ابواب - وليد سليمان

عند دوار فراس في جبل الحسين قبل حوالي سنتين إلتقيت الصديق المخرج محمد عايش.. والذي غاب عنا في آخرشهر تموز هذا العام, يومها سلَّمنا على بعضنا البعض بحرارة السنوات الطويلة التي لم نلتقي فيها إلا في مرات نادرة.. لكننا أخذنا نتذكر أيام الشباب والصِّبا في بداية السبعينيات من القرن المنصرم عندما كنا في صداقة سريعة مع بعض زملاء الدراسة الثانوية، نلتقي مساءً في البلد لنأكل الفول والحمص - مع التصليحة في مطعم هاشم – ثم لنقف بالقرب من مطعم جبري عند بائع الهريسة في اول دخلة سينما فلسطين او بنك الرافدين نتسامر ونتحدث و نمزح.. وكانت معظم أحاديث محمد عايش عن الفن والتمثيل والمسرح.. يحدثنا وهو يحرك يديه بحركات مسرحية عما مثل وسيمثل في مراكز ومسارح عمان.

ما معنى طاش!؟

وفي لقائي الأخير معه عند دوار فراس سألته : « جيت والله جابك « ما معنى عبارة « طاش ما طاش « وأنت مخرج بعض الأجزاء من هذا المسلسل العربي الفكاهي السعودي!؟.

فقال: سأقرب المسألة لك.. ألا تذكر قديماً في عمان في عقد الستينيات كان بعض الشباب وربما كانوا أكبر منا في العمر يتنافسون للتسلية بزجاجات الكازوز- التي كانت تُباع في البقالات والدكاكين – حيث كانوا يخضون الزجاجة قليلاً ثم يقول المنافس للمنافس الآخر : فارت! و إلّا ما فارت! إذا ما فتحها الشخص بمفتاح الكازوز! فإذا قال : فارت مسبقاً.. وفتحها وفارت فإنه يربحها.. وإذا لم تفر فإنه يخسرها... وهكذا.

وكلمة طاشت أي فارت الزجاجة بما فيها من صودا وفقاقيع الكازوز خارج الزجاجة.

والمخرج التلفزيوني محمد عايش بدأ حياته ممثلاً منذ الصغر.. فقد شارك في العديد من الأعمال المسرحية والإذاعية والتلفزيونية وذلك منذ العام 1968 تقريباً. و حتى العام 1978, كان قد شارك في (20) مسرحية و(15) مسلسلاً, وأكثر من عمل درامي.

ثم ظلت فكرة أن يصبح مخرجاً في رأسه!! فالتحق بالمعهد العالي للسينما في القاهرة ودرس الإخراج السينمائي وتخرج عام 1981 – 1982.

ثم اشتغل مخرجاً منفذاً و مساعداً مدة (10) سنوات تقريباً، لكن طموح المخرج محمد عايش كان يتجه إلى أن يخرج عملاً متميزاً يبدأ به إخراجه على أن يكون النص مميزاً كي يقدمه ذلك إلى الجمهور بشكل جيد وملفت. الى ان بقي كذلك حتى بداية تسعينيات القرن الماضي ليبدأ بإخراج اعماله الدرامية الخاصة، وكان ذلك في الفترة الحرجة للدراما الاردنية مع بداية حرب الخليج!!.

سافرمحمد عايش الى دول الخليج العربي و بالذات السعودية، حيث هناك قام بإخراج المسلسل السعودي الكوميدي الشهير (طاش ما طاش) بطولة الكوميديين ناصر القصبي و عبد الله السدحان و للجزء 17 والجزء 18 في أعوام (2009 - 2010), والذي كان قد بدأ الجزءالاول والثاني من هذا المسلسل قديماً في العام 1993من إخراج عامر الحمود، بينما عبد الخالق الغانم أخرج من الجزء 3 إلى الجزء 15, و هشام شربتجي الجزء 16، ومحمد عايش الجزء 17 والجزء 18.

وكان المخرج المبدع قد عاش فترة جيدة في السعودية ليتعايش مع المجتمع والبيئة السعودية ويعرفها بشكل قريب جداً.لأكثر من (15) سنة. فلم يشعر بأية غربة بينه وبين الممثلين والفنانين السعوديين ولا البيئة ولا الشخوص هناك.. فعاش في عمق الحياة اليومية هناك وواقعها.. فالواقع السعودي لا يختلف عن الواقع العربي سواء كان الشخص في الأردن أو في السعودية.

اخراج أكثر من (7) أعمال سعودية قبل مسلسل طاش ما طاش فالعادات والتقاليد متشابهة تماماً.. مع وجود بعض الأشياء الخصوصية سواء كان ذلك في الأردن أو السعودية.. في جملة أو لهجة مختلفة بعض الشيء لكن الواقع المعاش في البلدين هو نفس الواقع نفس الحياة نفس المشاكل نفس العادات والتقاليد.

لذلك كان هناك تناغم متعة رائعة ما بين المخرج محمد عايش والممثلين والفنيين.. مما جعل أداء كل فرد منهم متميزاً.

و مسلسل طاش ما طاش ينتقد المجتمع العربي بشكل عام والمجتمع السعودي بشكل خاص بقالب كوميدي ولكن يضع النقاط على الحروف ويضع يده على الجرح.

فالكوميديا بشكل عام هي نوع من إظهار العيوب في المجتمع, والابتسامة التي تظهر لأن المشاهدين يلاحظون هناك خلل ما موجود في مجتمعنا.

وفي السعودية هناك من هم مهتمون بإظهار القضايا المعاصرة بشكل عام, فيبدعون الدراما حول هذا الموضوع أو ذاك بقالب كوميدي وساخر.

وكانت لدى محمد عايش محاولة لإخراج فيلم سينمائي بدعم من صديق مغترب في دولة غربية.. لكن النص الذي قدم له لم يعجبه ليبحث عن آخر يلبي طموحه الفني الإخراجي.

و في جعبة محمد عايش أكثر من (60) مسلسلاً تلفزيونياً، فأخرج مسلسلات بدوية وحضرية وتاريخية وكوميدية ومحلية وعربية, مثل: حارة أبو عواد, أبو العارف, طاش ما طاش, نصف القمر... إلخ.

والمخرج محمد عايش يركز كثيراً على موضوع أن المخرج يجب أن يوجه شخصياته في المسلسل الوجهة السليمة, لا أن يتركهم يمثلون على هواهم.

ولديه وجهة نظر حول عمل المخرج إذا كان في الأصل ممثلاً فذلك أفضل, لأنه بذلك يشعر ويحس بالممثلين أكثر من المخرج الذي لم يمثل أبداً في حياته أمام الكاميرا.

طاش ما طاش

وكان عمل المخرج الراحل محمد عايش مع النجمين اللذين كان بينهما تناغم وانسجام رائع جداً كان من أجمل التجارب الفنية له في مسيرته الحافلة بالعطاء الفني التلفزيوني.

لكن عندما اختلف وانفصل النجمان ناصر القصبي وعبد الله السدحان كان ذلك خسارة فنية لكل منهما: فعمل ناصر حلقات مسلسله (سلفي) وعمل محمد عايش مسلسل (طالع نازل) لعبد الله السرحان. ويبدو أن مسلسل سلفي بأجزائه لناصر القصبي لم يختلف عن طاش ما طاش كثيراً.

فقد ظل طاش ما طاش أهم عمل خليجي درامي اشتهر في العالم العربي.. حتى قرأنا سابقاً في وسائل الاعلام ان مكتبة الكونغرس الاميركية طلبت بعض أجزاء العمل لوضعه في أرشيف مكتبتها.

و المخرج محمد عايش هو عضو نقابة الفنانين الاردنيين، وعضو لجنة شؤون المهنة لأكثر من دورة، وعضو لجنة العضوية لأكثر من دورة، وعضو نقابة المهن السينمائية في مصر 1982.

وسبق للمخرج الاردني محمد عايش ان قدم محاضرات ودورات في الإخراج التلفزيوني في كل من: كلية الخوارزمي في عمان، و جامعة اليرموك في اربد، و وزارة الثقافة والفنون الأردنية.

حارة أبو عواد

أما «حارة أبو عواد « المسلسل الكوميدي ، فيُعتبر أحد أشهر المسلسلات الأردنية وقد أُنتجت أولي حلقاته وقام بأدائها أبطال المسلسل بشكل جماعي عام 1981, ولاقى نجاحاً كبيراً في الأردن وفي العالم العربي.

وكانت مقدمته الغنائية الشهيرة تردد على كل لسان ممن أحبوا المسلسل وهي :

أبو عواد يابو عواد عامل عنتر بن شداد

حامل السلم بالعرض إنتا بواد واحنا بواد

لا تقولوا أوف ولا آه هاذا البير وهاذا غطاه

والشاطر فيكو فهمان يدوّر عالحل بيلقاه

دخلك دخلك يابو عواد اسمعنا وافهم على طول

هاي حالتنا مالها حل بدنا رأيك شو بتقول

والكلام ما قل ودل كل مشكلة وإلها حل

لو بدي أحكي الصحيح من كلامي الكل بنعلّ.

وكان مسلسل ( ابو عواد ) قد بدأ ظهوره على شاشات التلفزيون الاردني وبعض الدول العربية في أولى أجزائه عام 1981، وكان من إخراج المخرج رفائيل بقيلي.. وكانت كتابة الحلقات من تأليف الفنان فؤاد الشوملي، واشترك كذلك في كتابة حلقات أخرى منه كل من : محمود الزيودي و بشير هواري و هشام يانس و آخرين.

وحانت الفرصة للمخرج محمد عايش ان يخرج أجزاء منه بعد سنوات طويلة في أعوام 1998 و 1999.

كما أُنتج آخر جزء من حارة ابو عواد في سنة 2008 حيث أصبح المسلسل يحمل الطابع الحديث وعالج القضايا الحديثة واتسم بالطابع العائلي لذلك سُمي بـ « عيلة أبو عواد».

وفي عام 2017، أنتج جزء كرتوني، عرض في موسم رمضان على شاشة التلفزيون الأردني، وكان من بطولة نبيل المشيني ونادرة عمران.

وتدور أحداث المسلسل في حارة أبو عواد والحوارات باللهجة الأردنية المحلية بين الشخصيات.

والمسلسل كوميدي هادف يعكس بعض عادات وثقافات ومشاكل المُجتمع المدني والريفي الأردني في حقبة أواخر السبعينات والثمانينات من القرن الـ20.

من أبرز شخصيات المسلسل أبو عواد (نبيل المشيني) وأم عواد (رشيدة الدجاني)، وابنهم عواد (ربيع شهاب) وابنتهم نجاح (عبير عيسى) وأيضاً هناك البائع مرزوق (حسن إبراهيم) وعامل المقهى سمعة )موسى حجازين).

أما الجزء والأخير من المسلسل فقد دارت أحداثه في منزل (أبو عواد) ومناطق عدة في عمان حيث عالج قضايا العصر الحديث في القرن الواحد والعشرين كالزواج المبكر والزواج عن طريق الإنترنت واندفاع الجيل الجديد من الشباب ومشاكل الطلاق بين الزواج الشباب وجنون التكنولوجية الحديثة.

وتواجدت الشخصيات الأساسية مثل أبو عواد ونجاح وأبو الخل ولكن تغيبت بعض الشخصيات مثل عواد وأم عواد وكان قد وجد شخصيات جديدة وشابة في المسلسل الحديث .

وكان قد أسس الحارة وابتكرها الفنان الأردني نبيل المشيني وقام بإنتاج المسلسل بالتعاون مع التلفزيون الأردني والفنان غسان المشيني و أديب الحافظ والفنان محمد حلمي والفنان فؤاد الشوملي والفنان وليد بركات... وغيرهم الكثير من الاسماء الفنية الاردنية الشهيرة.

تساؤل عن الفن!؟

والآن أين وصلت الدراما الاردنية من مسرحيات ومسلسلات!! فقد كانت في أوج عطائها في ثمانينات القرن الماضي وفي فترات أخرى.. فأين هو الدعم الثقافي والفني الدائم من المسؤولين في وطننا الاردن لرفع ذائقة التحضر والتثقيف الذي تقوم به الفنون بكل أنواعها!؟.

وقد أعجبني قول الدكتور خالد غرايبة الذي أكد ذات مرة على :

«لا نعلم إن كان تراجع الاخلاق والذوق والانتماء هو سبب تراجع الفنون ام ان تراجع الفنون هو ما ادى الى تراجع اذواق الناس واخلاقهم، ولكن الثابت ان تكديس حملة الشهادات واهمال الفنون والآداب مؤشرٌ على فشل المجتمعات وتراجعها الحضاري. فكل المجتمعات في العالم تستطيع انتاج المهندسين والاطباء، ولكن المجتمعات العظيمة والراقية فقط هي التي تستطيع انتاج فنانين وهي فقط من يقدم لهم الاحترام والتشجيع والتقدير «.