د.أماني حاتم بسيسو

ذكرياتٌ تعجّ بالحياة، تتلهّف تلهّفاً لاستبقائها، ولو باستلابها استلاباً من براثن الموت، وتمثّلها في صورة ذكرى، و»الذّكريات لا تموت» كما يقول د.نعمان أبو عيشة في كتابه «جرّاح قلب يتذكر» الذي فاز مخطوطاً بجائزة الإبداع من وزارة الثقافة (2014) قبل أن يصدُر ضمن منشوراتها (2017). هذا جميلٌ جدّاً، وفي عالم الحقيقة الأمر يختلف عن الواقع البشريّ المحدود تماماً، فلنتأمّل ولنتفكّر مليّاً ونتساءل: هل ينفي الموتُ الحياةَ!

أسلوب أبو عيشة، النطاسي الشهير، في سيرته وذكرياته، أسلوبٌ تصويري، فهو يميل إلى تصويرها «كما أحسّها ذات يوم»، ولأنّه يصوّر إحساسه بـ»الحياة»، تردّد قلمي طويلاً، أيّ المناهج أجدى في القراءة وأقرب وألصق؟ تابعت لغته في كتابته، فاستوقفتني هذه الومضة: «وصُنع الحياة جمالٌ ما بعده جمال» (ص97)، فلتكن قراءتي: «في تذوّق الجمال».

ما هو الجمال؟

لقد أحسن أحمد كمال زكي التّعبير عن فلسفة الجمال (الاستطيقا)، فهناك في الأدب شيئان أساسيان: «الجمال من ناحية، والذوق من ناحيةٍ اخرى»، فما هما على الحقيقة، وبكلمات أسهل من كلمات الفلاسفة والاستاطيقيين؟

إن الذّوق هو وسيلة القارئ لإصدار الحكم الجمالي، والجمال –وإن صفا- هيهات يطرب، دون أن يكون ذا روح تتغلغل في الأعماق:

«إذا أردت كميت الخمر صافيةً/ وجدتها، وحبيب القلب مفقود!» (المتنبي).

فالذي يقرّب الجميل إلى قلب المتأمّل، هو الإحساس به، وتذوّقه.

وأبرز ما لفت نظري في كتابة د.نعمان أبو عيشة هو ميله لتلمّس جمال «الانسجام» في الكون كلّه: «سبحانه أخّاذ التّكوين، إذ تبدو الأعضاء وهي تقوم بوظائفها الحيوية أشبه بالجوقة الموسيقية، أو بفرقة تعزف سيمفونية متناسقة النّغم والإيقاع» (ص10).

والحسّ الفنّي، يحضره مع كلّ تجربةٍ جديدة، فطبيب التّوليد «يشرف يوميّاً على حالات ولادة عديدة، تتمّ بالأدوات نفسها وبالشكل الروتيني نفسه»، لكننا «سنجده في كلّ مرّةٍ يصاب بالدّهشة، وينصرف إلى التّسبيح وهو يستشعر عظمة الله إذ خلق الإنسان في أحسن تكوين، وستأخذنا الرّهبة كما يأخذنا الفرح أمام كلّ حياةٍ جديدة تكتب لطفلٍ يولد» (ص10). ودهشة المعرفة من سمات الإنسان الحسّاس المرهف الفنّان.

جمال التّصوير

الفنّ الذي ينتظم سيرة مبدعنا، هو القصّة القصيرة، فنٌّ يلقي إيحاءً سريعاً بيد أنّه عميق الدّلالة، بليغٌ إذ يوجز، وإن كانت عناصر القصّة جميعها قائمةً (زمان، مكان، شخصيات، حدث، خاتمة)، غير أنّ ما يسيطر ويبرز بشكلٍ مميّز: «اختيار لقطة من الحياة»، تمثّل «نقطةً حساسة»، أو «زاويةً متوتّرة»، ويمكن أن نسميه: «المشهد»، إذ هو أشبه بعرضٍ سينمائي، يجمع الحركة إلى جانب الهيئة، فتصوغان «المشهد» في ذهن القارئ، كأنّه يراهما أمامه، بالتّفاصيل الدّقيقة، وهذا يخيّل للقارئ أنّه يعاني التّجربة نفسها، فينفعل بها، ويقترح ذهنه وتصوّره نهايةً لهذا المشهد، وقد ينسى أنّه «قارئٌ لقارئ» ليس لأيٍّ منهما تعديل النهاية، فلا يملك إلا «المفاجأة» حسب.

من ذلك قصّة «نورما تغمض عينيها».. هذه القصة تبكيني كلّما عاودت قراءتها، رغم أنّ النّهاية يجليها العنوان. نورما فتاةٌ في السادسة عشرة من العمر، يصفها المبدع، فيكاد القارئ يبصرها أمامه: «وتعطيك انطباعاً حلواً ببساطتها، ما يجعلك تسرّ بالنّظر إليها، والتأمل في رقتها وجاذبية شخصيتها» (ص225)، بيد أن الجرّاح أبو عيشة يكتشف أنها تشكو مرضاً عظميّاً خبيثاً تفشّى حتى وصل الرّئة، وتيقّن أن شفاءها من سابع المستحيلات، لكنّه صمّم أن تعيش أيّامها الأخيرة بسلام، فاستدعى لها باحثةً اجتماعيّة، حوّلتها إلى راهب في كنيسة يأتي لزيارتها دوريّاً، واتّصل الجرّاح بفتية وفتيات الكشافة ليلعبوا معها، وقضت نحبها وهم ما زالوا في انتظارها، فذهبوا وهم يبكون. لقد ملكني جوّ القصّة، وشدّ اهتمامي، وبقيتُ أرجو النّهاية بشفائها،.. ولكنّ الموت لا ينتظر! لقد نقل لنا الكاتب إحساسه، فباتت معاناته معاناةً لنا.

وكتابة السيرة الذاتيّة كما يرى أحمد درويش، تعتمد على قدرٍ كبير من الجهد الفنّي في انتقاء أحداثٍ معيّنة من الواقع وخلق لونٍ من الوحدة بينها، ليتشكّل من هذا الانتقاء «واقعٌ حيٌّ».

جمال المعاني

أصنع حياتي بأن أدرك جمال معانيها حقيقةً: «كن جميلاً ترَ الوجود جميلا» (إيليا أبو ماضي).

يمكننا قراءة المعاني التي اختار نعمان أبو عيشة إيجازها بقوله: «...حتى توصّلت، في الأخير، إلى أسلوبٍ للتّعامل مع من هم حولي، ومن هم فوقي أو تحتي، يتمثل في شعار: (دعوني أمرّ، فهذه طريقي التي ستوصلني لممارسة حياتي كما أرى وأرغب)» (ص27). هذا الشعار بالغٌ في الدّلالة، بليغٌ في الإيجاز، ينبئ عن معانٍ سامية، والمعاني ناشئةٌ عن تجارب ذاتيّة، حوّلها تواليها وتتاليها إلى تجارب عامّة، لأنّنا شركاء في الحسّ الإنساني:

ما لنا كلّنا جوٍ يا رسول!/ أنا أهوى وقلبك المتبول! (المتنبي).

معانٍ تصنع الحياة

الإرادة

ينمّ عنها قول الكاتب: (دعوني). إنّه يستقلّ بإرادته عمّن ينعتهم بـ «أطباء المقاولات» (ص363) أو «تجار الكبد» (ص453)، الذين برّروا تقصيرهم في واجبهم تجاه المريض، بأنّه مجرّد حالةٍ مرضية، وعلاجها يصيب أو يخطئ!

لكنّ الطبيب أبو عيشة يرفض أن يسير مسارهم: «لقد تغير مفهوم الطب بعد اختلاطه بمهنة التجارة، «انصياعاً للدواعي الماديّة التي لا صلة لها بالقسَم الطبي والضمير الإنساني» (ص13)، وهو ينكر أن يكون الإحراز الأكاديمي كافياً وحده لتأهيل الطالب للالتحاق بكليّة الطّب: «فالمعيار الأساسي لدخول كليّة الطّب هو علامة التوجيهي، وليس الرغبة أو الموهبة، مع أنّ الحصول على العلامة الأعلى لا يكفي لتشخيص المقدرة الذهنية للطالب، أو إظهار الشكل النهائي لأخلاقياته المهنية ككل» (ص17)!

التّحدّي

وهو يتمثل في قوله: «أمرّ، فهذه طريقي التي ستوصلني». إنّها تجربتي الذّاتيّة؛ أخوضها كما يملي عليّ فكري ومنهجي في الحياة، الذي يأبى أن أكون كسائر القطيع، (فهذه طريقي التي ستوصلني). واستخدام الضمير المفرد هنا يشير إلى تفرّده وتميّزه: «كان طاقم الممرضين يُدخل مريضاً آخر إلى غرفة العمليّات، فأتأهّب للوقوف بجانبه قبل أن ينام مطمئناً مخدّراً، ليعلم أنني هنا، معه وفي خدمته» (ص307).

وكم اتّخذ د.نعمان قراراته بنفسه، ليلبّي ما يحسّ أنّه «واجبه»، فيؤدّيه على «مسؤوليته»، متحدّياً لوم من حوله، لأنّه صاحب رسالةٍ وأمانةٍ يقوم عليها: «لقد كنت مرتاحاً لأنّني مارست قناعاتي، وانحزت إلى واجبي الإنساني، والتزمتُ القسَم الطّبّي» (ص211).

والبذل أهمّ سمات هذا الجرّاح: «بدأ الجمع الذي كان يملأ القاعة بالتفرق، وبعد مغادرتهم واحداً تلو الآخر، وجدت سريراً فارغاً بجوار غرفة المريض فاستلقيت عليه لأخذ قسط من الراحة... لكن الفجر كان قد انبلج من سوادٍ حالك، فلم يعد هناك حاجةٌ للنوم، إنّه يوم جديد» (ص323). هو شعورٌ بالإيثار قلّ أن نجد نظيراً له، وهو يكشف أن صاحبه ذا همّةٍ عالية.

وإذا كانت النّفوس كباراً/ تعبت في مرادها الأجسام (المتنبي)

الإحساس والانسجام

«كما أرى وكما أرغب»، أصوغ تقبّلي لمن حولي، أؤمن تمام الإيمان أنّ غاية اهتمامي إنّما توجَّه إلى «الإنسان» أوّلاً، لأشعر بجمال الإنسانيّة (ص120)، فالإنسان مناط اهتمامي، لذا ركّزت على دراسة «القلب»، منبع النّبض والإحساس. هذا ما يقوله د.نعمان أبو عيشة، مؤكداً: «بقي القلب هاجسي ومرادي، إذ أرى أنّ مَن لامس قلباً ينبض، سينبض له قلبه حبّاً وفرحاً واحتراماً للحياة وتقديساً لها» (ص84).، فـحياته يستمدّها من «حياة سواه»، وينسجم فيها غاية الانسجام.

تتجلّى حساسيّة المبدع أبو عيشة من بداية سيرته، فلم يقتصر إهداؤه على عائلته الصغيرة وزملائه في المهنة، بل اتسع ليشمل أيضاً شركاءه في الإبداع: «وعظيم الشكر إلى الذين ليس باستطاعتي ذكر أسمائهم هنا، وهم المرضى الذين لولاهم لما تمكّنت من إنجاز الكتاب» (ص7)، والإحساس الإنساني –عند الطبيب- يلزمه، ليلزمه، ويفوق في درجة أهمّيّته، وقد يوازي مواهب الطبيب. وهو يقول في ذلك: «على الطبيب... أن يكون إنساناً قبل أن يكون طبيباً» (ص68).

حقيقة الجمال

الحقيقة لا تفنى، بل تبقى لأنّها لبّ المعاني، وليست من «المادّة» في شيء، ولأنّ الجرّاح نعمان أبو عيشة مبدعٌ فإنه يؤمن أن جراحة القلب تبقى «الحبّ الأوّل والحبّ الأخير في حياة الجرّاح» (ص510)، فحياة الإنسان مستمرة، وإن خالها بعضُهم تنقضي فحاولوا أن يغرقوا في ملذّاتها، «كأنما يسابقون عربة الزّمن لبلوغ النهاية الحتميّة» (ص510)، وتناسوا أو جهلوا أنّ ما يبقى أولى ممّا يزول.

لم يتأمّل كثيرٌ من النّاس معنى «الحقيقة» التي بإمكانهم أن يصوغوها، فـ «حين يحلم شخص حلماً يبقى حلماً، أما حين يحلم مجموعة من الأشخاص حلماً واحداً، فإنّ هذا الحلم يقترب من الحقيقة» (ص19)، وما تأمّلوا في الحقيقة التي أدركها الشعراء:

خلق النـاس للبقاء

فضلّت أمّــــةٌ يحسبــونهم للنّفـــاد

إنما ينقلون من دار أعمــــالٍ

إلى دار شقوةٍ أو رشـاد (المعرّي)

إن ملك هذا الطبيب الجرّاح حفظَ «حياة» غيره وإنقاذها، فــ «حياته» لا تنقضي:

الموت مرحلة الخلــود

والذكر عمر لا يبيد

فإذا انتهى أجل العظيم

فذكره أجــلٌ جـــديد (سيّد قطب)

«فكم من جراّحٍ يَظهر خشن الجانب صعب التعامل، بينما هو في حقيقته رجل حقٍّ، ذو ضميرٍ حيٍّ، يتّسم بالدّقّة والإخلاص في العمل» (ص22). حياة الأجساد محدودةٌ تؤول إلى الفناء، لكنّ حياة الأرواح «تبقى»، وذكر الإنسان باقٍ: «فالصفات الفريدة تبقى في الذاكرة الفردية أو الجماعية بالرغم من فناء أجساد أصحابها» (ص19)، وجمال الأخلاق يكتب من هم مثل د.نعمان أبو عيشة في سجلّ الخالدين.

وعودٌ على بدء.. العنوان: «جرّاح قلبٍ يتذكّر.. عن الحياة والموت وما بينهما». الحياة.. جرّبناها، الموت.. تخوّفناه، فما دلالة: «ما بينهما»؟!.. إنّها «تجربةٌ» تتذوّق كليهما وتعانيه في آن.. الموت يصارع الحياة ويغالبها ويتصدّى لها محاولاً قهرها، ولكن أنّى له ذلك والذّكريات.. لا تموت!