أدارها: د.خالد الشقران

حررها: إبراهيم السواعير وبثينة جدعون

قرأ عددٌ من السياسيين وخبراء النزاعات الدوليّة، في ندوة نظّمها مركز الرأي للدراسات، جملة التفاعلات السياسيّة والعسكريّة والإقليمية في الشرق الأوسط، مناقشين محاور التحولات السياسيّة والأمنيّة في المنطقة، والمواءمة بين الحلول وهدف الاستقرار، ومستقبل التنظيمات المسلّحة،كما قرأوا موضوع التدخل الروسي والأميركي والإيراني في المنطقة، والمسؤوليّة العربيّة والأردنيّة في مواجهة التطورات السياسيّة والعسكرية.

ووقف المنتدون على أهميّة وجود وزن عربي قادر على ممارسة الضغط الدولي، في ظلّ العمل السياسي العلني لدول الإقليم، ونشوء خطاب جديد يحمل معنى الحشد ويدخل فيه «الدين» مؤثراً قوياً، مع أنّ الحرب على داعش» فجّرت الدعوة إلى قراءة معنى الدين من المنظور الإنساني، خصوصاً في خضمّ بروز»العلمانيّة» و»التديّن السياسي» قوتين تتصارعان على الساحة العربية.

كما أعربوا عن قلقهم من إعاد التشكيل الهادئ والمنفعي للمنطقة، مؤكّدين أنّ تحدّي العرب هو في التعامل مع سواهم في المنطقة سياسيّاً وعلى مستوى عرقيّاتهم، في وقت تجري فيه مفاوضات إقليمية جريئة أمام العرب وعليهم في ظلّ انعدام وزنهم السياسيّ والعسكري.

وناقشوا خطورة البرنامج النووي الإسرائيلي المتقدّم وارتباطه الوثيق بالسيطرة على المنطقة، كما ناقشوا البرنامج النووي الإيرانيّ وارتباطه بما أسموه «النشوة الوطنيّة».

ورأوا أنّ التحولات ليست حكراً على المنطقة العربيّة، داعين إلى أن نتعامل معها أسوةً بالغرب ضمن الإطار المؤسسي، حيث يعود التأثير والفوضى في المنطقة العربية إلى فشلنا في إنتاج دولة مؤسسية قادرة على التعاطي مع هذه التحولات والتي هي صراع هويّة في نهاية المطاف. ولفت مشاركون إلى ضرورة ملاحظة أنّ الصراع في المنطقة ليس إسلاميّاً وعلمانيّاً فقط، بل يمتد ليكون ليبرالياً وعلمانيّاً، ولذلك فلا بدّ من قراءة مرحلة ما بعد العلمانيين.

وقالوا إنّ شبه غياب أو عدم وضوح للهوية القوميّة في المصطلح السياسيّ، وأنّ اغتيالاً للمفهوم الإسلاميّ بزجّه في التنظيمات المسلّحة، التي لم تكن وليدة الذات بل صنيعة دول وأجهزة إقليمية، على أرضيّة غياب الحريّات وفكرة حقوق الإنسان.

وحذّر المتحدثون من الانكشاف الاجتماعي والثقافي والحضاريّ للمنطقة العربيّة، ومن أبعاد الاصطفاف الطائفي والديني، داعين إلى عبور المستقبل باتجاه الخيارات الديمقراطيّة الحقيقيّة.

وحول موقف الأردن في منطقة ملتهبة، رأى المشاركون أنّ الأمن بمفهومه المجتمعيّ الأوسع هو توسيع دائرة العلاقات الأردنية والدبلوماسيّة، وتفعيل شراكة المجتمع ليفكّر بكيفية الخروج من المأزق والحفاظ على الوجود، في ظلّ نظام دولي وإقليمي تتضح فيه بوادر التحوّل.

أبو عودة: الوزن السياسي

رأى رئيس الديوان الملكي الأسبق عدنان أبو عودة أن منطقتنا، وبصفتها تمتد بين قارتين، أخذ التطوّر التطور السياسي فيها اتجاهين، أحدهما أراد أن يكون غربياً وفشل.

وقال إنّ هذا الاتجاه بدأ من نهاية الحرب العالمية الثانية واستمر حتى يومنا الحاضر، معتمداً على بناء مفهوم الديمقراطية والمواطنة ودولة الأمة، مؤكداً أنه بدأ بداية صحيحة، ولكنّ الانقلابات العسكرية التي حدثت في العالم العربي غيّرت كل شيء، وبالتالي فقد حدثت كل هذه التراجعات.

ورأى أبو عودة أنّ مشكلات المنطقة تتميز بكثرة اللاعبين، مشيراً إلى أنّ اللاعبين عادةً، وبالمفهوم السياسي التاريخي، هم الدول، فقد نشأ في المنطقة ما يسمى بـ»القيمة المسلّحة»، وهؤلاء اللاعبون إما أن يكونون على شكل دولة، أو كتنظيمات.

وصنّف أبو عودة هذه المشكلات إلى ثلاثة نماذج: القديم ممثلاً بالقضية الفلسطينية، والحديث المصنوع نتيجةً للتدخل، ومثال ذلك ما يحدث في العراق، والحديث ممثلاً بالمشكلة السورية، حيث الخلطة التي جمعت ما بين التدخل ونتيجة التخلف في التقدم السياسي، موضّحاً أنّ العامل الخارجي يولّد العامل الداخلي.

ورأى أنّ هذه النزاعات تمتد من شمال إفريقيا، بصرف النظر عن حجم وحدة توترات شمال إفريقيا، إلى اليمن في جنوب العالم العربي وسوريا والعراق، لافتاً إلى أنه قد تخرج قضية جديدة هي قضية الأكراد.

وأضاف أبو عودة أنّ المشكلات هذه انعكست على الأحوال الداخلية للبلدان، وأثّرت في الاقتصاد، وكذلك في الواقع الاقتصادي الاجتماعي في هذه الدول، إضافة إلى دخول عامل جديد خفي، نشعر بتأثيره كل يوم وهو عالم «التواصل الاجتماعي»، السريع بتأثيره وأهميّته وعدم سهولته.

ورأى أبو عودة أنه لا يوجد في العالم العربي اليوم أيّ دولة عربية ذات قدرة دولية على الضغط.

وقال إنّنا لدينا قوى إقليمية في المنطقة، ممثلة بكلٍّ من تركيا وإيران وإسرائيل، التي تعمل الآن وبشكلٍ علني.

ورأى أبو عودة أنّ هذا الأمر أصبح نقطة قلق في الخليج، مفسراً ذلك بأن هؤلاء في حالة قلقٍ مصدره إيران (الشيعية).

ولفت إلى خطاب روحاني في الجمعية العامة مؤخراً، واستخدامه تعبيراً فارسيّاً يقول: «إنّ عليكم أن تتذكروا في التاريخ أنّ بلاد فارس هي الوحيدة التي أنقذتكم». كما رأى أنّ المذهب له قيمة كسلاح حشدي، اعتماداً على أنّ الدين والمذهب يمثلان قوة للحشد عادةً ولتجميع الناس، وأنّ هناك توجيهاً معنويّاً دينيّاً واضحاً للعيان.

ورأى أبو عودة أنّ مشكلة العالم العربي ليست إسرائيل أو إيران فقط، أو الحكام والحكومات العربية، بل هي مشكلة أعم، إذ انتبه النابهون لما يُكتب، مؤكداً أنّ لدينا مشكلة صراع حقيقية بين الماضي والمستقبل، حيث الماضي هو ممثلٌ بمفاهيم دينية عتيقة، كما أنّ المستقبل ممثلٌ بالقول، واستخدام جمل كثيرة منها العلمانية.

ورأى أنّ الصراع مع «داعش»، بكلّ وحشيتها وانحرافها الأخلاقي والقيمي باسم الدين، له ميزة أنّ الناس أصبحوا يكتبون بجرأة أكثر، مبيناً أننا إذا تابعنا الكتابات المختلفة في مجلات عربية متنوعة نجد هذه القوى الجديدة الصاعدة تتحدث بطريقة أخرى عن مفهوم القيم، وكيف أنّ الأديان متحدة في مفهوم واحد من خلال القيم الإنسانية، لافتاً إلى أنّ هذا الأمر هو جديد ولم نسمعه في الماضي، كما يُعدّ قوة جديدة، وبالتالي فإنّ لدينا مصطلحات كثيرة، منها: العلمانية والدكتاتورية، والدكتاتورية والديمقراطية، فضلاً عن المشكلات السياسية الخلافية الممثلة بالإقليمية والمذهبية... إلخ، حيث العلمانية مع التدين السياسي قوتان تتصارعان على الساحة العربية.

وأضاف أبو عودة لذلك مشكلاتنا الإقليمية، مذكّراً بأنّ القضية الفلسطينية تعدّ قضية إقليمية.

وقال إنه، وفي ظلّ غياب الجامعة العربية وغياب دولة عربية واحدة جاذبة ذات قيمة مؤثرة على المنطقة، فإنّ الأمر سيظلّ متروكاً لقوى الإقليم والقوى الدولية، لافتاً إلى أنه لا يندهش من أن يرى روسيا وأميركا تعيدان تشكيل المنطقة بعد مئة سنة من تشكيل فرنسا وبريطانيا لها، مشيراً إلى أنّ المنطقة تحت عملية إعادة تشكيلٍ هادىء.

ورأى أنّ إعادة تشكيل المنطقة تتم بدولتين (روسيا وأميركا)، مشيراً إلى استخدام كلٍّ من دول الإقليم والدول المحلية كأدوات، إذ الإساس هو إعادة تشكيل للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية في العالم.

أبو جابر: التدين السياسي

لفت وزير الخارجية الأسبق د.كامل أبو جابر إلى اشتمال المنطقة على أجناس العرب والفرس والأتراك والكرد، فضلاً عن إدخال الاستعمار الغربي قوة جديدة في منتصف الأربعينات هي إسرائيل.

ومن ذلك، رأى أنّ انعداماً للوجود العربي في القرار العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، مضيفاً أنّ أحد أسباب وصولنا إلى هذا الحال المزري هو ثقافتنا وحضارتنا، مبيناً أننا كنا على قدم المساواة مع العالم الغربي في قرون سابقة، لكنّه انطلق وما يزال ينطلق، بينما ما نزال نحن متوقفين.

وعزا أبو جابر ذلك إلى احتكام العالم الغربي للعقل في ما يتعلق بشؤون الدنيا، في حين بقينا نخلط بين المقدس وغير المقدس، بالرغم من أنّ الإسلام دينٌ سهل يحتكم للعقل، خصوصاً وأنّ أول كلمة في القرآن هي اقرأ، وفي ذلك دعوة إلى التعقل والتفكير.

ورأى أنّ الفرق بيننا وبين الغرب هو أننا كحضارة عربية إسلامية أرقى من أيّ دولة أوروبية، لكنّ هذا الرقي الحضاري لم يواكبه رقيٌّ تكنولوجي.

وقال أبو جابر إننا نعتقد بأنّ العالم الغربي فَقَدَ دينه وهو اعتقادٌ غير صحيح، مبيّناً أنّ تحول الدين عند الغرب بعد الاحتكام للعقل بشؤون الدنيا أكثر مما هو موجود لدينا، حيث الدين لدينا هو التدين، في العبادات، بينما الدين والتدين في الحقيقة أمران مختلفان.

وقال إننا نعاني من تديّن العالم الغربي الذي تغلغلت فيه الصهيونية وجيّرت كل الحضارة الغربية لمصلحتها، مشيراً إلى أنّ ترامب مثلاً هو رجل متدين، وبوش كذلك، داعياً إلى ضرورة الاحتكام للعقل، خشية أن نصبح غير موجودين.

واشار إلى وقوفنا كمتفرجين، حيث إيران تتفاوض مع تركيا، وتركيا تتفاوض مع إسرائيل وأميركا، وهم كذلك يتفاوضون علينا، وهو ما رآه غياباً لنا كوزن سياسي وعسكري، بدليل الثقة التي يتحدث بها نتنياهو، ومع ذلك دعا أبو جابر إلى وجوب إعطاء أملٍ للأمة، في ظلّ عدم وجود أيّ أمل، خصوصاً أمام الأوضاع في سوريا والعراق.

ورأى أنّ السؤال الأهم في المنطقة هو «ماذا تريد إسرائيل؟»، و «ماذا يريد نتنياهو؟»، وليس ما يريده الحكام، بل «ماذا تريد إسرائيل أن تفعل بالمنطقة؟».

ولفت إلى أننا نسينا كعرب فنّ الحكم منذ أيام المعتصم، فمنذ تلك الأيام لم يحكم العرب أنفسهم، إلا عندما ثار الشريف حسين بن علي مطلقاً رصاصة الثورة العربية الكبرى.

ورأى أننا إذا استطعنا الوصول بلطف وهدوء إلى نوع من توحيد السياسات، فربما نتمكن من خلق مركز قوة.

خليل: البرنامج النووي

رأى مدير المعهد العربي لدراسات الأمن في الجامعة الأردنيّة د.أيمن خليل أن ارتباطاً بين ضعف القوى الاقتصادية لبلد واعتمادها على السياسة الخارجية، وهو ما تمثله حال العرب هذه الأيام.

وقال إن إسرائيل تعدّ القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، والبلد الوحيد الذي يحوز على مئات من الرؤوس والقنابل النووية التي يمكن أن تركّب وتستخدم في أقل من خمس ساعات، مؤكّداً أنّ البرنامج النووي الإسرائيلي المتقدم يرتبط بشكل وثيق بالسيطرة أو الهيمنة على المنطقة.

ورأى أنّ برنامج وجود إسرائيل وتحقيق الردع في المنطقة لم يتم، مبيناً أنّ السلاح النووي الإسرائيلي لم يثن المصريين عن استعادة سيناء، كما لم يمنع صدام حسين من استخدام صواريخه وقدراته البالستية تجاه تل أبيب، ولم يثن حزب الله عن مهاجمة شمال إسرائيل، وهي أمثلة من كثير.

وقال خليل إنّ لدينا برنامجاً نوويّاً آخر مرتبطاً بـ»النشوة الوطنية»، متحدثاً عن البرنامج النووي الإيراني الذي يلبي طموحات إيران، ودفاعها عنه بأنّه لأغراضٍ سلمية، مشيراً إلى أن البرنامج النووي الإيراني مفتوح للرقابة الدولية وللمفتشين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإلى أنّ التوقيع النهائي الذي حصل على الاتفاق النووي 5+1 مع إيران يتيح لها المباشرة في عمليات التخصيب للأغراض السلمية إلى حدٍّ معين.

وتابع خليل بأننا أمام برنامجين نووين شائكين: الأول يرتبط بالوجود والردع وهو البرنامج النووي الإسرائيلي، والآخر يرتبط بالهيمنة الإقليمية أو النشوة الوطنية وهو البرنامج النووي الإيراني، ومن ذلك تساءل: ما المطلوب على المستويين العربي والدولي؟

وقال إنّ الآراء تباينت في ما يتعلق بمعالجة هذه الملفات، من حيث أنه يمكن أن يكون الحل بمواجهة عسكرية عن طريق إيقاع العقوبات أو تحالفات جانبية وما شابه ذلك، مشيراً إلى أنّ جامعة الدول العربية والأمم المتحدة قد نادت ومنذ وقت طويل بضرورة إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية في الشرق الأوسط، والخيار المنطقي الوحيد هو في المجموعة العربية.

كما أشار خليل إلى أنّ معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية تحدثت عن ضرورة معالجة القدرات النووية الإسرائيلية.

وبخصوص الملف السوري قال إنّ الفهم الآن هو أنّ الوضع العسكري يميل للنظام السوري، وما كان هذا ليكون لولا الدعم اللوجستي الروسي الكبير والجوي بالصواريخ البالستية، لافتاً إلى أنّ روسيا حالياً تنصب معدات الدفاع الصاروخية في ثلاثة مواقع في سوريا، في اللاذقية ومحيطها وبالقرب من دمشق، متسائلاً عن البعد الاستراتيجي لهذه الصواريخ والمنظومات المضادة للصواريخ.

وشرح خليل أنّ منظومة s300 هي أقل تطوراً من s400 وهي صواريخ عالية الجودة تتعامل تقريباً مع 2000-2500 هدف في الدقيقة الواحدة وتعمل بنطاق نصف قطره 300كم، وبالتالي فعندما تنصب ثلاث منظومات صاروخية في ثلاث مواقع مختلفة من سوريا، فإنّ في ذلك سيطرةً بشكل مباشر على السماء، منوّهاً إلى أنّ الروس في عملهم هذا يكونون بشكل أو بآخر قد أقروا وأنشأوا منطقةً خالية من الطيران فوق الأجواء السورية، وبالتالي فإنّ أيّ سلاح جو غربي أو أي سلاح جو يتبع للتحالف الغربي للقضاء على الإرهاب يجب أن يأخذ الإذن من الروس حتى لا يتعارض مع المنظومة الصاروخية الموجودة لديهم، وبالمقابل فإنّ هناك أكثر من خمس هجمات معلنة من قبل سلاح الجو الإسرائيلي.

ورأى أنّ هذا الأمر له معنيان، إما أن كفاءة s300 وs400 ليست بالكفاءة المطلوبة، أو أنّ الأمر قد تم بالتنسيق مع القيادة الإسرائيلية.

وتابع خليل: إننا نعرف أنّ الأميركيين سحبوا برنامج CIA المخصص لتمويل المعارضة ودعمها،كما أنّ الحكومة الأميركية «غسلت أيديها» بشكل أو بآخر، الأمر الذي يقود إلى استنتاج واضح بأنّ الروس يملكون زمام المبادرة في سوريا.

ورأى أنّ الإيرانيين من خلال تواجد أفراد من الحرس الجمهوري والحشد الشعبي المدعوم من إيران والمدعوم من الحكومة العراقية وقدراتها البالستية التي تم الإشارة إليها، يعملون على تجربة كل ما لديهم من قدرات بالستية في أكثر من نطاق ومجال، حيث استخدمت صواريخ تم تطويرها من قبل الصناعات العسكرية الإيرانية وبنجاح باهر.

ولفت خليل إلى أنّ اتفاقية (5+1) في إيران تنصّ فقط على طرق السيطرة على الملف النووي الإيراني، ولا تشير بأيّ حال من الأحوال إلى القوى البالستية لإيران، ما يعني أنّ الإيرانيين في مسعاهم لتطوير قدراتهم البالستية هم أيضاً يلعبون بالقانون، لا خارجه.

المومني: الدولة المؤسسية

قال أستاذ فضّ النزاعات الدولية بالجامعة الأردنيّة د.حسن المومني إنّ التحولات ليست حكراً على المنطقة العربية، فهناك تحولات عالمية من أميركا إلى الصين، منوّهاً بأنّ طبيعة هذه التحولات والمتغيرات تختلف في طريقة التعاطي معها، مبيّناً أنّه في الغرب (أميركا وبريطانيا وألمانيا) يتم التعاطي مع هذه التحولات ضمن دولة مؤسسية في هذا الجانب والسياق، وضمن إطار وقنوات مؤسسية.

وعزا المومني هذا التأثير والفوضى في المنطقة العربية إلى فشلنا في إنتاج دول مؤسسية قادرة على التعاطي مع هذه التحولات والمتغيرات، مؤكّداً أنّ التحولات والتغيرات ليست بالشيء الجديد.

ورأى أنّ مسألة تشخيص الواقع العربي عملياً وعلمياً ليست صعبة، مبيّناً أنّ هناك صراع قوى في المنطقة العربية، يجيء نتيجةً لفشل إنتاج الدولة القادرة على التكيّف وضبط إيقاع هذا التغيير وغيره في الدولة المدنية والمؤسسية.

ومن ناحية عملية رأى المومني أنّ المحرك والسبب الرئيسي وراء هذه التحولات والصراعات يمكن أن يكون مسألة الهوية، بصرف النظر عن الحالة المذهبية أو العرقية أو الثقافية، حيث المسألة في العالم هي صراع هوية.

ودلل بأنّ الصراع ليس إسلامياً وعلمانياً فقط، بل هو صراع الليبراليين والعلمانيين أنفسهم في هذا الجانب أيضاً، وكذلك في العالم الغربي في أوروبا هناك صراع بين الليبرالية والشعبوية في هذا الأمر، لافتاً إلى أنّ النقاش لم يعد في الموضوع العلماني فقط، بل أصبح حول عالم ما بعد العلمانيين.

ورأى المومني أنّه، وفي ظل التحولات السياسية والأمنية في المنطقة العربية، وفي ظلّ غياب هذه الدولة المأمولة، لن تكون هناك حلول تؤدي لاستقرار في نهاية المطاف، مضيفاً أنّ التعليم ينتج مجتمعات مستقرة من حيث مسألة إنشاء دولة الحرية الديمقراطية.

وقال إنّ الدول الثلاث في المنطقة (إسرائيل أو تركيا أو إيران) هي إلى حد ما دول مؤسسية حتى مع غياب عربي، مشيراً إلى أنّ إيران تجمع بين الخطاب الديني والقومي، حيث التنظيمات هي نتاج لهذه الحالة.

ورأي المومني أنّ في المنطقة دولاً فاشلة وأخرى ناجحة، وأنّ هذه التنظيمات هي عبارة عن أدوات تستخدم من قبل الدول، وأنّ دورها منوط بتحقيق مصالح هذه الدول، مؤكّداً أنّه، وفي اللحظة التي يصبح فيها توافق في المنطقة وإنتاج للدولة المرادة، فإنّ هذه التنظيمات سينتهي دورها في هذا الجانب.

وشدّد أنّ المطلوب عربياً وأردنياً هو إنشاء الدولة القادرة على التعاطي مع المتغيرات، عادّاً ما دون ذلك تفصيلات، لافتاً إلى أنه لا توجد هناك حلول سحرية للمنطقة، فمشكلات الإقليم أعمق من هذا الحل، مشيراً إلى أنّنا ومنذ ( 2011–2017) شهدنا الكثير من مبادرات الدول العربية.

وأشار إلى أنّ واقع الأردن في عامي 2011 و2012 كان يشير إلى أنّ الجميع كان حذراً من اللاجئين، في حين أننا وبعد ستّ سنوات أصبحنا نقول: «لماذا أتوا؟!».

وفي ما يتعلق بالأردن، قال المومني إنّ «الناس» ما تزال تفكّر بتقليد قديم مفاده أنّ الأردن دولة صغيرة، في حين أنّ الأردن يعيش فيها الآن 12 مليون شخص أو أكثر، وهو ما يجعلنا نعدّ الأردن دولة كبيرة، داعياً إلى نظرة استراتيجية لإعادة إنتاج الدور الأردني بما يتلائم مع المتغيرات.

المبيضين: الفكر التنويري

رأى مدير الدراسات في المنتدى العالمية للوسطية د.حسن المبيضين أنّ السياسة لا يمكن أن تُدرج بمعزل عن العلوم مجتمعة، مدللاً بأنّه إذا كانت السياسة علم الملوك فهي ملك العلوم، ولذلك فإنّ من يتعاطى السياسة عليه أن يعرف في الاقتصاد والاجتماع والجغرافيا والتاريخ والدين والفيزياء.

وقال إنها حالة معقدة التركيب من حيث المفاهيم والاصطلاحات والمدخلات ومن حيث المخرجات، موضّحاً أنّ الإنسان فكرة، والفكرة لا بد أن تنتشر في دائرة والدائرة تلتقي في الذات والعشيرة والحزب والدولة والإنسانية لننتج فكراً قادراً على استيعاب هذه المعطيات جميعها، وبالتالي فإنّ علينا أن نلتمس الحضور الأقوى، وهو الحضور الإنساني.

ورأى المبيضين أنّ الحضور الإنساني في منطقتنا العربية ينتابه الكثير من الخلل الذي يأتي من عدم وضوح الهوية القومية التي تنازعتها القُطْريّة في دول عربية، وبالتالي فقد اختفى مصطلح القومية في المصطلح السياسي، حتى في جامعة الدول العربية، التي تعدّ الهيكل التنظيمي الذي يحافظ على الوحدة العربية بكاملها، لذلك فلا يمكن لأيّ دولة أن تتخذ قراراً لوحدها أو ضمن منظومة جامعة الدول العربية، لأن هذه الجامعة محكومة أصلاً بأسس وقوانين تحافظ على التجزئة.

وتابع أننا إذا أردنا أن نخرج بدائرة أكبر نحو منظمة المؤتمر الإسلامي مثلاً، فسنجد أنها هي أيضاً تحافظ على التمثيل العضوي والجزئي لأيّ دولة، وفي السياق تساءل عن الطرح الديني الذي بات يتسع.

ورأى المبيضين أنّ ما تطرحه إسرائيل هو الطرح الإنساني كوجود إقليمي لها في المنطقة، مضيفاً أنّ هذا الطرح لا يتعارض مع فكرة الدولة الإسرائيلية القائمة على أساس ديني، فدولة إسرائيل هي مصطلح ديني، وشعار الدولة العلم، حيث نجمة داود شعار دينيٌّ كذلك.

وقال إنّ إسرائيل في المحصلة قائمة على أساس ديني، موضّحاً أنّ العامل المشترك الذي يجمع بين الإسرائيليّين بمختلف أصولهم سواءً كانوا من أصل حبشي أو يمني أو عراقي أو روسي أو أميركي، إنّما هو اليهودية، داعياً إلى وجوب أن نتعامل جيّداً مع هذا المفهوم.

ولفت المبيضين إلى التحولات السياسية عندما كان الواقع العربي الإسلامي ضمن منظومة الدولة الدينية، وهي دولة الخلافة العثمانية، وجرى التغلغل في الدولة العثمانية، وبالتالي فقد تم إضعافها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً كي تصبح دولة الضعف المعلن وغير المعلن، ليكون الانتهاء منها هو نصر للعرب والمسلمين ونصر للإنسانية.

وتحدث عن مجيء القُطْريّة العربية، وتقسيم المنطقة على أساس الدول العربية، مضيفاً أنّ إسرائيل وجدت أنّ مصطلح الدول العربية بشكل مجزء يشكّل عامل تهديد لها، فقد كان العراق وحده يشكل تهديداً لإسرائيل وكذلك سوريا ومصر قبل توقيع اتفاقية السلام، فكان لا بد من تحوّل سياسي يضمن القضاء على هذه القُطْريّات العربية المجزئة بقوتها، وبالتالي فكان لا بد من القضاء على العراق بتدميره عسكرياً، وإقصاء مصر عن طريق معاهدة السلام، وإبعاد سوريا التي كانت تتمتع بقوة اقتصادية واعتماد ذاتي وليس لديها ديون، كما أنّ لديها اقتصاد الماء والخبز.

ورأى المبيضين أنّ هذا التحول هو سياسي كبير جداً، إذ أنّ المنطقة العربية لم تكن إلا مصدر إزعاج بالنسبة لإسرائيل، إذ تم تحديد الدول العربية القُطْرية المجزئة عن المنطقة، لذلك فإنّ مسألة البحث عن الحلول من أجل الاستقرار السياسي تعدُّ مسألة تحتاج لبحث مطول، مشيراً، في ظل تمتع إسرائيل بحالة الاستقرار وانفرادها بالقوة في منطقة الإقليم، إلى أنّ هذا الأمر يتيح للكثير من الدول التفكير بأكثر من قضية.

وبخصوص مستقبل التنظيمات المسلحة وتدخّل القوى الإقليمية قال المبيضين إنّ الكل يعلم أنّ التنظيمات المسلحة لم تكن وليدة الذات، وإنما هي صنيعة لدول وأجهزة مخابرات واستخبارات إقليمية ودولية في المنطقة، ولذلك فقد كان الهدف من التنظيمات المسلحة هو أن تتحدث برموز ضمن مفاهيم ومصطلحات فكرية، فمنها من يتحدث باسم داعش، أو القاعدة، أو طالبان، أو الصوفية، أو السلفية.

ورأى أنّ كل المصطلحات الفكرية قد تبنّت مجموعة من الأعمال، كما وجدت في الدول الإقليمية من يدعمها ويناصرها حتى تكون للأسف الممثل الوحيد للفكر الإسلامي، وبالتالي فقد تم اغتيال المفهوم الإسلامي، أو مفهوم فكر الدين الإسلامي وزجّه ضمن هذه التنظيمات المسلحة، مؤكداً أنّه كان لا بد من محاربة داعش على أساس أنها تمثل الفكر الإسلامي المتطرف، وبالتالي فإنّ من يحارب داعش على سبيل المثال هم العرب والمسلمون، متسائلاً: «من صنع داعش؟!».

ورأى المبيضين أنّ الهدف من تدخل القوى الإقليمية للتنظيمات المسلحة والدولة في المنطقة هو ليتم تمرير محاربة أيّ فكر إسلامي أو ديني مستقبلاً، وذلك حتى يبقى الوجود الديني اليهودي هو الدائم والأكثر استقراراً.

كما رأى أننا، كأصحاب فكر تنويري، ندعو إلى الاستماع والعقلانية والحكمة والعدل والإخاء والمساواة، نافياً أن يكون هناك من يطبق هذه المصطلحات داخل «إسرائيل».

وقال إنّ المطلوب عربياً ودولياً في مواجهة التطورات السياسية هو أن تنتج الدول العربية برنامجاً اقتصادياً وثقافياً وفكرياً قادراً على التأسيس لفكرة دولة، لأنّ الدولة التي لا تملك رغيف الخبز لا تملك قرار الدفاع عن نفسها ولا تملك قرار الدفاع عن أبنائها، لافتاً إلى أنّ الدول العربية مشغولة، كما أنّ الاستعمار لم يخرج من المنطقة إلا وهو مطمئن إلى أن هناك حالةً وجمرةً بين الحدود، مؤكداً أننا كعرب نعيش بين مصطلحي: رد السياسات، وسياسات الرد.

بريزات: التحول السياسي

قال المفوّض العام للمركز الوطني لحقوق الإنسان د.موسى بريزات إنّ العالم العربي منطقة رخوة ومكشوفة اجتماعياً وثقافياً وحضارياً، وقد تعرضت لكلّ التدخلات من أيام الأشوريين والبيزنطيين والصليبيين.

ورأى أنّ سبب أزمة النظام العربي الحديث هو سياسيٌ أكثر منه ثقافي وحضاري، وأنّ العلة تكمن في الأنظمة السياسية، مضيفاً أن أيّ مجتمع في العالم فيه تناقضات، لافتاً إلى أنّ التناقضات الموجودة في المجتمع العربي إنّما تتمثل بالطائفية.

وأشار إلى أنه لو كانت هناك أنظمة سياسية ديمقراطية تخضع للمساءلة والمحاسبة وغير مرتبطة بالخارج كما أنّ علاقتها بمجتمعاتها إيجابية، لكانت مخرجات المنطقة العربية مختلفة، موضّحاً أنّ المجتمعات رخوة وبها تناقضات مهيئة للتدخل الخارجي وأنظمة استبدادية وضعيفة ومرتبطة، متسائلاً عما إذا كانت الحلول تبدأ بإصلاح المجتمعات أم بإصلاح الأنظمة.

وأكد بريزات أنّ التحولات السياسية واضحة، كما لا يوجد هناك تحالف استراتيجي مكتوب، وإنما تقارب وتوافق بين إيران بالقومية الفارسية.

ولفت إلى أنّ العرب انقسموا بين جماعتي أميركا وإيران، فهناك تنافس إيراني أميركي بسبب السلاح النووي من أجل المنطقة، كما أكّد بريزات أنه لا يوجد هناك عداء بين إيران وأميركا، فاختلافهم في الوقت ذاته هو اتفاق على تدمير القومية العربية والتسيّد.

وأضاف بريزات أنّ العرب ممن كانوا مع إيران في التسعينات والذين كانوا مع أميركا وجدوا أنفسهم يلتقون على تدمير العروبة، وبالتالي تدمير ذاتهم من خلال انضمام فريق لإيران من خلال البعدين الطائفي والديني وآخر لأميركا، وبالتالي فإنّ الأنظمة العربية التي سارت مع هذا المخطط تتحمل هذه المسؤولية.

وقال إنّ هناك متغيرات واضحة وعلنية عبر التقارب العربي الإسرائيلي، وبرأيه فإنّ هذا التقارب سيكون بشكل اعتمادي، ولن يحقق الأمن لهذه الدول العربية، وسوف يكون مجال اختراق الأمن لها، لتكون المحصلة الاستراتيجية مزيداً من الانكشاف.

وناقش بريزات التحولات السياسية الداخلية الموجودة بشكل صراع ديني طائفي، كما ناقش الاستبداد وقوة التغيير، لافتاً إلى أنّ التوافق الروسي الأميركي حول المنطقة واختلافهم حول قضايا أخرى بالعالم يعني أنه عندما تكون هناك توافقات بالمنطقة واختلاف في العالم فستكون هناك مقايضات.

ورأى أنّ بروز التنظيمات المسلحة والجماعات الدينية والجريمة المنظمة والعصابات والجرائم الجنائية، ليست كلها نتيجة صناعات استخباراتية، إنما هي نتيجة للاستبداد وغياب الحريات وحقوق الإنسان أيضاً، متحدثاً عن دخول أسلحة جديدة من السلاح للمنطقة وسباق تسلّح واستنزاف موارد وتلويث مياه أدى إلى اختلال القدرات العسكرية.

وشدّد بريزات على أنّ الدور الأميركي خلق إشكاليات لدول كثيرة، وخصوصاً في جانب التطورات الأمنية والسياسية، وكذلك اكتفاء أميركا أو خروجها من المنطقة وتركيز الجمهوريين على القومية من خلال إدارة ترامب، كما وُضعت لذلك دول كثيرة في المنطقة بمأزق.

وتابع أنّ الحرب على الإرهاب أصبح مشكلة بالنسبة لكثير من الدول ومنها الأردن، كما أنّ الإشكالية الأهم تتمثل في توافق الخطرين الداخلي والخارجي في الدول العربية.

ورأى أنّ مستقبل التنظيمات المسلحة بحاجة لتمكين، فالتنظيمات المسلحة ليست جميعها مجرمة أو إرهابية، إذ أنّ التطرف فيه إشكالية توظيف من قبل قوة كبرى، مضيفاً أنّ كثيراً من الدول استخدمت الإرهاب بتعريفاتها من خطف الطائرات والحرب والعنصرية وقتل المدنيين... الخ، مشيراً إلى أنّ لدينا إشكالية في التعامل مع التطرف والإرهاب.

وقال بريزات إننا كمفكرين ما نزال نرى أنه لا توجد هناك دول عربية حقيقية؛ لأن الدولة بمفهومها هي التي تحكم ولا توجد سيادة فوق سيادتها وعندها سيطرة كاملة على مواطنيها كما تقدم لهم الحماية الاجتماعية والاقتصادية والرخاء الاقتصادي والازدهار وتمكّنهم من ممارسة حقوقهم كاملة، نافياً أن تكون هناك دولة عربية قامت بهذه الأدوار.

ودعا بريزات إلى وجوب تحول فكري وتوجه نحو الإصلاح على المدى الطويل والمدى القصير كما حدث في الغرب، ذاكراً الثورة الفرنسية، متحدثاً عن المقدمات الفكريّة في ذلك، كما في مفهوم الدولة والسلطة والحرية وبناء الديمقراطيات.

وقال إنّ لدى الأردن خيارات محدودة، ولكنها مهمة، وتتمثّل بالتوجه نحو تنفيذ إصلاح سياسي بالمعنى الحقيقي، والتخفيف من التركيز على الإرهاب والتطرف والتوجه للمجتمع، موضّحاً أنّ الأردن بحاجة لنظرة جديدة للمجتمع والمواطن خارج مفهوم الأمن الضيق الممثل بمحاربة الإرهاب، وأشار بريزات إلى أنّ هناك خطورة بدأت تظهر من المبالغة في الحرب على الإرهاب.

وأضاف أننا بحاجة إلى متابعة الإصلاحات السياسيّة وإعادة تقويم السياسات والعلاقة مع كل من أميركا وإسرائيل كجزء من الخيارات والإصلاح.

وأكّد أنّ الأمن بمفهومه المجتمعي الأوسع هو توسيع دائرة العلاقات الأردنية والدبلوماسية، أو العودة إلى المجتمع المدني، بحيث يبدأ المجتمع يفكر بكيفية الخروج من المأزق وأن يحافظ على وجوده، حتى لا نتحول في النظام الدولي والنظام الإقليمي القادم.

النوايسة: الخيار الديمقراطي

ورأى المحلل السياسي د.زيد النوايسة أنّ العالم العربي والإسلامي مسكون دائماً بنظرية المؤامرة، وأنه لا يوجد هنالك من يطرح السؤال الذي يستدعي الوقوف أمامه، فنحن نعاني منها في العالم العربي بمختلف أنظمته التي تتساوى جميع شموليتها سواء الأنظمة التي تعتمد الحزب الواحد أو القائد أو الطائفة أو المذهب، أو حتى النظامين اللذين كنا نعتقد أنهما يشكلان حالة ديمقراطية مختلفة.

وأكد أننا لا نستطيع العبور للمستقبل من دون الذهاب للخيارات الديمقراطية الحقيقية، وأن يختار الناس بكل مكوناتهم ما يريدون، مشيراً إلى أنّ لدينا مشكلة في عدم قبول الآخر المختلف ضمن مكونات العالم العربيّ في العرق أو الدين.

ورأى النوايسة أنّ غياب الديمقراطية هو الأساس، فما يُفصّل في العالم العربي هو وجود أنظمة تخدم هذه الأنظمة وتخدم رأس النظام السياسي، إضافة إلى غياب المشروع العربي الجامع، لأنّ العرب دول، كما أنّ أقدم منظمة إقليمية في العالم هي جامعة الدول العربية التي رأى أنّها غير فاعلة في المشهد.

وقال إنّ المؤسسة الدينية هي أسيرة للنظام الرسمي العربي، منتقلاً للحديث حول «داعش» حتميةً تاريخيةً لكشفنا، لأننا كنا دائماً مسكونين بنظرية وجود مؤامرة على العالم العربي والإسلامي، وأنّ الغرب وإيران صنعت داعش، مؤكداً أنّ داعش بكل ما قامت به كانت تستند لنص ديني مُحكم يدرّس في المناهج، داعياً إلى القيام بجولة بسيطة على مواقع التواصل الاجتماعي لنكتشف أنّ داعش موجودة بداخلنا، وأننا ننتظر اللحظة التي تجعلنا نعبّر عنها بوضوح أكثر.

ورأى أنّ هنالك مشاريع كبرى تستهدف العالم العربي وتحاول أن تفرض وجودها، مضيفاً أنّ الفارق بين كل من المشروع الإسرائيلي الذي نتناقض معه والإيراني والتركي هو أنّ هذه المشاريع ديمقراطية على الأقل أمام الغرب، وبالتالي فإنّ المذهبية في العالم العربي هي آفة الآفات وهي المدخل لتدمير العالم العربي، ومثال ذلك ما يجري في العراق من تقسيم، ليست فقط إسرائيل وراءه، وإنما تدعمه أنظمة عربية.

وأبدى النوايسة عدم قلقه من مستقبل التنظيمات المسلحة، كون هذه التنظيمات هي صنيعة سواء ما كان منها مع النظام في سوريا أو التي تعارضه، فهي نتاج توافق ودعم دولي.

وشدّد على أنّ الأردن لديه اليوم أدوار استراتيجية فرضها انضباطه في القضية الفلسطينية، كما أنّ كثيراً من الأنظمة العربية عطّل الديمقراطية تحت شعار أنّ هناك قضية فلسطينية ضاغطة، وبالتالي فليس من الأولوية اليوم الذهاب لخيارات ديمقراطية قبل حل القضية الفلسطينية.

وقال النوايسة إنّ الأردن اليوم يحافظ على أدواره التي يعتقد أنها استراتيجية، كموضوع الوصاية بالقدس، داعياً إلى تصوّر وطني حقيقي عن موقف الأردن مما يجري في المنطقة.

وفي المسألة السورية بيّن أنّ الأردن مطلوب منه أن يعيد النظر في خياراته، وأن يبحث عن خياراته الوطنية لأنّ لديه اليوم مليوناً ونصف المليون لاجىء، وفي كل الحروب، فإنّ كلّ اللاجئين لا يعودون مباشرة، فالقانون الدولي يحميهم، إذ قد يتعرض هؤلاء الناس إلى محاكمة أو محاسبة، لأن النظام في سوريا لم يعد كما كان قبل 17 آذار 2011 ، إذ أنّ هذا النظام برأي النوايسة تعززت اليوم فرص بقائه وفرص بقاء الرئيس الأسد.

وفيما يتعلق بالوضع العالمي رأى النوايسة أنّ الولايات المتحدة لم ينته دورها في المنطقة، وإنما يتموضع أو يتحجم، وبالمقابل فإنّ صعوداً لدور روسيا بشكل كبير في الأقليم، حيث أثبتت ولاءها مع حلفائها، مشيراً إلى أنّ الولايات المتحدة لديها حليف وحيد وأساسي هو إسرائيل، كما أنّ روسيا تعزز وجودها في الإقليم بشكل واضح. ورأى أنّ حالة الصين كقوة اقتصادية صاعدة تستدعي الاهتمام بها، لأنّها ليس لديها تاريخ استعماري في هذه المنطقة وفي العالم، لافتاً إلى أنّ أوروبا اليوم، وخصوصاً فرنسا وألمانيا، تقدم خطاباً معتدلاً، حيث نجد أنّ «ماكرون» نجح وفشلت «لوبان» العنصرية، وكذلك ميركل نجحت وقدمت خطاباً، كما قدّمت التبرئة من هؤلاء اللاجئين بألمانيا الذين خرجوا على القانون، وبالمقابل فإنّ العالم العربي باستثناء الأردن ولبنان، لم يستقبل لاجئين.

نقاشات

قال أبو جابر إنّ الدول العربية التي قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى قليلة الخبرة في الحكم، فهي دول بنتُ حضارتها، مؤكداً أنّ الاستعمار لم يترك المنطقة ولا يمكن له أن يتركها، مدللاً بذلك على تاريخ الحملات الصليبية التي استمرت بالقدوم إلى الشرق مدة250 سنة.

قال المبيضين إنّ الدول الصغيرة والضعيفة، كالدول العربية، لا تكون قوية إلا إذا كانت ضمن منظومة، وطالما أنّ منظوماتنا العربية قد ظهر عليها الخلل والضعف العام، فإننا نؤمن كعرب ومسلمين بأن لنا امتداداً إسلاميّاً، وأنّ تركيا تمثل الدولة المتطورة التي قد نتفق معها في وحدة الدين، على بُعد وحدة الهدف والمصير، وبالتالي كان لا بدّ من الانخراط في قوة إقليمية بعد فشل المنظومة المحلية العربية، كأن يكون هناك تعاون استراتيجي مع دولة قوية مثل تركيا.

ورأى أنّ محاولة انفصال الأكراد هو مسمار آخر من المسامير القوية التي تضعها إسرائيل في خاصرة الأمة العربية، وذلك لتكون منطلقاً للتحرك الصهيوني اتجاه كل من إيران وتركيا وسوريا، وبهدف أن تكون سوريا على سبيل المثال بين فكي كماشة، وأن تكون أيضاً بداية لتحقيق حلم إسرائيل من النيل للفرات، داعياً إلى وجوب إعادة النظر بهذه المسألة الكردية بعناية، وأن تكون هناك رؤية عربية اتجاه هذا الطرح.

وأكّد بريزات أنّ على الأردن أن يعزز قوى المجتمع الأردني، كما دعا إلى وجوب الرجوع للمجتمع وليس ضبطه للمسايرة أو الانصياع لنغمة ما يفرضه النظام الدولي، بل ترك المجتمع يعبّر عن حقوقه، باعتبار ذلك مفهوماً دوليّاً عالميّاً ومقبولاً.

وأضاف أنه يجب أن يكون هناك قرار استراتيجي بأن تعترف الدولة بمؤسساتها الرسمية أنها غير متمكنة من أن تواجه الضغوطات الإقليمية، وترمي الكرة بحضن المجتمع الأردني الذي من حقه أن يرفض سلمياً ويعارض ويعبّر بحرية، وأن يكون هناك إعلام حر، ومجتمع مدني يكون نشيطاً ويساعد صانع القرار لأن يأخذ موقفاً في هذا الأمر أو ذاك.

وشدّد النوايسة على أن العبور للمستقبل والمبتدأ والخبر لأي حل ومواجهة هذه التحديات في منطقتنا لا يمكن أن يتأتى إلا من خلال إعادة بناء الدولة الوطنية وتأسيسها على أسس ديمقراطية بحيث تحترم كل مكونات هذه المجتمعات وتستجيب لمتطلباتها.