سامي عبابنة أنّ تجربة العناني تمثّل واحدةً من أبرز تجارب الشعراء الأردنيين في اهتمامه بالنزوع الإنسانيّ الذي يرى في الإنسان مركز الكون، وسعيه إلى بلورة رؤآه عن الكون والوجود وما يستثيره الوجود الإنسانيّ في الحياة من مشكلات اجتماعيّة وسياسيّة وفكرية من منطلق رؤية فردية تعاين الكون والوجود، وتعيد طرح الأسئلة الأولى التي أسست الفهم الإنساني لهذه المشكلات، وذلك ما يمثّل الحساسية الجديدة المبنية على معطى الحداثة الشعرية.

وقال عبابنة إنّ هذه الحساسيّة الجديدة تجسّدت في موضوعات شعره غير المعتادة من القراء غالباً، مما وسم شعره بالغرابة والتمرد والخصوصية، ولم يكن ذلك على صعيد موضوعات شعره حسب، وإنما في أسلوب كتابته الشعرية، وانتهاءً بنظرته إلى اللغة وموقفه منها؛ إذ لا يتعامل مع اللغة على أساس قدرتها على تمثيل فكره ورؤيته فقط، وإنما في جعل اللغة مجال عمل لخرق نسيجها المفاهيمي لتكوين فكرهِ ورؤيته الجديدة.

وتحدث عبابنة عن «الثيمات الفكرية» التي كانت مدار شعرية العناني ورؤيته للحياة، دارساً أثر ذلك على تشكيله الشعري، مناقشاً النزعة التأملية وحالة الإحساس الحاد بالتفرد في الوجود، مما يدفع الذات الإنسانيّة إلى التمرد على الفكر السائد، وتأسيس شكل من القطيعة مع منظومات الفكر والحياة الاجتماعية بمختلف جوانبها، وهي تمثل الوجه الأبرز لفكر الحداثة، إذ جاء شعر العناني ممثلاً لذلك وفق ثلاثة أبعاد، الأول إعادة طرح الأسئلة الأولى حول سرديات الوجود الإنساني، والثاني التشكيك في وحدة الذات الإنسانيّة وكينونتها، والثالث التشكيك بعلاقة الشاعر بأسلافه.

وقرأد. عبابنة من نصوص العناني: «قبل العالم/ لم يك غير الموسيقى/ والقطن الأبيض/ منذ قرون/ نبت الإنسان/ وحقول القمح الملتحية/ واجتمع العالم في رأسي/ وانتشرت كلّ نجوم الليل على/ هيئة مسبحةٍ هائمةٍ انقضّ عليها الضوء».

ورأى الدكتور عمر شبانة، في الندوة التي أدارها د.نارت قاخون، أنّ قصيدة العناني تحظى بقدر من اليناعة والخضرة والطراوة، قلّما نجد لها مثيلاً في قصيدة النثر العربية، خصوصاً القصيدة التي يكتبها أبناء جيله، جيل التسعينات، من الشعراء العرب، لافتاً إلى سمات التجربة الحياتية من النسق المغامر على أكثر من صعيد ومستوى، سواءً على مستوى العيش واتخاذ نمط في الحياة مختلفٍ، أو على مستوى ثقافة الشاعر ومرجعيّاته الثقافية، أو على صعيد وعيه للعالم من حوله. وتحدث شبانة عن خصوصية العناني في عوالم غريبة تأخذنا إلى نصوصه وقصائده وتتسم بالغرابة والجدّة والاختلاف، رغم الشعور ببساطتها وعاديّتها، مناقشاً اللغة الشعرية بكل مكوّناتها، كما قرأ مجموعة العناني «جهة لا باسَ يُغريها»، واقفاً على تعريته لجهاتٍ عدّة، بل لكلّ العالم، أو بكلّ ما يشتمل عليه من ثنائيات متضادّة، خصوصاً في ما يتعلق بثنائيّة الموت والحياة.

وتوقّف شبانة عند لغة صيغت بها عوالم العناني، وتنتمي إلى الوحشيّ الخشن، بل والشرس حيناً، حين يتعلق الأمر بمواجهة الخراب، أو تنتمي إلى الرقة والعذوبة حين يتعلق الأمر بالتعبير عن الحبّ والجمال، متمثلاً بلونٍ صوفي سيريالي في صور غير مألوفة.

وقرأ شبانة من قصيدة الأوبرج وهو حانة في عمان القديمة: «والنُّذُلُ يطوفون/ بعرق الكروم/ وحين تدور الرؤوس/ يتناثر الهذر الحزين/ يؤلمنا الصّحو/ وتؤلمنا العزلة/ ويؤلمنا لصوص السياسة/ وسماسرة البنوك الدّول/ وتؤلمنا أشباح النهار/ حين تطلّ في عزّ الظهيرة/ على هيئة تجار حربٍ ربحوا بها/ وسيربحون بعدها/ هل سجّل التاريخ أنّ مخموراً/ أقام مقبرةً/ أو خطف طائرة أو اختلى ببلد!».

ورأى د.حكمت النوايسة أنّ ديوان «خزانة الأسف» الذي كان قد مُنع لم يكن غير فيض طفولي من روح لم تبارح المساحة من البراءة، ولم تفارق منطقة التعلّم من التألّم والتأمّل، في مرجعيّة بيضاء تماماً، إلا من الإيمان الفطري بالله، إذ يعرف الله بالإطلاق وبالشفافيّة البعيدة عن كلّ ما يمكن أن يضيف إلى التسليم الفطري من محددات عقديّة أو أيديولوجيّة أو موجّهات نقليّة، وفسّر النوايسة ذلك بأنّ الشعر هنا هو بلا أيديولوجيا، كما أنّ السجيّة البشريّة متحررة من التأشير الاجتماعي ومقنناته المكتسبة، ومكامن النفس البشرية ببياض دوافعها، غير محوّرة، متمثلاً بقول العناني: «أودّ/ لو أنزع من رأسي/ كلّ كوابيس/ النفس الأمّارة بالكبت/ وأنصت/ بين الأصقاع المهجورة/ لحفيف الأوراق الحرجيّة/ وهي ترتّب أنساغ الفطرة/ لا ذنب ولا أخطاء».

وخلص النوايسة إلى أنّ شعر العناني يدور في فلك المعنى لا غير، إذ أنّ الشعريّة لديه شعريّة معنى، وهو ليس معنيّاً بالصورة الشعريّة، إلا من حيث هي مطيّة معنى يسافر من خلالها إلى العقل الوجداني.

وكان استهلّ الشاعر زهير أبو شايب الندوة بقراءته نصوصاً للعناني حملت أسئلته الوجودية وتداوله الذكيّ لكثير من الأمور والأحداث بأسلوبه الساخر المعتاد والمشحون بالطاقات الإبداعية وفلسفة الأشياء.