من ينظر إلى بلد شديد الصغر مثل سنغافورة (5 ملايين نسمة)، أو بلد عريق متمكن أطلق الثورة الصناعية الأولى مثل بريطانيا (65 مليون نسمة)، أو بلد شغل الدنيا بكل شيء ابتداء من الفلسفة والإصلاح الديني، وانتهاء بأحدث تكنولوجيات التصنيع، مثل المانيا (80 مليون نسمة)، من ينظر ويتأمل كيف تدار هذا الدول الناجحة، وغيرها من الديموقراطيات، وكيف تدور عجلة السياسة والإدارة فيها، ومن يتحكم بالقرار السياسي هناك، ومن يصل إلى سدة المسؤولية على مختلف مستوياتها، وكيف يشارك المواطن في صنع القرار، وما هي عقلية المجتمع ونظرته للوطن و للحكومة، من يفعل ذلك، يجد اجابات تاريخية بسيطة ولكنها حاسمة. وهي اجابات لم يستوعبها العالم العربي حتى اليوم، ولم يتم تطبيقها في أي دولة عربية تقريبا.

يتجاوز دخل الفرد في سنغافورة 56 ألف دولار سنوياً وهي في مصاف الدول المتقدمة العشر الأولى في العالم بعد أن كانت قبل عام 1965 قطعة هامشية من ماليزيا. وهي دولة- مدنية متعددة الثقافات والأعراق، يتمثل سر نجاحها وقدرتها على الاستمرار وتراكم التصنيع والمال والخبرة والثروة لديها في 3 كلمات»المواطنة والكفاءة والتقدم». كل مواطن له الحق ومتاحة لديه الآليات للوصول إلى أي منصب يحلم به، طالما يتمتع بالكفاءة التي يجمع عليها الناس، ولكن ليس مكافأة أو إسترضاء فذلك لا يخدم الوطن ولا يصنع التقدم. ولذلك جاء انتخاب رئيسة الدولة «حليمة يعقوب» مفاجأة ليس للهند أو باكستان أو أميركا أو أوروبا، وإنما للعرب بشكل خاص.

الرئيسة المنتخبة هي من الأقلية المسلمة (14%)، في بلد الأغلبية فيه هندوس وبوذيون ومسيحيون. حليمة والدها «هندي»، وزوجها «يمني»، وأمها «ملاوية» في بلد الأغلبية فيه من الملاويين والصينيين. وصلت إلى سدة الرئاسة بالانتخاب لكفاءتها وقدرتها.

كيف نجح السنغافوريون خلال 50 سنة في بناء هذه الحالة الذهنية الراسخة لدى مجتمعهم ومواطنيهم للنظر إلى كفاءة الشخص وامكاناته وقدراته على النجاح والإبداع؟ وليس إلى أمه وأبيه، وعمه وخاله وبنيه، أو دينه ومعتقده؟ وليس إلى ذكورة أو أنوثة أو طول أو قصر؟. كيف نجحت الدولة في صنع مجتمع يربط مستقبله بوطنه «ومستقبل الوطن بكفاءة القيادة والإدارة» وليس بأي رابط آخر؟

وإذا انتقلنا إلى عاصمة بريطانيا لندن، وهي واحدة من أهم خمسة عواصم عالمية، وقبل خمسين سنة كانت الأهم في العالم، نجد لندن تنتخب عمدة لها، رجلاً أبوه باكستاني، ودينه الإسلام، ولونه أسمر، ولم يمر على قدوم والده إلى بريطانيا أكثر من40 عاماً. لندن تنتخب صادق خان، دون أن يتساءل أحد بذعر وانزعاج، أين الإنجليز الأصليين؟ أين بني سكسون، بل أين المسيحيون؟ جاء صادق خان إلى منصب العمدة ليس مجاملة أو مكافأة أو إسترضاء، وإنما لإنه أقنع الناخب بقدراته على الإدارة، ونتيجة للخيار الشعبي الحر للناس. وجاء بكفاءته وليس بأصله وفصله ولا بحسبه ونسبه ولا بأمواله فهو رجل متواضع الثروة جدا.

كيف تحول البريطانيون (دخل الفرد 42 ألف دولار)، الذين استعمروا نصف العالم بما فيه الهند والباكستان لحوالي 500 عام، لأن يختاروا واحداً مثل صادق خان؟ كيف تحول العقل البريطاني الرزين إلى قبول الآخر الذي كان خاضعاً له بهذه الطريقة؟ وبريطانيا لا ينقصها العباقرة ولا السياسيون ولا الدهاة ولا أصحاب الأموال ولا ملوك الإعلام ولا التكنولوجيا لتزوير النتائج؟ المسألة ببساطة: أن الديموقراطية والقانون مستقران في عقل وضمير المجتمع، وأن كل من انتخب مؤمن بالمواطنة، ومتحرر من عقد الطائفة والعرق لأنها لا تجدي شيئاً، ولا تبني أوطاناً، ومتحرر من مقولة اللون والجنس لأنها عبث، ومؤمن ببلده ووطنه ومدرك أن الكفاءة هي التي تضمن سلامة المدينة والدولة، وتضمن الحفاظ على مصالح المواطنين، وبأنها الطريق إلى المستقبل الأفضل.

وإذا دخلنا وسط أوروبا، إلى المانيا (دخل الفرد 46 ألف دولار)، الدولة التي هزت العالم وخاضت حربين عالميتين، وانهزمت فيهما، ولكنها انتصرت مرة أخرى في إعادة البناء، نجد أن «المرأة» انجيلا ميركل هي مستشارة لألمانيا، بكل ما فيها من صناعة واقتصاد وعلماء ومفكرون وسياسيون. بل إنها قائدة لأوروبا في فترة معقدة بما فيها تدفق اللاجئين على أوروبا. فتقبل ميركل في المانيا مليون لاجئ. هذه السيدة التي درست الفيزياء الكيميائية، ودخلت السياسة بهدوء وتواضع، تتدرج ليتم انتخابها رئيسة لحزب الماني عريق هو الديمقراطي المسيحي ولتصبح مستشارة لألمانيا للمرة الرابعة.

ما الذي جعل الشعب الألماني ينتخب هذه السيدة البروتستانتية رغم الأغلبية الكاثوليكية في ألمانيا؟ لم يرجع أحد إلى أنها كانت في المانيا الشرقية، وانها كانت على صلة بالنظام الشيوعي هناك، وإنها ليست من إنتاج بيوت الصناعة والمال في هامبورغ أو دوسلدورف. كيف نجحت الدولة الألمانية الحديثة، بعد تدمير المانيا النازية التي قامت على الشوفينية والشمولية والحزب الواحد والزعيم المطلق إلى أن هزمت عام 1945، كيف نجحت في بناء الوطنية الألمانية من جديد و»إعادة إعمار الإنسان» لتصبح المواطنة والقانون والمساواة والقدرات هي القاعدة التي ينطلق منها الانسان والكفاءة هي المعيار؟ أما من يحدد من هو الكفؤ فهو ليس الدولة بل المواطن من خلال صناديق الانتخاب.

ومثلها الكثير في العالم، في مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية التي انتخب الناس فيها «باراك حسين اوباما»، الأسود تقريبا، المسلم الأب، والذي تعيش عمته حتى الآن في نيجيريا رئيسا لأقوى وأهم دولة في العالم، لمرتين متتاليتين.

ولكن، لماذا وكيف تظهر هذه الشخصيات، باستثناء المنطقة العربية؟ والاجابة بسيطة ومباشرة.

أولا: الإدراك المجتمعي والفردي العميق والراسخ أن الدولة قارب لا يوصله في مسيرة التقدم وبحار المستقبل العاتية إلى بر الأمان سوى الكفاءة والمقدرة في دولة القانون والمؤسسات.

وثانيا: أن الأحزاب الوطنية ومنظمات المجتمع المدني المستقلة والحرة التي ينخرط المواطنون فيها في وقت مبكر، أيا كانت خلفياتهم وتنوعاتهم، ليتعلموا ويتدربوا ويمارسوا وينضجوا ويظهروا امكاناتهم، هي الأداة الأفضل لصنع القيادات والإدارات. فالحزب ليس مجرد أداة سياسية كما يظن «العربي»، بل هو منظومة المزج الوطني، والصهر المجتمعي، وآلة صنع القيم المشتركة، والعقليات المتناسقة، والبرامج الوطنية بكل تفاصيلها وجوانبها إضافة إلى التعليم والثقافة والفنون وخدمة العلم. والحزب يحكم المواطنون على صواب أفكاره، وسلامة برامجه، وليس الإدارة الرسمية. وما ينسحب على الرئاسة ورئاسة الوزراء ورئاسة البلدية الأكبر، ينسحب بنفس الدرجة من القوة والوضوح والشفافية على شتى المستويات في القطاع الرسمي و الأهلي.

أربع كلمات لا تزال صعبة على المنطقة العربية منذ عشرات السنين ولا زال العرب يدورون حولها دون أن يدخلوا في أعماقها: المؤسسية والكفاءة والمواطنة والأحزاب. فهل يدخل العرب في تحولات حقيقية من أجل سلامة الدولة والمجتمع والوصول الى مستقبل أفضل؟ ذلك هو التحدي أمام السياسيين والمفكرين والعلماء والمثقفين، بل وكل مؤسسة وكل مواطن.