عمان - حسين نشوان

«مدارات الروح «، هو عنوان معرض الدكتور محمود صادق الذي يفتتح في السادسة من مساء اليوم بجاليري الأورفلي ويستمر حتى 28 الجاري.

يشتغل الفنان في المعرض على جماليات المكان وفضائه وأشكاله بروح المتصوف العاشق لاكتشاف أسرار المكان، وتحديداً وادي رم الذي يصوغ بالرمل سمفونية الصحراء.

في تجربته الجديدة يبتعد محمود صادق قليلاً عن تجربته السابقة التي صور فيها المكان الريفي والتجسيد الإنساني الذي يظهر في المجاميع منتقلاً إلى الاختزال من خلال البناء الشكلي الذي يفصح عن العلاقة بين الأشياء، فهو لا يرتهن للتلوينية، بل يذهب إلى نوع من الدراسة لعلاقة الفراغ والكتل في الأفق.

في أعماله السابقة كان الفنان الحاصل على الدكتوراه في الفن وعمل مدرساً في الجامعة الأردنية يشتغل على العلاقة بين الكتل البشرية، وتحديداً موضوع المرأة ضمن حيز البناء الشرقي، وبعد تجربة زادت عن الخمسة عقود، يذهب إلى قراءة العلاقة بين الشكل واللون والفراغ كثلاثية أساسية في العمل البصري تستجيب للمقولات الجمالية المعاصرة التي تركز على الرمز، ورسم ما يحس به ولا يرى.

وتبدو في أعماله جبال رم مادة فنية قادرة على اقتراح الأشكال التي لا تنبع من المشاهدة، بل تمتزج مع الذاكرة، فهي تنشط المتخيل لتصورات جديدة للزمن والمسافة، وتحولات الخط المجرد والحركة، التي تغدو في العمل الفني كائنات تعبر عن روح المكان وتنتمي إليه.

وتغلب على الأعمال الجديدة الألوان الحارة ، وحتى في وجود الألوان القاتمة والداكنة، فهي تكون محاطة بالإشعاعات التي تضيء جوانبها، وينحو الفنان الذي أقام عشرات المعارض في الأردن والبلدان العربية والأجنبية إلى مبادئ الفن الإسلامي ومرجعياته في التركيز على السطح الواحد، وانبثاق النور والضوء من داخل العمل الفني، بل يذهب في اختيار الكثير من الألوان من قاموس الفن الإسلامي وتحديداً اللازوردي والأحمر والبرتقالي والنيلي. فضلاً عن استعارات زخرفية للمربع ومجاورات المثلث وتشكيلاته.

والفنان صادق الذي صدر له مجلد يشتمل على تحولات التجربة يذهب في عمق اللوحة الجديدة إلى فضاء يستنطق الظلال المثيولوجية للمكان الذي تفتحت فيه بتلات الحروف الأبجدية النبطية التي أسست للحروف العربية، وتحديداً حرف النون، والخطوط التي تمتاز بانحناءاتها، وتشكلاتها من انسيابية الدائرة ومرونتها التي تعكس طبيعة المكان وتضاريسه وتشكيلاته التي تحرك النفس للتأمل وملامسة الروح والميل للسكون والصمت الصوفي، وهو المكان الذي تنطبق عليه مقولة ابن عربي، «كل مكان لا يؤنث لا يعول عليه».

وفي أعماله الجديدة التي تمثل حصيلة دراسة واشتغال لسنوات، يتخفى الكائن البشري، لكن أثره يتجلى في النقوش التي تؤثث العمل الفني كعمارات في الفضاء البكر الذي يصوغ جملة غنية من الإيقاعات اللونية الغنائية التي لا تخلو من الشعرية.

وفي تجاربه السابقة كان الفنان يرسم بغواية الحكاية والسرد، وكأنه يقص حكايات «ألف ليلة وليلة» بصرياً، وتحضر المرأة في النص البصري ليس بصفتها التجنيسية بل في رمزيتها التي تشير للوطن والأرض.

ويثري الفنان أعماله بالرموز والعلامات والزخارف التي تتشبع بها سطوح اللوحة، ويخفف من ثقل تلك الرموز بالألوان الشفافة التي تقترب من التونات الموسيقى، ويقول الناقد مازن عصفور عن تجربة صادق في تصوير المكان: «ينعكس المكان الحضاري والتاريخي في أعمال الفنان برموز روحانية، فهي منطقة الأديان السماوية وأنبياؤها وما أنجزته من روائع المكان الديني»

و الفنان محمود صادق من مواليد المجدل عام 1945، حاصل على بكالوريوس فنون جميلة في جامعة بغداد 1970، وماجستير الرسم والتصوير في جامعة كارولينا 1979، ودكتوراه فلسفة الفن في جامعة فلوريدا، أميركا 1983، له العديد من المؤلفات في الفنون الجميلة والتربية الفنية، وحاز على عدد من الجوائز التقديرية..